منوعات

الجزء الثاني والثالث بقلم محمد عبده

كانوا شبه بعض بشكل لافت للنظر، بنفس العيون الواسعة، والشعر البني الناعم، والابتسامة اللي بتظهر غمازتين صغيرتين في خدودهم.

كانوا أربع سنين بالضبط، وكل واحدة فيهم ليها شخصية مختلفة، رغم إن ملامحهم كانت متقاربة بشكل يخلي أي حد يشك إنهم توأم ثلاثي.

كنت مشغولة بيهم لدرجة إني ماخدتش بالي إن كريم خرج من بوابة الوصول ووقف على مسافة خطوات قليلة مننا.

لحد ما سمعت صوته ورايا.

«سلمى؟!»

لفيت له وأنا لسه شايلة واحدة من البنات، والتانية ماسكة في إيدي، والتالتة واقفة جنبي وبتشد في طرف هدومي.

كان كريم بيبص للبنات بتركيز غريب.

ابتسامته اختفت تمامًا، ووشه اتغير كأنه شاف حاجة مستحيل تكون حقيقية.

بصلي، وبعدين رجع يبص لهم مرة تانية.

«دول… بناتك؟»

رديت بهدوء:

«أيوه، بناتي التلاتة».

قرب خطوة، وفضل يتأمل ملامحهم واحدة واحدة.

البنت اللي كنت شايلها ابتسمت له ببراءة، وبعدها استخبت في كتفي لما لاحظت إنه بيبصلها بطريقة غريبة.

سألني بصوت متردد:

«عندهم كام سنة؟»

استغربت سؤاله، لكني جاوبته من غير ما أفكر كتير:

«أربع سنين».

في اللحظة دي، حصل تغيير واضح في ملامحه.

كرر الرقم بصوت واطي:

«أربع سنين؟»

وبعدين بدأ يحسب في دماغه.

كنت شايفة عينيه بتتحرك يمين وشمال، وكأنه بيراجع تواريخ قديمة كان فاكر إنه نسيها.

بصلي فجأة وقال:

«يعني اتولدوا إمتى بالضبط؟»

اتغيرت ملامحي، وبدأت أحس إن فيه حاجة مش طبيعية في أسئلته.

قلت له بحذر:

«إيه سبب الأسئلة دي يا كريم؟»

لكنه ما ردش.

فضل باصص للبنات، وبعدين قال جملة خلت قلبي يدق بسرعة:

«مستحيل… ده مش ممكن يكون حقيقي».

في اللحظة دي، واحدة من البنات نزلت من حضني، ووقفت قدامه مباشرة.

كانت اسمها ليلى، وأكثر واحدة فيهم جرأة.

رفعت وشها وبصت له بفضول، وبعدين سألته:

«إنت تعرف ماما؟»

كريم نزل لمستواها ببطء.

«أيوه يا حبيبتي، أنا أعرف ماما من زمان».

ليلى ابتسمت وقالت ببراءة:

«طب إنت صاحبها؟»

السؤال البسيط ده كان كفاية يخليه يبلع ريقه بصعوبة.

وقبل ما يرد، ظهرت سيدة في أواخر الخمسينات جاية من ناحية موقف السيارات. كانت خالتي نادية، اللي ساعدتني في تربية البنات من يوم ما اتولدوا.

أول ما شافت كريم، وقفت مكانها فجأة.

وشها شحب، والشنطة اللي في إيدها وقعت على الأرض.

بصت له وكأنها شافت شبحًا من الماضي.

«إنت بتعمل إيه هنا؟!»

كريم وقف بسرعة، وبص لها بصدمة.

«خالتي نادية؟!»

وبعدين رجع بصلي، وكأن آخر قطعة في لغز محير بدأت تظهر قدامه.

«إنتِ كنتِ تعرفي إن سلمى عندها تلات بنات؟»

خالتي نادية ما ردتش.

كل اللي عملته إنها بصت لي نظرة مليانة خوف، وبعدها مسكت إيدي بقوة.

فهمت من نظرتها إن فيه سر هي عارفاه، وإنها كانت بتحاول تحميني منه طول السنين اللي فاتت.

لكن كريم ماكانش مستعد يسيب الموضوع يعدي.

طلع تليفونه، وفتح التقويم، وبدأ يراجع تاريخ آخر مرة كنا فيها مع بعض.

وبعدين رفع عينيه ناحيتي، وصوته بقى أهدى، لكنه كان مليان ارتباك.

«سلمى، أنا محتاج أسألك سؤال واحد، وعايزك تجاوبيني بصراحة».

بصيت له من غير ما أتكلم.

قال:

«البنات دول اتولدوا بعد طلاقنا بكام شهر؟»

حسيت إن الأرض بتتحرك من تحتي.

لأن الإجابة عن السؤال ده كانت بداية حكاية أكبر بكتير من مجرد مقابلة صدفة في المطار.

وقبل ما أفتح بقي وأرد، خالتي نادية شدتني بعيد عنه وهمست في ودني:

«سلمى، أوعي تقولي له أي حاجة هنا… لازم تعرفي الأول هو عرف إيه من عيلته».

اتجمدت مكاني.

إيه علاقة عيلة كريم بالبنات التلاتة؟ وليه خالتي نادية خايفة إنه يعرف الحقيقة؟

الأسرار اللي فضلت مدفونة ست سنين بدأت تظهر، لكن الحقيقة المرة كانت لسه مستخبية في مكان محدش فينا فكر يدور فيه…

يتبع في الجزء الثالث…
### الجزء الثالث: السر اللي عيلة كريم خبّته ست سنين!

وقفت مكاني وأنا ببص لخالتي نادية، مش قادرة أستوعب اللي سمعته منها.

«يعني إيه أعرف الأول هو عرف إيه من عيلته؟ إنتِ تقصدي إيه يا خالتي؟»

خالتي بصت ناحية كريم، اللي كان واقف على بعد خطوات مننا، وبعدها قربت مني وهمست:

«مش هنا يا سلمى… مش قدام البنات. فيه حاجات حصلت زمان، وإنتِ لحد النهارده ماتعرفيش عنها كل حاجة».

حسيت بقلبي بينقبض.

ست سنين عدّوا وأنا بحاول أبدأ حياة جديدة بعيد عن كريم وعيلته. كنت فاكرة إني قفلت الصفحة دي للأبد، وإن كل اللي حصل بينا بقى مجرد ذكريات مؤلمة.

لكن واضح إن الماضي كان لسه مستنيني.

كريم قرب مننا وقال بنبرة متوترة:

«أنا مش فاهم حاجة. ليه بتتكلموا عن عيلتي؟ وإيه اللي إنتِ مخبياه عني يا نادية؟»

خالتي ردت بحدة:

«أنا مش مخبية عنك حاجة. لو عايز تعرف الحقيقة، اسأل أهلك».

الجملة دي كانت كأنها صفعة على وشه.

كريم سكت لحظات، وبعدها بصلي وقال:

«سلمى، أنا مش هسيب الموضوع بالشكل ده. البنات دول عندهم أربع سنين، وإحنا انفصلنا من ست سنين. الحسابات مش راكبة عندي».

رفعت رأسي وبصيت له بثبات.

«الحسابات تخصني أنا يا كريم، ومش من حقك تحاسبني على حياتي بعد الطلاق».

«أنا مش بحاسبك! أنا بس عايز أفهم».

«وليه عايز تفهم دلوقتي؟ ست سنين ما سألتش فيهم أنا عايشة إزاي، ولا حتى حاولت تعرف إذا كنت بخير ولا لأ. إيه اللي اتغير فجأة؟»

ماعرفش يرد.

ولأول مرة من يوم ما شوفته، لاحظت إن ثقته بنفسه بدأت تنهار.

لكن قبل ما الكلام يكمل، رن تليفونه.

بص للشاشة، ولما شاف اسم المتصل، وشه اتغير.

كانت والدته، مدام فريدة الشافعي.

رد عليها بسرعة وقال:

«ماما، إنتِ فين دلوقتي؟»

سمعت صوتها من الناحية التانية، وكانت بتتكلم بعصبية واضحة.

«أنا في البيت. إنت وصلت؟»

«أيوه، بس فيه حاجة لازم أسألك عنها».

«مش وقته يا كريم. تعالى البيت الأول، وبعدها نتكلم».

بص للبنات مرة تانية، وبعدها قال بصوت منخفض:

«الموضوع ليه علاقة بسلمى».

ساد الصمت في الناحية التانية.

حتى من مكاني قدرت ألاحظ إن والدته ما ردتش فورًا.

وبعد ثوانٍ، سمعنا صوتها وهي بتقول:

«إنت قابلت سلمى؟»

كريم اتجمد.

«أيوه… وقابلت بناتها كمان».

المرة دي، ماكانش فيه أي رد.

وبعدين سمعنا صوتها المرتبك:

«اسمعني كويس يا كريم. ماتتكلمش معاها في أي حاجة، لحد ما ترجع البيت».

قفل المكالمة ببطء.

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى