روايات وقصص

الجزء الثاني بقلم محمد عبده

أبويا ملامحه متغيرتش، لكنه أخد نفس طويل قبل ما يرد.

— الثقة مش غلط يا بنتي. الغلط إن حد يستغل ثقتك علشان يخليكي تمضي على حاجة مش فاهمة كل تفاصيلها.

جوناثان أخرج نسخة من مستندات قديمة، وحطها قدامي.

كانت فيها بيانات مالية وقانونية، وأسماء شركات عمري ما سمعت عنها قبل كده.

وبعد ما راجع بعض الصفحات، قال:

— من مراجعة المستندات المتاحة، ظهر إن اسمك اتستخدم في معاملات مرتبطة بشركة استثمارية، وإن فيه أسئلة محتاجة إجابات واضحة عن طبيعة دورك فيها، ومدى معرفتك بالتفاصيل.

حسيت إن الدنيا بتلف بيا.

— يعني إيه اسمي اتستخدم؟ أنا عمري ما اشتغلت في شركة استثمارية، ولا دخلت في أي مشروع مع عيلة جوزي!

أبويا مسك إيدي وقال:

— وده بالضبط اللي لازم نثبته. مش هنفترض إنك مذنبة، ومش هنسمح لحد يحمّلك مسؤولية حاجة من غير دليل.

كلامه طمّنني شوية، لكن الخوف كان لسه مسيطر عليّ.

لو كان اسمي فعلًا موجود في معاملات مالية مش فاهمة تفاصيلها، فده معناه إن الموضوع أكبر من مجرد خلاف عائلي.

وساعتها افتكرت حاجة تانية.

قبل حوالي شهرين، بريستون طلب مني صورة من بطاقتي الشخصية، وقال إنه محتاجها علشان يحدّث بيانات التأمين.

أنا اديته الصورة من غير ما أسأل.

وبعدها بأسبوع، حماتي إلينور بدأت تتكلم معايا بطريقة غريبة، وتسألني أسئلة عن شغلي ومرتبي وحسابي البنكي.

وقتها افتكرت إنها مجرد محاولة جديدة منها علشان تحسسني إني مش مناسبة لابنها.

لكن دلوقتي، كل التفاصيل دي بدأت تاخد معنى مختلف.

سألت جوناثان:

— هو ممكن يكونوا بيحاولوا يخلوني أتحمل مسؤولية حاجة أنا معرفش عنها أي حاجة؟

رد بحذر:

— ده احتمال لازم نفحصه، لكن لسه بدري على أي استنتاج نهائي. إحنا محتاجين نراجع المستندات الأصلية، ونتأكد من التوقيعات، ونعرف مين طلب المعاملات دي ومين استفاد منها.

أبويا هز رأسه وقال:

— وهنبدأ من هنا.

وبعدين أخرج من جيب الكارديجان ورقة صغيرة، وكتب عليها رقم تليفون.

ناولها لجوناثان وقال:

— عايزك تتواصل مع الخبير اللي اتفقنا معاه، ويبدأ مراجعة كل المستندات اللي تخص التوقيعات والمعاملات المرتبطة باسم بنتي. وكل خطوة لازم تتم بشكل قانوني وموثق.

جوناثان أخد الورقة، ودوّن ملاحظات في الملف.

كنت بتفرج عليهم وأنا مش قادرة أصدق إن أبويا اللي كنت فاكرة إن حياته كلها بتدور حوالين بيته البسيط وحفيدته، بيتعامل مع الموضوع بالدقة دي.

لكن اللي حصل بعد كده كان أغرب.

أبويا التفت لي وسألني:

— بريستون كان موجود لما وقعتي من على السلم؟

اترددت قبل ما أجاوب.

كان السؤال بسيط، لكن الإجابة كانت بتوجعني.

— أيوه، كان موجود.

— وإيه اللي حصل قبلها؟

غمضت عيني، وحاولت أرجع بذاكرتي للحظات اللي سبقت الوقعة.

في الصبح، كنت نازلة من الدور العلوي علشان أجهز ليلى للمدرسة.

سمعت صوت حماتي من غرفة المعيشة، وكانت بتتكلم مع بريستون عني.

كانت بتقول له إني بقيت عبء على العيلة، وإن وجودي في البيت بقى مشكلة، وإنه لازم ينهي الموضوع قبل ما أسبب لهم إحراج قدام الناس.

أنا مكنتش ناوية أسمع كلامهم، لكن لما سمعت اسمي، وقفت على السلم من غير ما أحس.

وبعدين بريستون خرج من الغرفة وشافني.

سألني بحدة:

— إنتِ واقفة هنا من إمتى؟

قلت له إني نازلة أجهز بنتنا، وإنني سمعت جزءًا من الكلام.

ملامحه اتغيرت، وطلب مني أنزل معاه علشان نتكلم بعيد عن أمه.

لكن قبل ما أوصل لآخر درجات السلم، بدأ بينا خلاف.

قلت له إني تعبت من إهانة أمه ليا، وإني مش هقبل إنها تفضل تعاملني كأني ضيفة تقيلة في بيتي.

هو رد بعصبية، وقال إنني لازم أتعلم أحترم عيلته وأبطل أعمل مشاكل.

وبعدها حصلت الوقعة.

كنت فاكرة إن رجلي اتزحلقت، وإنني فقدت توازني وأنا بحاول أعدي من جنبه.

لكن دلوقتي، وأنا بحاول أفتكر التفاصيل، اكتشفت إن فيه لحظات مش واضحة في ذاكرتي.

قلت لأبويا:

— أنا مش متأكدة من كل حاجة، يا بابا. كل اللي فاكره إني كنت بتكلم معاه، وبعدها لقيت نفسي واقعة على الأرض.

أبويا ملامحه بقت أكثر جدية.

— مش مطلوب منك تفتكري حاجة مش متأكدة منها. هنقول اللي إنتِ فاكره بالضبط، وأي تفاصيل تانية هتظهر من خلال الأدلة، لو كانت موجودة.

وبعدين بص لجوناثان وقال:

— عايزك تتأكد إن أي تسجيلات موجودة في البيت يتم الحفاظ عليها، لو كان فيه كاميرات في المكان. وعايزنا نلتزم بالقانون في كل خطوة.

جوناثان دوّن الطلب، وأكد له إنه هيتعامل مع الأمر عن طريق الجهات المختصة.

في اللحظة دي، حسيت إني أخيرًا مش مضطرة أواجه كل حاجة لوحدي.

لكن راحتي ما استمرتش طويلًا.

لأن باب الغرفة اتفتح فجأة، ودخلت ممرضة وهي ماسكة التليفون الخاص بيا.

قالت:

— آسفة يا مدام، بس فيه مكالمات كتير من نفس الرقم، وبيطلبوا مني أوصلهولك بشكل عاجل.

بصيت للشاشة.

كان اسم بريستون ظاهرًا.

فضلت أبص للتليفون لثواني، مش عارفة أرد ولا لأ.

أبويا سألني:

— تحبي تردي؟

هزيت رأسي بالنفي في البداية، لكن بعد لحظة غيرت رأيي.

كنت محتاجة أعرف هو عايز إيه، خصوصًا بعد ما عرفت إن عيلته قدمت طلبًا للحصول على حضانة ليلى.

ضغطت على زر الرد، وفتحت مكبر الصوت بعد ما أشرت لجوناثان وأبويا.

جالي صوته متوترًا:

— أخيرًا رديتي! إنتِ فين؟ وإيه اللي بيحصل هناك؟

بصيت لأبويا، وبعدين رديت:

— أنا في المستشفى يا بريستون، في نفس المكان اللي وصلتني له تصرفاتكم.

سكت لحظة، وبعدها قال بنبرة حادة:

— بلاش الكلام ده دلوقتي. إحنا عندنا مشكلة كبيرة، ولازم ترجعي البيت في أسرع وقت.

ضحكت بمرارة رغم الألم اللي كنت حاساه.

— أرجع البيت ليه؟ علشان أمك تتصل بأبويا وتطلب منه ياخدني؟ ولا علشان أعرف إنكم قدمتم طلب حضانة لبنتي وأنا لسه في المستشفى؟

صوته اتغير.

— مين قال لك الكلام ده؟

بصيت لجوناثان، اللي أشار لي إني أكتفي بالكلام الواضح من غير ما أدخل في جدال.

قلت:

— المحامي شرح لي كل حاجة. وأنا مش هوقّع على أي ورق جديد، ومش هتنازل عن أي حق من حقوقي.

بريستون سكت لثواني، وبعدها قال جملة خلتني أشعر إن فيه حاجة تانية بيحاول يخفيها.

— اسمعيني كويس، يا ماريان. الموضوع مش زي ما إنتِ فاكرة. لو والدك تدخل في المسألة دي، ممكن يخلي الأمور أسوأ بكتير بالنسبة لك.

اتجمدت مكاني.

هو كان عارف إن أبويا اتدخل.

لكن ليه كان خايف من تدخله بالشكل ده؟

وقبل ما أقدر أسأله، سمعت صوت حماتي في الخلفية، وهي بتقول له بعصبية:

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى