روايات وقصص

الجزء الثاني بقلم محمد عبده

قال:

— فيه حساب استثماري اتفتح من سنوات، وكان مرتبطًا بترتيبات مالية داخل الشركة. اسمك ظهر ضمن الأوراق المتعلقة بالترتيبات دي، لكن المعلومات اللي عندي مش كافية علشان أحدد طبيعة دورك أو مدى معرفتك بالموضوع.

غمضت عيني للحظة.

نفس القصة بتتكرر.

اسمي موجود في مستندات أنا معرفش عنها حاجة.

قلت له:

— أنا عمري ما فتحت حساب استثماري، ولا وافقت على إدارة أموال تخص عيلة جوزي.

رد بسرعة:

— أنا مش باتهمك بأي حاجة، يا مدام ماريان. بالعكس، علشان كده قررت أتواصل معاك. فيه فرق كبير بين إن اسم شخص يظهر في ملف، وبين إنه يكون عارف أو موافق على كل اللي موجود فيه.

حسيت إن كلامه منطقي، لكني كنت خايفة أثق في أي شخص تاني.

قلت له:

— أنا عندي محامي، وأي حاجة تخص الموضوع ده تقدر تبعتها له بشكل رسمي.

— وده أفضل تصرف فعلًا. هتواصل مع الأستاذ جوناثان هيل من خلال القنوات القانونية، ومش هطلب منك أي حاجة بعيدًا عنه.

وبعدها أنهى المكالمة.

فضلت باصة للشاشة، وبحاول أستوعب إن شخصًا غريبًا اتصل بيا علشان يتكلم عن حساب استثماري يحمل اسمي.

ولما أبويا رجع للغرفة، حكيت له كل اللي حصل.

سمعني للآخر، وبعدها طلب مني رقم المتصل.

بص فيه، وملامحه بقت جادة.

سألته:

— إنت تعرفه يا بابا؟

قال:

— الاسم مألوف، لكن مش هحكم على الشخص من مجرد اسمه. لازم نتأكد من هويته، ونتعامل مع أي معلومات يقدمها عن طريق المحامي.

وبعدين أضاف:

— المهم إنك عملتي الصح لما رفضتي تدخلي في أي تفاصيل قانونية من غير محاميك.

بعد دقائق، رجع جوناثان للغرفة، وشرحنا له المكالمة.

دوّن اسم روبرت ميلر، وقال إنه هيتواصل معاه للتحقق من هويته، ويطلب منه أي مستندات ذات صلة بالطريقة القانونية المناسبة.

ثم التفت ناحيتي وسألني:

— هل عندك أي نسخة من الأوراق اللي طلب منك بريستون تمضي عليها؟

حاولت أفتكر.

كنت محتفظة بصندوق صغير في درج مكتبي في البيت، فيه أوراق شخصية وعقود قديمة وإيصالات تخص مصاريف الأسرة.

قلت له:

— ممكن يكون فيه نسخ في البيت، بس مش متأكدة.

رد:

— لو المستندات دي موجودة، مهم نحافظ عليها من غير ما نغيّر فيها أي حاجة. لكن مش عايزينك ترجعي البيت لوحدك، خصوصًا في الظروف الحالية.

أبويا أومأ بالموافقة.

— مش هترجع البيت دلوقتي. صحتها أهم من أي ورق، وأي مستندات نحتاجها هنطلب الحصول عليها بشكل قانوني.

كنت عارفة إنهم بيحاولوا يحموني، لكن فكرة إنني بقيت محتاجة محاميًا علشان أتعامل مع جوزي كانت بتكسر قلبي.

بعد شوية، دخلت ممرضة علشان تطمن على حالتي، وقالت إن الدكاترة محتاجينني أفضل تحت الملاحظة.

استغليت الوقت وسألت أبويا عن ليلى.

ابتسم لأول مرة من ساعات.

— بنتك كويسة، يا حبيبتي. كانت قلقة عليكي، لكن لما كلمتها وقلت لها إنك بتتعالجي وهتشوفيها قريب، هديت شوية.

عيني دمعت.

— هي سألتني وقعت إزاي؟

أبويا سكت للحظة، وبعدين قال:

— سألت إذا كنتِ هترجعي البيت. وأنا قلت لها إن أهم حاجة دلوقتي إن ماما تبقى كويسة، وإن الكبار هيتصرفوا في باقي الأمور.

حسيت بالذنب.

بنتي عندها سبع سنين، ومش المفروض تتحمل أي جزء من الصراع ده.

قلت لأبويا:

— أنا عايزاها تكون بعيدة عن كل المشاكل دي. مش عايزاها تسمع كلام وحش عني أو عن أبوها.

مسك إيدي وقال:

— وده حقها. هنحاول نحميها من الخلافات قدر الإمكان، وفي نفس الوقت هنضمن إن محدش يستخدمها للضغط عليكي.

في اللحظة دي، فهمت إن المعركة الحقيقية مش بس علشان أثبت إنني أم كويسة.

المعركة كمان علشان ليلى متتحولش إلى وسيلة يستخدمها أي طرف علشان يكسب خلافه مع الطرف التاني.

في صباح اليوم التالي، كنت بدأت أتحسن قليلًا، رغم إن الحركة كانت لسه صعبة بسبب إصابة كتفي والكسور اللي عندي.

دخل جوناثان الغرفة ومعاه مجموعة مستندات جديدة.

قال:

— عندنا تطور مهم، لكن محتاجين نتعامل معاه بهدوء.

أبويا كان موجودًا، فقرب الكرسي من المكتب الصغير، وطلب منه يكمل.

جوناثان وضّح إن روبرت ميلر تواصل مع مكتبه بالفعل، وأكد هويته، ووافق على تقديم المعلومات اللي عنده من خلال الإجراءات القانونية.

وكان من بين المستندات الأولية إشارات إلى حساب استثماري قديم، وإلى وثائق تحمل بياناتي ضمن مجموعة من المعاملات.

لكن الأهم إن بعض التواريخ الموجودة في الملفات كانت متقاربة مع الفترة اللي بريستون طلب مني فيها أوقّع على الأوراق.

سألته بقلق:

— هل ده معناه إن التوقيعات دي اتستخدمت من غير علمي؟

رد بحذر:

— لسه منقدرش نقول كده. محتاجين نشوف النسخ الأصلية، ونتأكد من صحة التوقيعات، ونعرف إيه المعلومات اللي كانت متاحة لك وقت التوقيع. لكن التواريخ دي بتخلينا محتاجين نفحص الموضوع بدقة.

أبويا بص للمستندات، وسأل:

— هل فيه أي دليل يوضح مين كان مسؤولًا عن تجهيز الأوراق؟

جوناثان رد:

— لحد دلوقتي، فيه أسماء مرتبطة بإجراءات الشركة، لكن مش هنوجه اتهامات لأي شخص قبل ما تتجمع الأدلة الكافية.

كنت بسمع الكلام، وفجأة افتكرت إن بريستون كان بيحتفظ بصندوق معدني صغير في مكتبه داخل البيت.

كان دايمًا يقول إن الصندوق فيه أوراق خاصة بالشغل، وإنه مش عايز حد يلمسه.

وفي مرة، من حوالي ست شهور، دخلت المكتب علشان أدور على شاحن التليفون، ولقيته واقف قدام الصندوق، وبيتكلم في التليفون بصوت منخفض.

أول ما شافني، أنهى المكالمة بسرعة، وسألني أنا بدور على إيه.

وقتها افتكرت إن ده مجرد تصرف عادي من شخص بيحب الخصوصية.

لكن دلوقتي، المشهد رجع لذهني بتفاصيله.

قلت لجوناثان:

— بريستون عنده صندوق مقفول في مكتبه، وكنت بشوفه أحيانًا بيحط فيه أوراق. معرفش إيه اللي جواه، لكن ممكن يكون له علاقة بالموضوع.

المحامي كتب المعلومة في ملاحظاته، وقال:

— هنحتفظ بالمعلومة دي، ولو كان فيه سبب قانوني يستدعي فحص محتويات الصندوق، هنطلب اتخاذ الإجراء المناسب. المهم إن محدش يحاول يفتحه أو ياخد أي مستندات منه من غير تصريح قانوني.

أبويا وافق، وبعدها التفت ناحيتي.

— ماريان، فيه حاجة تانية لازم أسألك عنها. هل بريستون أو أي حد من عيلته طلب منك في الفترة الأخيرة توقّعي على مستندات جديدة، أو قال لك إن فيه مشكلة في حساباتك؟

فكرت شوية، وبعدها افتكرت موقفًا حصل قبل أسبوعين.

بريستون دخل المطبخ وأنا بجهز العشا، وحط قدامي ظرفًا أبيض.

قال لي وقتها:

— محتاج توقيعك على ورقتين علشان نخلص موضوع قديم.

سألته عن الموضوع، فقال إنها إجراءات خاصة بالشركة، وإنه هيشرح لي التفاصيل بعدين.

لكن لما طلبت منه أقرأ الورق بهدوء، اتضايق وقال إني بقيت بشك فيه من غير سبب.

وفي النهاية، أخد الظرف ومشي.

حكيت لأبويا وجوناثان اللي حصل.

المحامي طلب مني أكتب كل التفاصيل اللي فاكرها، بما فيها التاريخ التقريبي للموقف، من غير ما أضيف أي حاجة مش متأكدة منها.

وبعد ما خلصت، قال:

— كويس إنك افتكرتي الموقف ده. مش معناه إنه يثبت وجود مخالفة، لكنه ممكن يساعدنا نحدد المستندات اللي محتاجين نراجعها.

كنت على وشك أسأله عن الخطوة التالية، لما تليفون أبويا رن.

بص للشاشة، وسكت للحظة قبل ما يرد.

— أيوه، أنا معاك.

سمع الطرف التاني من غير ما يقاطعه.

وبعدين قال:

— هل عندك نسخة موثقة من المستند؟

سكت تاني، وبعدها رد:

— تمام. ابعتها للمحامي مباشرة، وخلي كل حاجة تتم من خلال الإجراءات الرسمية.

أنهى المكالمة، وحط التليفون في جيبه.

بصيت له بقلق.

— مين كان بيتكلم يا بابا؟

رد:

— شخص بيتابع بعض المعلومات المتعلقة بالملفات القديمة. ظهر مستند محتاجين نراجعه، لكن مش هنعتمد عليه قبل ما نتأكد من صحته.

جوناثان سأله:

— هل المستند له علاقة بالحساب الاستثماري؟

أبويا أومأ برأسه.

— على الأغلب، لكن لازم نشوفه الأول.

حسيت إننا قربنا من الحقيقة، لكن في نفس الوقت، كنت خايفة من اللي ممكن نكتشفه.

لأن لو بريستون كان فعلًا بيخفي عني معلومات مالية مهمة، فده معناه إن العلاقة اللي كنت فاكرة إني عارفاها كويس، يمكن كانت مختلفة تمامًا عن اللي عشتها.

وفجأة، تليفوني رن مرة تالتة.

المرة دي، كانت المكالمة من رقم معروف.

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى