روايات وقصص

الجزء الثاني بقلم محمد عبده

ساد الصمت فجأة.

واضح إنه نسي إن المكالمة كانت على مكبر الصوت، وإن كل كلمة قالها وصلت لينا.

بريستون حاول يتدارك الموقف بسرعة.

— ماريان، أنا هكلمك بعدين.

وقبل ما يقفل، سمعته بيقول لأمه بصوت منخفض، لكنه كان واضحًا بما يكفي:

— قلت لك تستني لحد ما نتأكد إن الأوراق اختفت!

انتهت المكالمة.

فضلت ماسكة التليفون وأنا مش قادرة أتكلم.

جوناثان بص لأبويا، وأبويا بص لي.

ولأول مرة من بداية اليوم، شفت ملامح أبويا تتغير بشكل واضح.

مش خوفًا، ولا ارتباكًا.

لكن كأنه سمع للتو معلومة كان محتاجها علشان يفهم جزءًا مهمًا من الصورة.

حط إيده على كتفي برفق وقال:

— يا بنتي، واضح إن فيه حاجات بتحصل من وراكي، وده معناه إننا محتاجين نتحرك بحكمة، مش بعصبية.

سألته بصوت منخفض:

— يعني إيه الأوراق اختفت؟ وإيه الملفات اللي بيتكلموا عنها؟

أبويا ما ادانيش إجابة مباشرة.

بدلًا من كده، طلب من جوناثان يراجع قائمة المستندات اللي كانت بحوزتهم، ويتأكد إذا كان فيه أي أوراق ناقصة.

وبعد دقائق من المراجعة، رفع جوناثان رأسه ببطء.

قال:

— فيه مستند واحد مهم مش موجود ضمن النسخ اللي وصلتنا.

أبويا سأله:

— إيه هو؟

جوناثان فتح الملف، وطلع منه ورقة عليها بيانات شركة استثمارية قديمة، ثم قال:

— الاتفاق الأصلي اللي بيحدد مصدر الأموال اللي دخلت الشركة، والأشخاص اللي وافقوا على إدارتها.

وبعدها أضاف:

— لو المستند ده موجود فعلًا، ممكن يساعدنا نفهم ليه اسم مدام ماريان ظهر في المعاملات دي، ومين كان مسؤولًا عنها.

بصيت لأبويا، وقلبي بدأ يدق بسرعة من جديد.

كنت داخلة المستشفى فاكرة إن مشكلتي هي جوازي اللي بقى مليان إهانات، وإن حماتي بتحاول تبعدني عن بنتي.

لكن دلوقتي، بدأت أشك إنهم كانوا بيخططوا لحاجة أكبر من مجرد التخلص مني.

والسؤال اللي فضل يطاردني هو: هل كانوا عايزين ياخدوا بنتي مني علشان يبعدوني عن حياتهم، ولا علشان يمنعوني من اكتشاف السر اللي كانوا بيحاولوا يخفوه؟

ما كنتش أعرف إن الإجابة هتظهر أسرع مما توقعت، وإن المكالمة الجاية هتكون من شخص ما كنتش أتخيل إنه يعرف أي حاجة عن عيلتي.

يتبع في الجزء الثالث… 👇
### الجزء الثالث: المكالمة اللي قلبت كل الموازين

بعد ما بريستون قفل المكالمة، فضلت قاعدة على سرير المستشفى، وببص للتليفون اللي في إيدي كأني مستنية يرن تاني ويكشف لي حقيقة كل اللي بيحصل.

كلمة واحدة كانت بتتكرر في دماغي: الأوراق اختفت!

أي أوراق يقصدها؟ وليه حماتي كانت مصممة إنه ميقوليش حاجة عنها؟ وإيه علاقة المستندات دي بمحاولة عيلته الحصول على حضانة بنتي؟

كنت حاسة إن حياتي كلها بقت مجموعة من الأسئلة، وكل إجابة بتفتح بابًا لأسئلة أصعب.

أبويا لاحظ إنني متوترة، فقرب الكرسي من سريري وقعد جنبي.

قال لي بهدوء:

— ماريان، عايزك تفتكري حاجة مهمة. مش كل شخص بيخاف من ظهور الحقيقة بيكون بالضرورة مذنب، لكن لما حد يحاول يخفي مستندات أو يضغط على شخص تاني علشان يسكت، لازم نفهم السبب ونتأكد من الوقائع.

هزيت رأسي، وقلت له:

— أنا مش عايزة أظلم حد يا بابا، بس مش قادرة أفهم إزاي بريستون، الشخص اللي عشت معاه تسع سنين، ممكن يتعامل معايا بالطريقة دي.

أبويا بص لي بحزن.

— ساعات يا بنتي، بنفضل نصدق الصورة اللي رسمناها عن الناس، لحد ما تصرفاتهم تجبرنا نشوف الحقيقة بشكل مختلف.

الكلام وجعني، لأنه كان حقيقيًا.

كنت بقالي سنين بدافع عن بريستون قدام أبويا، وأقول له إن جوزي مضغوط بسبب شغله، وإن أمه صعبة في التعامل، وإن كل بيت فيه مشاكل.

كنت بختلق الأعذار علشان أحافظ على أسرتي.

لكن محدش كان بيحاول يحافظ عليّ أنا.

بعد حوالي نصف ساعة، جوناثان خرج من الغرفة علشان يتواصل مع مكتبه ويتابع الإجراءات المتعلقة بطلب الحضانة.

وأبويا خرج للحظات علشان يطمن على ليلى.

فضلت لوحدي، ولأول مرة من بداية اليوم، سمحت لنفسي أفكر في كل اللي حصل من غير ما أحاول أبرر تصرفات حد.

افتكرت المرات اللي كانت حماتي بتدخل فيها أوضتي من غير استئذان، وتنتقد هدومي، وطريقة تربيتي لبنتي، وحتى الأكل اللي بعمله.

افتكرت إزاي كانت بتتكلم عن شغلي وكأنه حاجة أقل من مستواهم، رغم إني كنت بحب عملي، وبحس إني بساعد الأطفال اللي محتاجين دعمًا علشان يقدروا يتواصلوا مع العالم.

وافتكرت بريستون، اللي كان دايمًا يطلب مني أتجاهل كلام أمه.

كان يقول لي:

— إنتِ عارفاها يا ماريان، متكبريش الموضوع.

كنت بسمع كلامه، وأعدّي الموقف، وأقول لنفسي إن الهدوء أفضل من الخلاف.

لكن كل مرة كنت بسكت فيها، كانوا بيعتبروا سكوتي موافقة.

وفجأة، رن التليفون مرة تانية.

المرة دي، الرقم كان غريبًا عني.

ترددت قبل ما أرد، لكن الفضول غلبني.

— ألو؟

جالي صوت راجل كبير في السن، بيتكلم بنبرة رسمية.

— مساء الخير. هل أنا بتحدث مع السيدة ماريان داوسون؟

— أيوه، مين حضرتك؟

— اسمي روبرت ميلر. أنا كنت مستشارًا ماليًا لإحدى الشركات المرتبطة باستثمارات عيلة ويتكومب، وبحاول أوصل لك من الصبح.

اتسعت عيناي.

— حضرتك عايز إيه مني؟

سكت لحظة، وبعدها قال:

— عرفت إنك في المستشفى، وإن فيه خلافات قانونية حصلت مؤخرًا. مش عايز أقلقك، لكن فيه موضوع قديم متعلق باسمك، وأعتقد إن من حقك تعرفي تفاصيله.

قلبي بدأ يدق بسرعة.

سألته:

— إنت عرفت رقمي منين؟

— رقمك كان موجودًا ضمن بيانات اتصال قديمة في ملف شركة، لكن أنا مش هطلب منك أي معلومات شخصية، ومش محتاج منك توقعي على أي حاجة. كل اللي عايزه إنك تعرفي إن فيه مستندات لازم تتراجع من خلال محاميك.

كلامه كان حذرًا، لكن فيه شيء خلاني أركز معاه.

سألته:

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى