روايات وقصص

الجزء الثاني والاخير بقلم محمد عبده

«أنا صدقته، ويمكن كمان سمحت لنفسي أصدق الكلام ده عشان كنت عايزة أكون مكانك.»

أخدت نفسًا عميقًا، ثم قالت:
«لكن النهارده، لما شفته بيهينك قدام الناس، وبعدها يحاول يتهمك من غير دليل، بدأت أفهم إن فيه حاجات كتير مكنتش شايفاها.»

فضلت ساكتة شوية، ثم رديت:
«أنا مش هقدر أقول لك إني مسامحاكي على كل اللي حصل، لكن مش هفضل شايلة غضب جوايا طول عمري. اللي حصل بيني وبين أحمد انتهى، وكل واحد فينا مسؤول عن اختياراته.»

هزت رأسها ببطء.

«فاهمة.»

وبعدها سألتني:
«هو إنتِ لسه بتحبيه؟»

السؤال فاجأني.

بصيت ناحية أحمد، اللي كان واقف بيتكلم مع محاميه بعيد عننا.

حاولت أفتش جوايا عن أي مشاعر قديمة، عن الحنين اللي كنت بحسه لما أفتكر بيتنا وأيامنا الأولى.

لكن اللي لقيته كان مختلفًا.

قلت لها:
«أنا مش عارفة إذا كنت بحبه لسه ولا لأ، لكني عارفة إني مبقتش عايزة أرجع للحياة اللي كنت عايشاها معاه.»

ثم أضفت:
«أحيانًا، الواحد مش بيحتاج يكره الشخص اللي أذاه عشان يقدر يبعد عنه. ساعات كل اللي بيحتاجه إنه يفهم إنه يستحق حياة أهدى من كده.»

سارة ماردتش.

اكتفت إنها تبص لي، وبعدها سابتني ومشيت ناحية أحمد.

أما أنا، فلفيت لمحمود وقلت:
«يلا نمشي.»

خرجنا من القاعة، والهواء البارد لمس وشي.

وقفت عند باب الفندق، وأخدت نفسًا طويلًا.

محمود بص لي بابتسامة بسيطة وسألني:
«إنتِ كويسة؟»

ابتسمت للمرة الأولى من غير ما أحاول أخفي ارتباكي.

«أيوه. يمكن دي أول مرة أحس إني كويسة فعلًا من وقت طويل.»

سألته:
«بس عايزة أسألك سؤال.»

قال:
«اتفضلي.»

«إنت عرفت إزاي إن أحمد هيحاول يحرجني؟»

ضحك وقال:
«مكنتش محتاج أكون عبقري عشان أتوقع إنه ممكن يعمل كده. إنتِ حكيتي لي كتير عن طريقته في التعامل معاكي.»

وبعدين أصبح جادًا قليلًا وأضاف:
«لكن خليني أوضح لك حاجة يا منى. أنا مجبتش الأوراق دي عشان أدمّر أحمد أو أنتقم منه. المستندات اللي اتقدمت للمراجعة كانت موجودة بالفعل، وأي حاجة اتعرضت النهارده لازم تتراجع بشكل رسمي. أنا بس مكنتش هسمح له يستخدم وجودي معاكي عشان يحولك لمادة للسخرية قدام الناس.»

بصيت له بامتنان.

«شكرًا يا محمود. مش بس عشان اللي عملته النهارده، لكن عشان عمرك ما حسستني إني أقل من أي حد.»

ابتسم وقال:
«إنتِ عمرك ما كنتِ أقل من أي حد. إنتِ بس صدقتِ كلام شخص فضل يكرر لك عيوبًا مش موجودة، لحد ما بدأتي تشوفي نفسك بعينيه.»

الكلمات دي لمست قلبي.

لأنها كانت الحقيقة اللي احتجت وقتًا طويلًا عشان أفهمها.

مرت أسابيع بعد الفرح.

بدأت الإجراءات الرسمية لمراجعة المعاملات المالية، وكل طرف قدم المستندات اللي عنده. وبمرور الوقت، ظهرت تفاصيل أوضح عن بعض التحويلات اللي كانت محل خلاف، واتضح إن الاتهامات اللي أحمد حاول يوجهها لي في الفرح مكنتش كافية لإثبات أي مسؤولية عليّ.

أنا من ناحيتي، تعاونت مع المحامي وقدمت كل الأوراق اللي كانت بحوزتي، وركزت على حماية حقوقي وحقوق بنتيّ.

أما أحمد، فاضطر يواجه الأسئلة اللي كان بيحاول يهرب منها، بعيدًا عن الضحك والسخرية والكلام اللي كان بيستخدمه عشان يسيطر على أي نقاش.

وبالنسبة لزواجه من سارة، فالأمور بينهم اتغيرت بعد اللي حصل.

سارة بدأت تعيد التفكير في علاقتها به، وطلبت وقتًا بعيدًا عنه عشان تقدر تفهم إذا كانت عايزة تكمل حياتها مع شخص اكتشفت إنها متعرفش عنه كل حاجة.

مكنتش بتابع تفاصيل حياتهم، ومكنتش مهتمة أعرف إذا كانوا كملوا مع بعض ولا لأ.

لأول مرة، بقيت مقتنعة إن حياتي مش لازم تفضل مرتبطة باللي بيحصل في حياة أحمد.

أنا عندي بنتين محتاجين أم سعيدة ومستقرة، وعندي شغل ومستقبل أقدر أبنيه من جديد.

وبدأت أهتم بنفسي، مش عشان أثبت لأحمد إنه خسرني، لكن عشان أنا أستحق الاهتمام.

رجعت أخرج مع صديقاتي، وأتعلم حاجات كنت مأجلاها لسنين، وأقضي وقتًا مع بناتي من غير ما أفضل أفكر في كل كلمة اتقالت لي زمان.

وبعد فترة، بدأت ألاحظ إن محمود بقى جزءًا مهمًا من يومي.

كان بيسأل عليّ، وبيسمعني، وبيشجعني لما أكون مترددة.

لكن الأهم من كل ده إنه عمره ما حاول يستغل ضعفي أو يضغط عليّ عشان أكون معاه.

كان بيسيب لي المساحة اللي أحتاجها، وبيتعامل معايا باحترام من غير ما يطلب مقابل.

وفي يوم، وإحنا خارجين من الشغل، وقفنا نشرب قهوة في مكان هادي.

بص لي فجأة وقال:
«منى، ممكن أسألك سؤال شخصي؟»

ضحكت وقلت:
«على حسب السؤال!»

ابتسم، ثم قال:
«إحنا بقالنا فترة طويلة أصحاب، وأنا عارف إنك لسه بتتعافي من تجربة صعبة. بس كنت عايز أقول لك إن مشاعري ناحيتك مبقتش مجرد صداقة.»

سكت لحظة، ثم أكمل:
«أنا مش بطلب منك قرار دلوقتي، ومش عايزك تحسي إنك مطالبة تردي عليّ. كل اللي عايزه إنك تعرفي الحقيقة، ولو إنتِ مش مستعدة لأي علاقة، هفضل أحترم ده.»

بصيت له، وحسيت براحة غريبة.

مكنتش محتاجة أمثل إني قوية، ولا كنت خايفة إنه يستخدم ضعفي ضدي.

ابتسمت وقلت:
«أنا مش مستعدة أستعجل أي حاجة يا محمود، لكني سعيدة إنك موجود في حياتي.»

رد بابتسامة:
«وده كفاية بالنسبة لي دلوقتي.»

في اللحظة دي، فهمت إن الفرق الحقيقي بين أحمد ومحمود مكنش في الشكل أو الفلوس أو المكانة الاجتماعية.

الفرق كان في الطريقة اللي كل واحد فيهم بيخليني أشوف بيها نفسي.

أحمد كان بيحاول يقنعني إني مش كفاية، وإن محدش ممكن يحبني.

أما محمود، فكان بيذكرني إن قيمتي مش مرتبطة برأي أي شخص فيّ.

وبعد شهور، لما افتكرت يوم الفرح، اكتشفت إن الهدية الحقيقية مكنتش الأوراق اللي كانت جوه العلبة، ولا الصدمة اللي ظهرت على وش أحمد، ولا حتى اللحظة اللي اختفت فيها ضحكته قدام الناس.

الهدية الحقيقية كانت إني استعدت نفسي.

أنا دخلت الفرح وأنا خايفة من إهانة جديدة، وخرجت منه وأنا فاهمة إن مفيش حد يقدر يقلل من قيمتي إلا لو سمحت لكلامه إنه يعيش جوايا.

أحمد كان فاكر إن نهاية جوازنا معناها إنه كسب، وإنه يقدر يبدأ حياة جديدة ويخليني أخلّي بقية عمري وأنا بشك في نفسي.

لكنه نسي إن الحياة مش منافسة بين شخصين، وإن السعادة مش إنك تشوف الشخص اللي سابك بيتألم.

السعادة الحقيقية إنك تبطل تقيس حياتك على حياة شخص أذاك، وتبدأ تبني لنفسك حياة تستحقها.

وفي النهاية، عرفت إن مش كل نهاية خسارة، وإن أحيانًا أصعب تجربة بنمر بيها بتكون هي البداية اللي كنا محتاجينها عشان نرجع أقوى.

أما أحمد، ففضل فاكر العلبة اللي اتفتحت في فرحه، واللحظة اللي وقف فيها قدام الناس عاجزًا عن الرد.

لكن أنا، ففضلت فاكرة حاجة تانية تمامًا.

فضلت فاكرة إني دخلت المكان وأنا بحاول أثبت إني أستحق الحب، وخرجت منه وأنا عارفة إن الحب الحقيقي مش محتاج مني أثبت أي حاجة.

لأن الشخص اللي يستحق وجوده في حياتي، مش هيخليني أشعر إني قليلة عشان يرفع من قيمة نفسه.

وأهم درس اتعلمته؟

ما تسمحيش لحد يقنعك إنك غير جديرة بالحب، لمجرد إنه مبقاش قادر يحبك بالطريقة اللي تستحقيها.

قيمتك مش بتتحدد برحيل شخص عن حياتك، ولا بسخريته منك، ولا بنظرته ليكي.

قيمتك موجودة من البداية، وكل اللي محتاجة تعمليه هو إنك متسمحيش لحد ينسيكي ده.

تمت القصة.
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

4 من 4التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى