
رد:
«ما شرحش التفاصيل. بس قال لي إنه لو ما لحقش يصلح الموضوع، ناس كتير ممكن تتأذى».
وبعدين قفل الخط بعد ما وعدني إنه هيكلمني تاني.
فضلت ماسكة الموبايل، وأنا بحاول أفهم إذا كان محمود بيحذرني فعلًا، ولا كان عارف تفاصيل أكتر مما بيقول.
بعد حوالي نص ساعة، اتصل بيا الضابط المسؤول عن متابعة البلاغ.
قال لي إنهم راجعوا بعض المستندات اللي كانت موجودة في البيت، وإنهم لقوا ما يستدعي فحصًا إضافيًا لوثيقة التأمين.
وأوضح إن وجود اسم شخص في مستند مالي مش دليل لوحده على ارتكابه أي مخالفة، لكن اختلاف البيانات والتقارير محتاجين تحقيقًا دقيقًا.
وبعدين سألني:
«مدام نادين، هل أخو حضرتك محمود كان عنده إمكانية يدخل البيت أو يطلع على أوراق الأسرة؟»
قلت له:
«أيوه، هو أخويا، وكان بيزورنا من وقت للتاني. لكن أنا ما أعرفش إذا كان شاف الأوراق دي أو لا».
طلب مني أحتفظ بكل الرسائل، وما أحذفش أي مكالمات أو مستندات، وقال إنهم هيتواصلوا مع محمود لو احتاجوا يسمعوا أقواله.
بعد المكالمة، بدأت أحس إن القضية بتكبر قدامي، وإن كل إجابة بتكشف سؤالًا جديدًا.
لكن كان لازم أركز على مريم قبل أي حاجة.
أخدتها إلى بيت أختي سلمى، في مكان آمن بعيد عن المنزل، وطلبت منها تفضل معاها لحد ما أرجع.
مريم كانت مرهقة جدًا، لكنها قبل ما أدخل العربية مسكت إيدي وقالت:
«ماما، هو بابا زعلان مني علشان سمعت كلامه؟»
حسيت بوجع شديد في قلبي.
نزلت لمستواها، وبصيت في عينيها وقلت:
«لأ يا حبيبتي، إنتِ ما عملتيش أي حاجة غلط. إنتِ كنتِ خايفة عليّ، وقلتي لي اللي سمعتيه علشان تحميني. ومهما حصل بين الكبار، إنتِ مالكيش أي ذنب فيه».
حضنتني بقوة، وبعدها دخلت البيت مع خالتها.
أما أنا، فقررت أرجع للشرطة وأقدم كل الرسائل الجديدة.
في المساء، وصلني اتصال من رقم غير مسجل.
رديت، وسمعت صوت راجل بيقول:
«مدام نادين، أنا شريف. محتاج أقابلك وأشرح لك الحقيقة قبل ما تسمعيها من حد تاني».
قلت له:
«لو عندك حاجة مهمة تقولها، قولها دلوقتي».
تنهد وقال:
«أحمد دخل في مشكلة مالية كبيرة، وكان بيحاول يغطي خسائر حصلت في شغله. أنا وافقت أساعده في ترتيب بعض الأمور، لكن لما فهمت إن فيه مستندات ممكن تتقدم لشركة التأمين بمعلومات مش صحيحة، رفضت أكمل».
سألته:
«طيب، ليه اسمك موجود باعتبارك المستفيد؟»
رد بعد لحظة تردد:
«لأن أحمد قال لي إن الوثيقة مجرد ضمان مالي مؤقت، وإن اسمي هيتشال بعد ما الأزمة تخلص. لكن لما عرفت إن فيه اختلاف بين النسخ، بدأت أقلق».
قلت له بحدة:
«إنت عايزني أصدق إنك ما كنتش تعرف حاجة؟»
رد:
«أنا مش بطلب منك تصدقيني. أنا عندي رسائل ومراسلات بتوضح الكلام اللي حصل، وهقدمها للشرطة».
سألته عن محمود، لكنه قال إنه ما يعرفش ليه اسمه ظهر في الأوراق، وإن أحمد هو الشخص الوحيد اللي يقدر يفسر النقطة دي.
وبعدين قال جملة خلتني أركز معاه:
«نادين، فيه حاجة لازم تعرفيها. أحمد ما رجعش البيت النهارده علشان موضوع التأمين بس. هو كان بيدور على ملف قديم موجود في مكتب البيت، والملف ده لو وصل للشرطة، ممكن يغيّر اتجاه التحقيق كله».
سألته:
«إيه الملف ده؟»
قال:
«مش عارف محتواه بالكامل، لكن سمعت أحمد بيتكلم عنه أكتر من مرة، وكان بيقول إن وجوده في البيت خطر عليه».
قبل ما أقفل المكالمة، طلبت منه يقدم كل المعلومات اللي عنده للشرطة، وما يحاولش يقابلني أو يقابل أي حد من عيلتي بعيدًا عن التحقيق.
وبالفعل، بعد وقت قصير، أبلغت الضابط بكل اللي قاله.
في صباح اليوم التالي، تلقيت اتصالًا من الشرطة يطلب مني الحضور لاستكمال أقوالي.
وهناك، عرض عليّ الضابط صورة لملف قديم تم العثور عليه داخل مكتب أحمد.
كان الملف يحتوي على مستندات مالية، وصور لمراسلات، ونسخة من عقد قديم يخص إحدى الشركات اللي أحمد كان بيتعامل معاها.
لكن اللي شد انتباهي فعلًا كان ورقة صغيرة مكتوب عليها اسم محمود ورقم حساب بنكي.
سألت الضابط:
«هل أخويا متورط في حاجة؟»
رد بهدوء:
«لسه ما نقدرش نقول كده. وجود اسمه في الورقة مش كفاية. إحنا محتاجين نفهم سبب وجود البيانات دي، وهل الحساب مرتبط بالتحويلات اللي بنراجعها».
بصيت للورقة مرة تانية.
كان فيه تاريخ مكتوب بجوار رقم الحساب، وهو نفس اليوم اللي أحمد طلب مني فيه أمضي على أوراق التأمين.
حسيت إن فيه رابط بين الأحداث، لكني ما كنتش عارفة طبيعته.
وبينما كنت بحاول أستوعب التفاصيل، دخل ضابط آخر الغرفة، ومعاه مستند جديد.
قال لزميله:
«وصلنا رد من الشركة بخصوص النسخة التانية من الوثيقة».
الضابط الأول قرأ المستند، وبعدها رفع عينيه وبص لي.
وقال:
«مدام نادين، فيه تطور مهم. الشركة أكدت إن النسخة اللي عندك مش هي النسخة الوحيدة، وإن فيه تعديل اتسجل بعد توقيعك الأصلي».
سألته:
«مين اللي طلب التعديل؟»
بص للمستند، وبعدها قال:
«الطلب اتقدم إلكترونيًا باستخدام بيانات مرتبطة بحساب زوج حضرتك، لكننا لسه بنتحقق من الشخص اللي نفّذ الإجراء فعلًا».
وبعدين أضاف:
«وفيه تفصيلة تانية. التعديل اتسجل قبل يومين من زيارة فني الصيانة لبيتكم».
رجعت بذاكرتي لليلة اللي أحمد طلب مني أمضي فيها على الأوراق.
كان وقتها بيقول إن كل حاجة مجرد إجراءات روتينية، وإنه عايز يخلّصها بسرعة قبل سفره.
لكن دلوقتي، كل تفصيلة كانت بتقول إن الموضوع ما كانش عفويًا زي ما تخيلت.
وقبل ما أقدر أسأل الضابط عن أي حاجة تانية، رن تليفوني.
كان محمود.
رديت، وسمعته بيتكلم بصوت مرتعش:
«نادين، لازم أشوفك. فيه حاجة حصلت، وأنا ما كنتش أعرف إنها هتوصل لكده».
سألته:
«إنت فين يا محمود؟»
قال:
«أنا في البيت عندك، قدام الباب. وأحمد هنا كمان».
وقفت من مكاني بسرعة.
«إنت بتعمل إيه هناك؟ مش قلت لي إنك ما قابلتش شريف وإنك ما تعرفش حاجة عن الأوراق؟»
رد بصوت مكسور:
«أنا عارف إني غلطت لما ما قلتلكيش كل حاجة، لكن أقسم بالله ما كنتش أعرف إن الموضوع ممكن يوصل لكده. أحمد بيقول إن الشرطة هتتهمني أنا، وإن الحل الوحيد إني أساعده».
حسيت إن قلبي بيدق بسرعة.
سألته:
«تساعده في إيه؟»
سكت لحظة، وبعدها قال:
«أحمد عايزني أقول إنك إنتِ اللي طلبتي تعديل وثيقة التأمين، وإنك كنتِ عارفة بكل حاجة من البداية!»
ما قدرتش أتكلم.
أخويا اللي كنت فاكرة إنه بعيد عن كل اللي بيحصل، كان واقف دلوقتي قدام بيتي مع أحمد، والطلب اللي بيقوله لي ممكن يورطني في قضية ما أعرفش عنها أي حاجة.
لكن محمود كمل كلامه بسرعة:
«أنا رفضت يا نادين. وعشان كده أحمد اتعصب، وبدأ يهددني بالمستندات اللي عنده. أنا محتاج أقول للشرطة كل حاجة، بس خايف».
أخدت نفسًا عميقًا، وقلت له:
«ما تتحركش من مكانك، وما تمضيش على أي ورقة، وما تدخلش في أي نقاش مع أحمد. أنا هبلغ الشرطة بمكانك دلوقتي».
قفلت المكالمة وأبلغت الضابط فورًا.
لكن قبل ما أتحرك، وصلني تسجيل صوتي من محمود.
فتحته، وسمعت صوت أحمد واضحًا وهو بيقول:
«لو نادين عرفت إن التحويلات بدأت قبل توقيع الوثيقة، كلنا هنكون في مشكلة. لازم نتفق على رواية واحدة قبل ما الشرطة توصل».
وبعدها سمعت صوت محمود بيرد:
«أنا مش هكدب على أختي، ومش هشهد ضدها».
ثم انتهى التسجيل.
بصيت للضابط، اللي كان بيسمع معايا، فقال بجدية:
«هنحتفظ بالتسجيل ونتحقق من محتواه، وهنبعت دورية للمكان».
وفي اللحظة دي، فهمت إن الحقيقة بدأت تظهر، لكن لسه فيه جزء أساسي ناقص.
إيه التحويلات اللي أحمد بيتكلم عنها؟ وليه كان مصمم إن محمود يشهد ضدي؟ وهل الملف القديم اللي كان بيدور عليه فيه دليل يثبت إن كل اللي حصل كان مخططًا له من البداية؟
ما كنتش أعرف إن الإجابة عن الأسئلة دي هتكشف سرًا أخطر، سرًا متعلقًا بالسبب الحقيقي اللي خلّى أحمد يصر على إن البيت يكون فاضي في اليوم ده.
يتبع في الجزء الخامس والأخير… 👇
### الجزء الخامس والأخير: الحقيقة اللي أحمد حاول يخفيها لآخر لحظة
ما كنتش متخيلة إن اليوم اللي بدأ بتوصيلة عادية للمطار هينتهي بيا وأنا قاعدة في مكتب الشرطة، وبسمع تسجيل صوتي لجوزي وهو بيحاول يقنع أخويا يشهد ضدي.
كنت حاسة إن حياتي كلها بتتفكك قدامي، لكن كان عندي هدف واحد بس: أعرف الحقيقة كاملة، وأحمي بنتي مريم من كل اللي بيحصل.
بعد ما سلمت التسجيل للضابط، اتحركت قوة من الشرطة إلى بيتنا في مدينة الشروق، وهناك لقوا أحمد ومحمود.
أحمد كان واقف في الصالة، وملامحه متوترة، بينما محمود كان قاعد على الكنبة ووشه شاحب من الخوف.
ولما أحمد شاف الضباط، حاول يتكلم بهدوء وكأن مفيش حاجة حصلت.
قال:
«أنا أقدر أوضح كل حاجة. الموضوع كله سوء تفاهم عائلي، ومفيش أي جريمة زي ما أنتم متخيلين».
لكن الضابط طلب منه يجاوب عن الأسئلة المتعلقة بوثيقة التأمين، والتقارير الخاصة بنظام التدفئة، والتحويلات المالية اللي ظهرت في المستندات.
في البداية، أحمد أنكر إنه عمل أي حاجة غلط.
قال إن وثيقة التأمين كانت إجراءً احتياطيًا لحماية الأسرة، وإن تقرير الصيانة مجرد اختلاف في التقدير بينه وبين الفني.
لكن لما الضابط واجهه بالنسخ المختلفة من الوثيقة، وبالتسجيل الصوتي اللي بيطلب فيه من محمود يتفق معاه على رواية واحدة، بدأ يفقد هدوءه.
أما محمود، فطلب يتكلم بعيدًا عن أحمد.




