روايات وقصص

الجزء الثاني والاخير

سكت لحظة، وبعدها قال:
— اكتشفنا تحويلات مالية مش واضحة في إحدى الشركات التابعة للمجموعة، وفيه مستندات اتقدمت باسم شركة مرتبطة بأحد الأشخاص اللي كنتِ تعرفيهم شخصيًا.

حسيت بقلبي بيدق أسرع.
— مين الشخص ده؟

قال:
— مش عايز أذكر أسماء في التليفون قبل ما نراجع المستندات مع بعض. لكن الموضوع ممكن يكون له علاقة ببيانات مالية اتقدمت من فترة طويلة.

قفلت المكالمة، وفضلت قاعدة مكاني للحظات.
أحمد كان عارف إن فيه مشكلة قبل ما أنا أعرف.
وده معناه إن كلامه مكنش مجرد محاولة عشوائية لتخويفي.
لكن هل كان له علاقة بالمشكلة؟
ولا كان بيحاول يحذرني فعلًا؟
مكنتش عارفة.

لبست بسرعة، وخدت حقيبتي، ونزلت من الشقة. وقبل ما أركب عربيتي، بصيت ناحية مدخل العمارة، وافتكرت نظرة أحمد وهو خارج.
كان فيه خوف في عينيه، لكنه كان خوف شخص عارف إنه متورط في حاجة، مش مجرد شخص خايف على مراته السابقة.

وصلت الشركة، ودخلت غرفة الاجتماعات الصغيرة، ولقيت الأستاذ شريف مستنيني ومعاه ملف كبير.
حطه قدامي وقال:
— إحنا بدأنا المراجعة بعد ما ظهرت فروق في بعض التحويلات. وفي البداية افتكرنا إنها أخطاء محاسبية، لكن لما وسعنا نطاق الفحص، لقينا مستندات محتاجة تفسير.

فتحت الملف.
كانت فيه كشوف تحويلات، وعقود، ومراسلات داخلية، وأسماء شركات مكنتش أعرف معظمها.
لكن فجأة، عيني وقعت على اسم مألوف جدًا.
اسم أحمد، جوزي السابق!

رفعت راسي بسرعة.
— إيه علاقة أحمد بالمستندات دي؟!

الأستاذ شريف رد بحذر:
— فيه شركة مسجلة باسم شخص آخر، لكن بعض المراسلات بتشير إلى أن أحمد كان بيتواصل مع ممثلين عنها. لسه بنتحقق من صحة المستندات، ومش هنقدر نستنتج إنه ارتكب مخالفة قبل ما نكمل المراجعة.

قلّبت الصفحات بسرعة، لحد ما وصلت لمستند عليه توقيع إلكتروني وتاريخ يرجع لأكتر من سنة.
وبجانبه كان فيه عنوان بريدي مرتبط ببيانات كنت أعرفها كويس.
عنوان شقة حماتي نادية!

حسيت إن الأرض بتتحرك من تحتي.
إيه اللي بيجمع بين شركة الاستثمار، وأحمد، ونادية؟
وليه فيه تحويلات مالية مرتبطة بعنوانها؟

رفعت عيني للأستاذ شريف وسألته:
— هل التحويلات دي من أموالي الشخصية؟

رد بسرعة:
— لحد دلوقتي، مفيش دليل إن أي مبلغ اتسحب من حساباتك الشخصية. التحويلات اللي بنراجعها تخص معاملات الشركة، وده سبب إننا بنتعامل مع الموضوع بحذر شديد.

تنفست براحة بسيطة، لكن القلق مكنش رايح.
لأن لو أحمد متورط في معاملات تخص الشركة اللي بشتغل فيها، فالموضوع مش مجرد خلاف عائلي.
ده ممكن يأثر على سمعتي المهنية، وعلى مستقبلي كله.

وفي اللحظة دي، موبايلي رن.
كان رقم مجهول.
ترددت للحظة، لكني رديت.
جالي صوت راجل معرفوش، قال بهدوء:
— أستاذة إيمان، أنا عارف إنك بدأتي تكتشفي الحقيقة.

سألته:
— مين حضرتك؟

رد:
— مش مهم تعرفي أنا مين دلوقتي. المهم إنك متثقيش في أحمد، ومتحاوليش تواجهيه قبل ما تعرفي هو كان بيعمل إيه طول السنين اللي فاتت.

حسيت ببرودة في أطرافي.
سألته بسرعة:
— إنت تعرف إيه عن أحمد؟

قال جملة واحدة:
— الفلوس اللي كان بيطلبها منك كل شهر، مكنتش كلها بتروح لأمه.

وبعدين قفل الخط!

فضلت ماسكة الموبايل وأنا ببص للشاشة، مش قادرة أستوعب اللي سمعته.
طول خمس سنين، كنت فاكرة إن الفلوس اللي بدفعها بتروح لمصاريف البيت، واحتياجات نادية، والرفاهية اللي كانت مصممة تعيش فيها.
لكن لو جزء من الفلوس كان بيروح لمكان تاني، يبقى أنا كنت عايشة وسط كذبة كبيرة.

بصيت للأستاذ شريف وقلت:
— محتاجة أعرف كل حاجة عن التحويلات دي، وكل المستندات اللي مرتبطة باسم أحمد.

هز رأسه وقال:
— هنراجع كل حاجة بشكل قانوني، ومش هنتخذ أي إجراء قبل ما نتأكد من الوقائع.

قفلت الملف، وقمت من مكاني.
في اللحظة دي، مكنتش بفكر في الطلاق، ولا في إهانة حماتي، ولا حتى في محاولة اقتحام شقتي.
كنت بفكر في خمس سنين كاملة من حياتي، وفي الفلوس اللي دفعتها وأنا فاكرة إني ببني أسرة.
هل ممكن يكون أحمد استغل ثقتي فيه عشان يحقق مكاسب من ورايا؟
وهل كانت نادية مجرد مستفيدة من فلوسي، ولا كانت تعرف أكتر بكتير مما أتصور؟

قبل ما أخرج من غرفة الاجتماعات، وصلني إشعار برسالة جديدة من نفس الرقم المجهول.
فتحتها، ولقيت صورة لمستند قديم، عليه اسم أحمد وتاريخ يرجع لوقت كنت لسه متجوزاه فيه.
وتحت الصورة كانت فيه جملة قصيرة:
«لو عايزة تعرفي ليه أحمد كان مصمم يفضل متجوزك، بصّي على آخر صفحة في الملف.»

فتحت الصورة وكبرت المستند، وبدأت أقرأ السطور الصغيرة.
لكن أول ما وصلت لآخر الصفحة، إيدي بدأت ترتعش.
لأن الاسم المكتوب في خانة المستفيد مكنش اسم نادية، ولا اسم أحمد.
كان اسم شخص من أقرب الناس ليا… شخص عمري ما توقعت إنه يكون جزء من الحكاية دي!

الجزء الرابع والأخير: اكتشفت الحقيقة اللي أخفاها عني خمس سنين… والصدمة إن الشخص اللي وثقت فيه كان جزءًا من اللعبة!
فضلت باصة للمستند اللي وصلني على الموبايل، وأنا مش قادرة أصدق اللي شايفاه.
الاسم المكتوب في خانة المستفيد كان اسم محمود، ابن خالتي وأقرب شخص ليا بعد وفاة والدي.
محمود كان الشخص اللي وقفت جنبه لما خسر شغله من سنين، وساعدته يبدأ مشروعه الصغير، وكنت دايمًا بعتبره أخويا اللي مجابتوش أمي.

إزاي اسمه يظهر في مستند مرتبط بتحويلات مالية تخص شركة استثمار أنا بشتغل فيها؟
وهل كان أحمد بيستخدم اسمه من غير علمه، ولا محمود نفسه كان عارف كل حاجة؟

قفلت الصورة، واتصلت بمحمود فورًا.
رد عليّ بعد رنتين.
— إزيك يا إيمان؟ خير، صوتك قلقان ليه؟

حاولت أسيطر على أعصابي وسألته:
— محمود، إنت تعرف شركة اسمها النور للاستشارات المالية؟

سكت للحظات.
الصمت ده كان كافي إنه يخليني أقلق أكتر.
قلت له:
— أنا سألتك سؤال واضح. تعرف الشركة دي ولا لأ؟

رد بصوت متردد:
— أيوه، أعرفها.

حسيت إن قلبي وقع.
— وإيه علاقتك بيها؟

تنهد وقال:
— إيمان، الموضوع مش زي ما إنتِ متخيلة.

ضحكت بمرارة.
— الجملة دي سمعتها النهارده أكتر من مرة. أنا مش عايزة تبريرات، أنا عايزة الحقيقة.

سكت شوية، وبعدها قال:
— أحمد كلمني من حوالي سنتين، وقال لي إنه محتاج مساعدة في تأسيس شركة صغيرة. قال لي إن الشركة هتشتغل في الاستشارات، وإنه عايزني أكون شريكًا بالاسم، مقابل نسبة من الأرباح.

سألته بسرعة:
— وإنت وافقت من غير ما تقولي؟!

رد:
— هو قال لي إن الموضوع قانوني، وإنك عارفة كل حاجة، وإنك موافقة تساعديه في المشروع. أنا صدقته، ومكنتش أعرف إن فيه مشكلة.

غمضت عيني للحظة.
يعني أحمد كان بيستخدم ثقتي فيه، وثقة محمود فيّ، عشان يدخل ناس من حياتي في معاملات أنا معرفش عنها حاجة.

قلت له:
— محمود، هل استلمت فلوس من الشركة دي؟

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى