روايات وقصص

يوم فرحي بقلم محمد عبده

قال إن أحمد كان اتواصل معاه قبل الجواز بفترة، وطلب منه يساعده في بعض الإجراءات الخاصة بالشقة والحسابات، بحجة إننا هنبدأ حياتنا الجديدة ونحتاج ننظم أمورنا المالية.

محمود صدقه، خصوصًا إن أحمد كان بيتكلم بثقة، وبيظهر قدام الناس بصورة الشخص المسؤول اللي عايز يبني مستقبل مستقر مع زوجته.

لكن محمود اعترف إنه ما شافش كل الأوراق، وما سألنيش إذا كنت موافقة فعلًا على الإجراءات.

قلت له بحزن: «إنت كنت تعرفني طول عمرك يا محمود. كان ممكن تتصل بيا في دقيقة وتسألني.»

نزل عينه وقال: «عارف. وأنا غلطان. كنت فاكر إني بساعدكم، لكني ما فكرتش إني ممكن أكون بساعده في حاجة إنتِ مش فاهمها أو مش موافقة عليها.»

سألته: «والفلوس؟»

رد: «أنا ما أقدرش أؤكد لك مين اللي قدم الطلب أو مين المستفيد منه. كل اللي أعرفه إني اتعاملت مع أحمد في موضوع الأوراق، وده كل اللي أقدر أشهد بيه بصدق.»

لأول مرة، حسيت إن محمود بدأ يتحمل مسؤولية تصرفه بدل ما يحاول يبرر كل حاجة.

قلت له: «أنا مش هقدر أنسى اللي حصل بسهولة، لكن لو فعلًا عايز تصلح غلطك، قول الحقيقة كاملة للمحامي، وما تخبيش أي معلومة.»

هز راسه بالموافقة.

وبالفعل، تعاون مع المحامي، وقدّم كل المعلومات اللي عنده، من غير ما يضيف أي اتهامات مش متأكد منها.

أما أحمد، فحاول يتواصل معايا مرات كتير.

في البداية، كان بيبعت رسائل يقول فيها إنه بيحبني وإن اللي حصل في الفرح كان لحظة تهور.

بعدها، بدأ يلوم كريم، ويتهمه إنه السبب في خراب الجواز.

وفي رسالة أخيرة، كتب لي:

«إنتِ هتندمي إنك صدقتي أخوكي بدل جوزك.»

قريت الرسالة مرتين، وبعدها رديت عليه:

«أنا ما اخترتش أخويا بدل منك. أنا اخترت أحمي نفسي لما لقيت تصرفاتك وكلامك مش متوافقين مع الوعود اللي وعدتني بيها. لو عندك دليل يثبت إنك بريء من أي مخالفة، قدّمه للمحامي. لكن ما تطلبش مني أرجع أثق فيك لمجرد إنك بتقول إنك بتحبني.»

وبعدها، وقفت التواصل المباشر معاه، وخليت أي نقاش متعلق بالأوراق أو الحقوق يتم عن طريق المحامي.

مرت أسابيع، وبدأت الصورة تتضح تدريجيًا.

المراجعة الرسمية كشفت وجود مخالفات في بعض الإجراءات المرتبطة بالمعاملة المالية، واتخذ المحامي الخطوات القانونية اللازمة لحماية حقوقي، وطلب التحقيق في استخدام بياناتي والتوقيع المنسوب ليا.

ما كانش ممكن أحكم من مجرد التسجيل أو الأوراق الأولية على المسؤولية النهائية لأي شخص، لكن بقى عندي ما يكفي من الأسباب إني ما أرجعش لحياتي السابقة مع أحمد وكأن شيئًا لم يحدث.

أما موضوع جوازنا، فقررت إني أنهي العلاقة، وبدأت الإجراءات القانونية المناسبة بمساعدة المحامي.

ما كانش القرار سهل.

كنت أحيانًا أصحى من النوم وأفتكر يوم الفرح، وأفتكر نفسي وأنا ماشية في الممر بفستاني الأبيض، ومبسوطة ومقتنعة إني أخيرًا لقيت الإنسان اللي هكمل معاه حياتي.

وأوقات تانية، كنت أفتكر لحظة ما زق وشي في التورتة، والضحكة اللي ضحكها، وكلامه لما طلب مني أسكت عشان ما أحرجوش قدام الناس.

لكن مع مرور الوقت، فهمت إن اللي وجعني ما كانش نهاية الجواز وحدها، بل اكتشافي إني كنت بحاول أحافظ على صورة جميلة لشخص ما كانش بيتعامل معايا بالاحترام اللي أستحقه.

كريم فضل جنبي طول الفترة دي، لكنه ما حاولش ياخد قرارات مكاني.

كان دايمًا يقول لي: «أنا أخوكي، ودوري أقف جنبك. لكن حياتك قرارك إنتِ، وأنا هساندك في أي قرار يحميكي.»

الكلام ده كان بيفرق معايا أكتر مما يتخيل.

لأنه كان بيثبت لي إن الحماية الحقيقية مش معناها إن حد يتحكم في حياتك، لكنها معناها إن حد يقف جنبك لحد ما تقدر تستعيد قوتك وتختار بنفسك.

وماما كمان كانت سند كبير ليا.

في إحدى الليالي، وأنا قاعدة معاها في البلكونة، سألتني: «لسه زعلانة على الجواز يا بنتي؟»

بصيت للسما وقلت: «أوقات بزعل على الحلم اللي كنت متخيلاه، مش على الشخص نفسه. كنت أتمنى إن كل حاجة تطلع حقيقة، وإننا نعيش حياة سعيدة.»

ماما مسكت إيدي وقالت: «من حقك تزعلي على حلم ضاع. بس ما تندميش إنك وقفتي لما اكتشفتي إن الطريق مش آمن ليكي.»

حضنتها، وحسيت إن كلامها لمس حاجة جوايا كنت محتاجة أسمعها.

بعد شهور، رجعت لشغلي، وبدأت أرتب حياتي من جديد.

رجعت أهتم بنفسي، وأخرج مع صحابي، وأعمل الحاجات اللي كنت بأجلها بحجة إني مشغولة بتجهيز البيت والجواز.

أما محمود، ففضل يحاول يصلح علاقته بيا، من غير ما يضغط عليّا عشان أسامحه بسرعة.

ومع الوقت، بدأت أقدر أفرق بين الاعتذار الحقيقي وبين الكلام اللي هدفه إنهاء المشكلة بأسرع طريقة.

أنا ما نسيتش اللي حصل، لكني بطلت أعيش أسيرة له.

وفي يوم، قررت أروح المكان اللي اتعمل فيه الفرح، مش عشان أسترجع الذكريات، لكن عشان أواجه نفسي وأقفل الصفحة دي.

وقفت في نفس القاعة، وبصيت للمكان اللي كانت فيه التورتة.

افتكرت إني يومها كنت فاكرة إن كرامتي انتهت قدام 120 شخص، وإن الناس كلها هتفتكرني باعتباري العروسة اللي اتعرضت للإهانة في فرحها.

لكن الحقيقة كانت مختلفة.

الناس اللي شافوا اللي حصل، شافوا كمان إني ما قبلتش الإهانة، وإن أخويا وقف جنبي، وإن وجودي في موقف صعب ما كانش معناه إني ضعيفة.

في اليوم ده، فهمت إن اللحظة اللي افتكرتها نهاية حياتي كانت في الحقيقة بداية رجوعي لنفسي.

ما كنتش محتاجة أنتقم من أحمد، ولا أثبت للناس إنه شخص سيئ. كنت محتاجة بس أحمي حقوقي، وأتعلم من التجربة، وما أسمحش للخوف من كلام الناس إنه يجبرني أعيش في علاقة فقدت فيها الأمان والاحترام.

وفي آخر زيارة ليا للمحامي، سألت عن آخر تطورات الإجراءات، واطمأننت إن حقوقي المالية بتتراجع بالطريقة القانونية الصحيحة.

خرجت من المكتب، واتصلت بكريم.

أول ما رد، قلت له: «عارف يا كريم؟ أنا النهارده حاسة إني أخيرًا قدرت أتنفس.»

ضحك وقال: «الحمد لله يا نهى. كنت مستني أسمع منك الجملة دي.»

قفلت المكالمة، ومشيت في الشارع وأنا مبتسمة.

ما كنتش عارفة المستقبل هيحمل لي إيه، لكني كنت عارفة حاجة واحدة أكيدة:

مش هسمح لأي إنسان يخليني أختار بين الحب وكرامتي، لأن الحب الحقيقي عمره ما يطلب مني أتنازل عن احترامي لنفسي.

النهاية. ❤️

3 من 3التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى