
رد بسرعة:
— أيوه، استلمت تحويلين، لكن أحمد قال لي إنهم أرباح مستحقة. وأنا عندي كل المستندات اللي بعتهم لي.
سألته:
— تقدر تبعتهم لي؟
قال:
— طبعًا، هبعتهم لك حالًا.
قفلت المكالمة، وبعد دقائق وصلتني مجموعة من المستندات.
بمجرد ما بدأت أراجعها، اكتشفت إن فيه اختلافات كبيرة بين الكلام اللي أحمد قاله لمحمود، والمعلومات الموجودة في أوراق الشركة.
لكن بدل ما أستنتج أي حاجة من نفسي، بعت المستندات للإدارة القانونية والمراجعة الداخلية، وطلبت منهم يفحصوها بشكل رسمي.
بعد ساعات طويلة من المراجعة، بدأت الصورة تتضح.
الشركة اللي أحمد كان بيتعامل معاها حصلت على مبالغ مقابل خدمات استشارية، لكن بعض المستندات الداعمة للخدمات دي كانت ناقصة، وفيه تحويلات محتاجة تفسير.
والأخطر من ده إن اسم محمود اتستخدم في معاملات أكتر مما كان يعرف.
لكن لسه مكنش فيه دليل نهائي يثبت إن أحمد سرق فلوسي الشخصية أو إن محمود كان شريكًا في أي مخالفة متعمدة.
كنت محتاجة أعرف الحقيقة كاملة.
وفي نفس الليلة، وصلني اتصال من أحمد.
المرة دي رديت.
قال بصوت مختلف تمامًا:
— إيمان، أرجوكي اسمعيني للآخر.
رديت ببرود:
— اتفضل.
قال:
— أنا عارف إنك وصل لك مستندات، وعارف إنك بتراجعي حسابات الشركة.
سألته:
— إنت عرفت منين؟
اتجاهل السؤال وقال:
— أنا غلطت، لكن مكنش قصدي أضرك.
ضحكت بسخرية.
— خمس سنين وأنا بدفع فلوس، وإنت بتخبي عني معاملات مالية، وبعدين تيجي تقتحم بيتي وتقول إنك خايف عليّ؟ إنت عايزني أصدق إيه بالضبط؟
قال بسرعة:
— أنا كنت محتاج الفلوس عشان أسدد ديون، وكانت فيه التزامات كتير فوق دماغي. أمي كانت بتضغط عليّ، وأنا مكنتش عارف أخرج من الوضع ده.
رديت بحزم:
— مشاكلَك المالية مش مبرر إنك تخبي عني معلومات أو تستخدم أسماء ناس من عيلتي من غير ما أفهم الصورة كاملة.
سكت، وبعدها قال:
— أنا مش طالب منك فلوس. أنا بس عايز فرصة أشرح لك كل حاجة.
قلت له:
— لو عندك مستندات تثبت كلامك، قدمها للمراجعة القانونية. أنا مش هتعامل معاك في أي موضوع مالي بشكل شخصي تاني.
وقبل ما أقفل، سألته:
— وليه حاولت تدخل شقتي بالقوة؟
صوته اتغير.
— كنت خايف إنك تكتشفي الموضوع قبل ما أقدر أرتب أوراقي.
الجملة دي كانت كافية.
هو بنفسه اعترف إن اللي حصل مكنش مجرد خوف عليّ.
كان خايف من انكشاف الحقيقة.
قفلت المكالمة، وحسيت لأول مرة إن الصورة بقت واضحة قدامي.
أحمد مكنش بيحاول يرجعني، ولا كانهمه إن أمه اتعرضت للإحراج في الحفل.
كان خايف يخسر السيطرة على الموقف، وعلى الأسرار اللي فضل مخبيها طول السنين.
في الأيام اللي بعدها، الإدارة القانونية كملت مراجعة المستندات، وتم توثيق كل التحويلات والمراسلات ذات الصلة.
وبعد الفحص، اتضح إن فيه معاملات اتعملت من خلال شركة أحمد، وإن بعض المستندات المقدمة عنها كانت غير مكتملة، وإن فيه مبالغ اتصرفت من غير ما يكون فيه ما يكفي لإثبات الخدمات المقابلة لها.
لكن التحقيق أثبت كمان إن محمود كان قدّم بياناته في إطار مشروع اعتقد إنه قانوني، وإنه لم يكن على علم بكل تفاصيل المعاملات.
أما أحمد، فتمت مطالبته بتقديم تفسير موثق لكل المعاملات المرتبطة به.
وبسبب طبيعة المخالفات المحتملة، تولت الجهات المختصة فحص الوقائع، بدل ما أحاول أحل الموضوع بنفسي أو أستخدم نفوذي في الشركة.
أما أنا، فحافظت على كل المستندات، والتسجيلات الخاصة بمحاولة اقتحام شقتي، ورسائل التهديد، وبدأت إجراءات قانونية مستقلة لحماية نفسي وبيتي.
وبالنسبة لمحمود، واجهته بالحقيقة كاملة.
اعتذر لي، وقال إنه كان المفروض يرجع لي قبل ما يوافق على أي شراكة مرتبطة باسمي.
سامحته على إنه صدق أحمد، لكني طلبت منه إنه يتعلم من اللي حصل، وإنه ميمضيش على أي ورقة تاني من غير ما يفهمها كويس.
بعد حوالي شهرين، كنت قاعدة في شقتي في القاهرة الجديدة، بشرب قهوتي الصبح، لما جرس الباب رن.
بصيت من شاشة الكاميرا، ولقيت نادية واقفة لوحدها.
كنت أقدر أتجاهلها، لكني قررت أسمع هي عايزة إيه.
فتحت الباب، وفضلت واقفة عند المدخل.
قالت بصوت منخفض:
— إيمان، أنا جاية أطلب منك طلب.
سألتها:
— خير؟
بصت للأرض، وبعدها قالت:
— أحمد حالته صعبة، ومصاريفه زادت، وأنا مش عارفة أتصرف. كنت عايزة منك تساعديه بمبلغ مؤقت لحد ما أموره تتحسن.
بصيت لها طويلًا.
نفس الست اللي كانت بتطلب مني أشتري لها أغلى الحاجات، واللي اتهمتني بالبخل لما وقفت فلوسي، رجعت تطلب المساعدة بعد ما اكتشفت إن الباب اللي كانت بتدخل منه للرفاهية اتقفل.
قلت لها بهدوء:
— يا مدام نادية، أنا ساعدتكم خمس سنين، وكنت فاكرة إني بساعد عيلتي. لكن بعد اللي حصل، عرفت إن المساعدة من غير احترام متبادل بتتحول لاستغلال.
رفعت عينيها وقالت:
— يعني مش هتساعديه؟
رديت:
— أحمد راجل بالغ، ومسؤول عن اختياراته وديونه. لو محتاج مساعدة قانونية أو فرصة يبدأ من جديد، يقدر يدور عليها بنفسه. لكن أنا مش هرجع أكون مصدر تمويل ليكم.
عينيها دمعت، لكنها مقلتش حاجه.
قبل ما تمشي، قالت:
— أنا مكنتش متخيلة إن كل حاجة هتوصل لكده.
رديت بهدوء:
— وأنا كمان مكنتش متخيلة إن الناس اللي اعتبرتهم عيلتي هيكونوا أول ناس يستغلوا ثقتي.
قفلت الباب بعدها.
المرة دي، مكنش فيه غضب جوايا، ولا رغبة في الانتقام.
كان فيه إحساس بالراحة.
لأني أخيرًا فهمت إن مش كل خسارة بتكون نهاية، وإن أحيانًا خسارة أشخاص كنا بنحبهم بتكون بداية حياة أهدى وأنضف.
بعد ست شهور، رجعت أركز في شغلي، وشاركت في إدارة مشروع استثماري جديد، وبدأت أعيش حياتي من غير ما أحسب كل خطوة على أساس رضا أحمد أو أمه.
أما موضوع المعاملات المالية، فاستمر التعامل معاه من خلال الإجراءات القانونية، من غير ما أخلط بين حقي في حماية نفسي وبين رغبتي في الانتقام من أي شخص.
وأهم حاجة اتعلمتها من التجربة دي إن الثقة مش معناها إننا نتنازل عن حقنا في السؤال، وإن الحب مش معناه إننا نفتح حساباتنا وبيوتنا وحياتنا لأي شخص من غير حدود.
وفي يوم، وأنا واقفة قدام مراية أوضتي، افتكرت الجملة اللي أحمد قالها لي قبل ما يمشي: «إنتِ هتندمي إنك رفضتي تسمعيني».
ابتسمت لنفسي وقلت:
«أنا فعلًا ندمت… لكن مش عشان رفضت أسمعك. أنا ندمت عشان استنيت خمس سنين قبل ما أسمع نفسي!»
ومن اليوم ده، قررت إن محدش هيتحكم في حياتي تاني، وإن كرامتي وراحتي مش ثمن لازم أدفعه عشان أحافظ على أي علاقة.
النهاية.
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”




