روايات وقصص

الجزء الثاني بقلم محمد عبده

افتكر وقتها كل مرة كنت بحاول أتكلم معاه عن شؤون الشركة، وكان يرد عليّ إن دي أمور إدارية مش لازم تشغل بالي.

افتكر كمان إزاي كان بيحكي للناس عن نجاحه، من غير ما يذكر أي دور لعيلتي في بداية المشروع.

ما كنتش بمنعه من إنه يفتخر بإنجازه، بالعكس، كنت دايمًا أول واحدة تشجعه.

لكن المشكلة إنه مع الوقت بدأ يصدق إن نجاحه معناه إنه مش محتاج يسمع من حد، حتى من مراته.

في صباح اليوم التالي، وصلت مقر الشركة في القاهرة قبل ميعاد الاجتماع بنص ساعة.

كنت لابسة بدلة رسمية بسيطة، وشعري مربوط، وفي إيدي ملف فيه المستندات المطلوبة.

دخلت قاعة الاجتماعات، ولقيت أعضاء مجلس الإدارة قاعدين بالفعل.

كان مجدي موجود في آخر القاعة، وعلى وشه علامات الإرهاق. واضح إنه ما نامش كويس طول الليل.

أما داليا، فكانت قاعدة جنبه، بتحاول تساعده في ترتيب الأوراق، لكنها أول ما شافتني دخلت، اتعدلت في كرسيها وسكتت.

رئيس مجلس الإدارة، الأستاذ فؤاد السيوفي، رحب بيا وقال:

«أهلًا يا أستاذة نور، إحنا سعداء بحضورك النهارده.»

قعدت في مكاني، وبدأ الاجتماع.

في البداية، اتكلموا عن نتائج الشركة، والمشروعات الجديدة، والأرباح، وخطط التوسع.

الأرقام كانت كويسة في مجملها، لكن المجلس كان عنده ملاحظات على بعض القرارات الإدارية وطريقة توزيع الصلاحيات.

وبعد حوالي ساعة، فتح الأستاذ فؤاد ملفًا قدامه وقال:

«فيه موضوع تاني محتاجين نناقشه. وصلتنا ملاحظات بخصوص استخدام بعض أصول الشركة في رحلات شخصية، وكمان فيه تساؤلات عن بعض المصروفات الإدارية اللي محتاجة مراجعة.»

مجدي اتحرك في كرسيه وقال بسرعة:

«كل الرحلات اللي تمت كانت لأغراض العمل، وأي مصروفات اتصرفت كانت حسب الإجراءات المتبعة.»

رد رئيس المجلس:

«محدش اتهمك بحاجة يا مجدي. إحنا بنراجع الإجراءات علشان نتأكد إنها واضحة، وإن مفيش تضارب بين المصالح الشخصية ومصلحة الشركة.»

وبعدين بص ناحيتي وسألني:

«أستاذة نور، هل عندك أي ملاحظات بخصوص الموضوع ده؟»

أنا ما كنتش عايزة أحوّل الاجتماع لخلاف عائلي، ولا كنت ناوية أستخدم اللي حصل في المطار علشان أنتقم من مجدي.

فقلت بوضوح:

«أنا شايفة إن أي مسؤول في الشركة، مهما كان منصبه، لازم يلتزم بنفس القواعد. ولو فيه أي مصروفات أو قرارات محتاجة مراجعة، الأفضل إنها تتراجع بشكل مستقل، بناءً على المستندات، مش على العلاقات الشخصية.»

هز أعضاء المجلس راسهم موافقين.

وبعدها ضفت:

«وفيه حاجة تانية مهمة. لازم يكون فيه احترام واضح بين الموظفين، وإن محدش يستخدم منصبه علشان يضغط على حد أو يحسسه إنه أقل من غيره.»

مجدي رفع عينه ناحيتي.

كان فاهم إني بتكلم عن مبدأ عام، لكن أكيد افتكر اللي حصل على الطيارة.

ما اتهمتوش، وما طلبتش اتخاذ قرار ضده، وما حاولتش أحرجه قدام الناس.

لكن كلامي خلّاه يواجه حقيقة كان بيتجاهلها من زمان: إن السلطة مش معناها إن الإنسان يقدر يقلل من غيره من غير حساب.

بعد انتهاء الاجتماع، خرج أعضاء المجلس واحدًا وراء التاني.

كنت بجمع أوراقي لما مجدي قرب مني وقال:

«نور، ممكن نتكلم شوية؟»

بصيت له وقلت:

«اتفضل.»

قال بصوت منخفض:

«أنا عايز أعتذر لك عن اللي حصل في الطيارة.»

فضلت ساكتة، فكمّل:

«أنا غلطت لما كلمتك بالطريقة دي قدام المديرين. وغلطت لما خليتك تحسي إن مكانك ممكن يتاخد منك بالشكل ده.»

سألته بهدوء:

«وإنت شايف إن المشكلة كانت في الكرسي بس؟»

نزل عينه للأرض.

«لأ. أنا عارف إن الموضوع أكبر من كده.»

أخد نفس طويل، وبعدها قال:

«أنا اتغيرت يا نور، ويمكن النجاح خلاني أفتكر إن كل حاجة من حقي، وإن الناس لازم تمشي على كلامي. حتى إنتِ، اللي كنتِ أكتر واحدة واقفة جنبي.»

كانت دي أول مرة أسمعه يعترف بغلطه من غير ما يحاول يبرره.

لكن الاعتذار، مهما كان صادقًا، مش بيمسح سنين من التصرفات في لحظة واحدة.

قلت له:

«أنا مش زعلانة علشان داليا قعدت في الكرسي. أنا زعلانة علشان إنت سمحت لنفسك تقلل مني قدام الناس، وبعدها توقعت إني أقبل ده علشان إنت جوزي.»

رد بسرعة:

«أنا فاهم.»

قلت له:

«لأ يا مجدي، إنت بدأت تفهم دلوقتي بس. أنا كنت جنبك لما ما كانش عندك غير فكرة ومكتب صغير. ما طلبتش منك تفضل فاكر ده كل يوم، ولا كنت عايزاك تحس إنك مديون لي. أنا كنت عايزة بس إنك تفضل شايفني شريكة حياتك.»

عينيه لمعت، لكنه ما حاولش يقاطعني.

كملت:

«أنا مش عايزة أكون الست اللي جوزها يحترمها علشان عيلتها عندها فلوس، أو علشان ليها منصب، أو علشان ممكن تأثر على مستيبله في الشغل. أنا عايزة الاحترام يكون موجود حتى لو ما كانش عندي أي حاجة من دي.»

مجدي سكت طويلًا، وبعدها قال:

«أقدر أصلح اللي حصل؟»

بصيت له وقلت:

«التغيير مش وعد بتقوله في لحظة خوف، يا مجدي. التغيير إنك تتصرف بشكل مختلف لما تحس إن مفيش حد بيراقبك، ولما تكون قادر تفرض رأيك، لكن تختار تحترم اللي قدامك.»

هز راسه ببطء.

«هحاول أثبت لك ده.»

رديت:

«أتمنى إنك تعمل كده، مش علشاني بس، علشان نفسك كمان.»

وبعدها شلت ملفي، وخرجت من القاعة.

ما رجعتش البيت معاه في نفس العربية.

كنت محتاجة وقت أفكر في مستقبل علاقتنا، بعيد عن الوعود والضغوط.

أما داليا، فبعد أيام قليلة، حصلت مواجهة بينها وبين إدارة الموارد البشرية.

المراجعة الإدارية كشفت إن فيه بعض الإجراءات الخاصة برحلات العمل محتاجة تنظيم أوضح، وإن داليا كانت بتتجاوز أحيانًا حدود دورها الوظيفي في ترتيب بعض الأمور الشخصية لمجدي.

ما اتهمهاش حد بعلاقة غير مناسبة، لأن ما كانش فيه دليل يثبت ده، لكن الإدارة قررت إعادة توزيع بعض مهامها، ووضع قواعد واضحة للتعامل مع الرحلات الخاصة.

مجدي وافق على القرارات من غير اعتراض.

وبعد فترة، داليا طلبت نقلها لقسم تاني، وقالت إنها عايزة تركز على شغلها بعيد عن أي توتر إداري.

أما مجدي، فبدأ يغير طريقته في التعامل مع الناس بالتدريج.

بقى يسمع للمديرين بدل ما يقاطعهم، وبقى يراجع القرارات المهمة مع الفريق المختص، وبطل يتعامل مع منصبه كأنه تصريح مفتوح يخلّيه يعمل أي حاجة.

لكن التغيير الأهم ما كانش في الشركة.

كان في بيتنا.

بعد أسابيع، رجعت أتكلم معاه بهدوء عن علاقتنا، وعن المسافة اللي كبرت بيننا على مدار السنين.

ما رجعناش زي الأول في يوم وليلة، وما اعتبرتش إن الاعتذار وحده كفاية.

لكن مجدي بدأ يثبت بأفعاله إنه مستعد يصلح اللي أفسده.

بقى يسألني عن رأيي، ويهتم بكلامي، والأهم إنه بطل يعتبر احترامي له واجبًا، واحترامه ليا اختيارًا.

وبعد حوالي شهر، كنا مدعوين لحفل مهم في الإسكندرية.

قبل ما نتحرك، مجدي وقف قدامي وقال بابتسامة هادية:

«جاهزة يا نور؟»

ابتسمت وقلت:

«جاهزة.»

ولما وصلنا للمطار، كان فيه طيارة خاصة مستنيانا.

طلع مجدي الأول، لكنه وقف عند مدخل الطيارة، ومد إيده ليا.

وبعد ما طلعت، أشار للكرسي اللي جنبه وقال:

«اتفضلي يا شريكة حياتي.»

بصيت للكرسي، وبعدها بصيت له.

ما كانش الكرسي هو اللي فرّق معايا المرة دي.

كان الفرق في طريقته وهو بيكلمني.

ما كانش بيأمرني، ولا بيحاول يثبت للناس إنه صاحب السلطة.

كان بيدعوني أقعد جنبه لأنه أخيرًا فهم إن الشراكة مش مجرد كلام بيتقال في المناسبات.

قعدت، وبعد ما الطيارة بدأت تتحرك، مسك إيدي وقال:

«عارف يا نور؟ اليوم اللي نزلتي فيه من الطيارة، افتكرت إني كسبت الموقف علشان خليتك تمشي من غير ما تجادلي.»

بصيت له وقلت:

«وأنا يومها اكتشفت إني مش مضطرة أفضل في مكان حد مش مقدّرني فيه.»

هز راسه وقال:

«وده كان الدرس اللي كنت محتاج أتعلمه.»

ابتسمت، ورجعت بصيت من الشباك.

كنت عارفة إن قدامنا طريق طويل علشان نصلح كل حاجة، لكن على الأقل بقينا بنبدأ من نقطة مختلفة، فيها اعتراف بالغلط واحترام متبادل.

وفي اللحظة دي، فهمت إن أقوى رد على اللي بيحاول يقلل من قيمتك مش إنك تثبت له إنك أقوى منه، لكن إنك ترفض تسمح له يحدد قيمتك من الأساس.

فالكرسي اللي حد ياخده منك ممكن يتعوض، والمنصب ممكن يتغير، والفلوس ممكن تزيد أو تقل.

لكن كرامتك، لو ما حافظتش عليها بنفسك، محدش هيقدر يحافظ عليها مكانك.

تمت النهاية.
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

4 من 4التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى