روايات وقصص

الجزء الثاني والاخير

بصيت له مباشرة.

«عايزة أسمع الحقيقة منك، مش من الملفات».

نزل عينيه، وفضل ساكت لحظات طويلة.

وبعدين قال:

«قبل وفاة بابا، كنت داخل في مشروع تجاري مع فارس. المشروع خسر فلوس كتير، وأنا خفت أقول لبابا. فارس وعدني إنه يقدر يعوض الخسارة من أرباح الشركة، وقال لي إن الموضوع مؤقت ومش هيضر حد».

سألته:

«وكنت تعرف إن الفلوس بتتحول من حسابات الشركة من غير موافقة واضحة؟»

رد بصوت منخفض:

«كنت عارف إن فيه تحويلات، لكن فارس أكد لي إنها هتتسوى في الحسابات بعدين. أنا ماكنتش أعرف إنه بيزوّر توقيعك، ولا إنه بيخطط ياخد ممتلكاتك».

حسيت بغضب شديد، لكني حاولت أسيطر على نفسي.

«ليه ما قلتليش؟ ليه فضلت ساكت حتى بعد وفاة بابا؟»

رفع عينيه، وكانت دموعه بدأت تظهر.

«لأني كنت جبان. كنت خايف أواجه اللي عملته، وخايف أخسر كل حاجة. وكل ما الوقت كان بيعدي، كان الاعتراف بيبقى أصعب».

سألته السؤال اللي كان بيوجعني أكتر من أي شيء:

«وبابا؟ هل كان يعرف؟ هل اللي حصل له له علاقة بالموضوع ده؟»

كريم هز رأسه بسرعة.

«أنا ماعنديش أي دليل إن فارس تسبب في وفاة بابا. اللي أعرفه إن بابا كان بدأ يراجع الحسابات، وإنه كان زعلان مني بسبب المشروع. لكني ماكنتش موجود معاه في الأيام الأخيرة، وماعرفش إذا كان فيه أي حد أذّاه».

فضلت باصة له، أحاول أفصل بين خوفي وغضبي وبين الحقيقة اللي نقدر نثبتها.

قلت له:

«مش هتهم حد بحاجة ماعنديش دليل عليها. لكن اللي حصل في الحسابات لازم يتراجع، وكل شخص مسؤول عن أي مخالفة هيتحاسب».

كريم هز رأسه.

«أنا مستعد أقدم كل المستندات اللي عندي، وأتحمل نتيجة قراراتي».

ما قدرتش أسامحه في اللحظة دي، لكني سمحت له يخرج من المكتب من غير ما أقطع علاقتي بيه نهائيًا.

كان لازم الحقيقة تتكشف كاملة، حتى لو كانت مؤلمة.

بعد ستة شهور
مرت ستة شهور من أصعب الفترات في حياتي.

المراجعة المالية كشفت عن تحويلات غير مبررة، ومستندات اتقدمت باسمي من غير موافقة صحيحة. وتم اتخاذ إجراءات قانونية للتحقيق في الوقائع، واتحطت قيود على بعض التصرفات المالية لحد ما الأمور تتراجع بالكامل.

قدمت طلب الطلاق، واحتفظت بحقوقي وممتلكاتي وفقًا للمستندات القانونية، بعد ما أثبتت مراجعة الملكيات إن القصر وحصتي الأساسية في الشركة ملكي.

أما فارس، فخسر منصبه التنفيذي بعد ما مجلس الإدارة قرر إبعاده عن الإدارة لحين انتهاء التحقيقات. وبعدها بدأت الإجراءات القضائية المتعلقة بالمستندات والتصرفات المالية اللي اتكشفت.

كريم كمان اضطر يواجه مسؤوليته عن القرارات اللي شارك فيها، وقدم المستندات اللي كانت بحوزته. علاقتنا ما رجعتش زي الأول، لكن مع الوقت بدأنا نتكلم من جديد، بحذر ومن غير وعود كبيرة.

ونادين تعاونت في تقديم الأدلة، لكن ده ما محاش مسؤوليتها عن مشاركتها في الغدر ومحاولات الاستفادة من ممتلكاتي.

أما أنا، فقررت أرجع أركز على الشركة اللي أبويا بناها، وأعيد تنظيم الإدارة والحسابات، وأتأكد إن مفيش شخص يقدر يستغل ثقة العيلة مرة تانية.

وفي أول حفل خيري حضرتُه بعد كل اللي حصل، دخلت القاعة بفستان أنيق، ورفعت رأسي بثقة.

الناس اللي كانوا بيحسدوني على جوازي زمان، بقوا دلوقتي بيتكلموا عن طلاقي، وعن الفضائح اللي ظهرت في الشركة.

لكن للمرة الأولى، ما اهتمتش بكلام حد.

أنا ما كنتش محتاجة أثبت لأي شخص إني قوية، ولا كنت محتاجة أنتقم من فارس علشان أحس إني كسبت.

كل اللي كنت محتاجاه إني أستعيد حياتي، وأحمي حقي، وأتعلم إني ما أربطش قيمتي بوجود أي شخص جنبي.

بعد الحفل، رجعت القصر، ووقفت قدام المراية في أوضتي.

بصيت للمكان اللي كان زمان مليان ذكريات، وابتسمت ابتسامة هادية.

القصر هو هو، لكن أنا ما بقيتش الست اللي كانت بتصدق كل كلمة حلوة وتعتبرها دليل على الحب.

بقيت أعرف إن الثقة لازم يكون معاها وعي، وإن الحب مش معناه إنك تتنازل عن حقك أو تتجاهل العلامات اللي بتوجعك.

فارس خسرني يوم ما قرر يستغل حبي ليه، لكنه خسر أكتر يوم ما افتكر إن ثقتي العمياء هتفضل تحميه للأبد.

أما أنا، فما كسبتش لمجرد إني احتفظت ببيتي وفلوسي وشركتي.

أنا كسبت نفسي، ودي كانت أغلى حاجة رجعت لي بعد كل الغدر ده.

النهاية.

5 من 5التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى