
من ساعة ما وصل، طلب من المحاسب يجهز كل الملفات والتحويلات البنكية القديمة، وطلب منه كمان يراجع أي مستند اتعمل في الفترة اللي حصل فيها الطلاق.
كان عنده إحساس إن الموضوع أكبر بكتير من مجرد فلوس اتسرقت.
وبالفعل، بعد ساعات، دخل المحاسب مكتبه ومعاه ملف بني قديم.
قاله:
— أستاذ فارس، إحنا لقينا مستندات لازم حضرتك تشوفها بنفسك.
فتح فارس الملف، وبدأ يقلب الورق.
كان فيه صور تحويلات بنكية، وكشوف حسابات، ومراسلات قديمة بين داليا ومكتب المحاماة اللي كان بيتابع إجراءات الطلاق.
لكن اللي لفت نظره كان خطاب مكتوب بخط إيد داليا.
الخطاب كان مؤرخ قبل ولادة يوسف بشهور.
قرأ أول سطر، ووشه اتغير.
كانت داليا كاتبة:
«فارس لازم ما يعرفش إن مريم حامل. لو عرف، ممكن يرجع لها أو يصر على الاعتراف بالطفل، وساعتها كل اللي عملناه هينهار».
فارس حس إن نفسه اتسحب منه.
كمل القراءة.
«أنا قدرت أقنعه إن مريم مش عايزة أي علاقة بيه، وهفضل أأكدله إنها مش محتاجة مساعدته. أما التحويلات الشهرية، فهتفضل تحت سيطرتي، ومش هيوصلها منها حاجة».
قفل الخطاب بعنف.
فضل ساكت لدقايق، وبعدها طلب من المحاسب يتصل بداليا فورًا.
لكن داليا ما ردتش.
اتصل بيها مرة واتنين وتلاتة، لحد ما ردت أخيرًا.
قالها بصوت حاد:
— عايز أشوفك في مكتبي حالًا.
حاولت تضحك وقالت:
— خير يا حبيبي؟ فيه إيه؟
رد:
— تعالي وهتعرفي.
بعد أقل من ساعة، دخلت داليا المكتب وهي متوترة.
أول ما شافت الملف مفتوح قدامه، عرفت إن كل حاجة اتكشفت.
فارس حط الخطاب قدامها وسألها:
— إنتِ كتبتي الكلام ده؟
حاولت تنكر:
— مش فاهمة إنت بتتكلم عن إيه.
ضرب بإيده على المكتب وقال:
— كفاية كدب! إنتِ كنتِ عارفة إن مريم حامل، وسرقتي فلوس ابني 18 سنة!
داليا بدأت تبكي.
— فارس، أنا كنت خايفة أخسرك. كنت عايزة أحافظ على بيتنا وعلى آدم.
رد عليها:
— وتحافظي على بيتك إزاي وإنتِ بتخربي بيت واحدة تانية؟ وإزاي تسمحي لطفل يكبر من غير أب، وإنتِ عارفة إن أبوه موجود؟
قالت وهي بتحاول تبرر:
— مريم كانت هتاخدك مني، وأنا كنت شايفة إنك لازم تفضل مع ابني.
فارس وقف من مكانه وقال:
— إنتِ ما كنتيش بتحافظي على آدم، إنتِ كنتِ بتحرمي طفل تاني من أبوه علشان تفضلي مسيطرة على حياتي.
داليا سكتت.
وبعدها قالها:
— من النهارده، كل حساباتك هتتراجع، والمحامين هيتولوا الإجراءات القانونية بخصوص الفلوس اللي اختفت.
خرجت داليا من المكتب وهي منهارة، لكن فارس ما حسش بأي راحة.
لأن اكتشاف الحقيقة ما كانش معناه إن 18 سنة ممكن يرجعوا.
بعد يومين، رجع فارس تواصل معايا.
طلب يقابلني أنا ويوسف، ووافقنا نقعد معاه في مكان عام.
وصل قبلنا، وكان واضح عليه الإرهاق.
أول ما قعدنا، طلع ملف وحطه على الترابيزة.
قال:
— دي كل التحويلات اللي كنت ببعتها، ودي المستندات اللي بتثبت إن داليا استولت عليها. أنا هبدأ إجراءات استرداد المبالغ، وكل حق يوسف هيرجعله.
بصيتله وقلت:
— الفلوس مش هترجعلي السنين اللي قضيتها وأنا بحسب إزاي أوفر تمن الكتب والدروس.
هز راسه وقال:
— أنا عارف، ومش بطلب منك تسامحيني.
يوسف كان ساكت، لحد ما فارس بصله وقال:
— أنا مش عارف أبدأ منين معاك يا ابني، لكن نفسي تديني فرصة أعرفك.
يوسف رد بهدوء:
— أنا مش ضد إني أعرفك، لكن لازم تفهم إن حياتي مش هتتغير في يوم وليلة. أنا عندي أم تعبت علشاني، وكانت موجودة في كل لحظة احتجت فيها حد جنبي.
فارس نزل عينيه وقال:
— عندك حق.
يوسف كمل:
— لما كنت بتعب، أمي كانت بتسهر جنبي. لما كنت بخاف من الامتحانات، كانت بتطمني. ولما ما كانش معانا فلوس كفاية، كانت بتشتغل أكتر علشان ما أحسش إني محروم.
وبعدها بصله مباشرة:
— إنت كنت فين وقتها؟
فارس ما قدرش يرد.
دموعه نزلت لأول مرة قدامنا.
قال:
— كنت فاكر إني بعمل الصح، لكن الحقيقة إني كنت عايش وسط كدبة كبيرة.
يوسف سكت شوية، وبعدها قال:
— أنا مش هقدر أعتبرك أبويا في يوم واحد، لكن ممكن نبدأ نتعرف على بعض، بشرط إنك تحترم أمي وما تحاولش تعوض غيابك بالفلوس.
فارس هز راسه بالموافقة.
مرت شهور.
بدأ يوسف يتواصل مع فارس من وقت للتاني، وكانت علاقتهم بتتحسن ببطء.
أما آدم، الابن اللي ربته داليا، فكان هو كمان ضحية جزء كبير من الأكاذيب اللي عاشوا فيها.
وفي يوم، طلب يقابل يوسف.
اتقابلوا في الجامعة، وكان اللقاء الأول بينهم غريب شوية.
آدم قال:
— أنا عرفت الحقيقة، ومش عارف أقولك إيه. أنا ما كنتش أعرف إن فيه أخ ليا.
يوسف ابتسم وقال:
— ولا أنا كنت أعرف إن عندي أخ. إحنا الاتنين ما كانش لينا ذنب في اللي حصل.
آدم مد إيده وصافحه.
ومن اللحظة دي، بدأوا يحاولوا يبنوا علاقة جديدة بعيد عن أخطاء الكبار.
أما فارس، فكان كل ما يشوف يوسف يفتكر السنين اللي ضاعت منه.
وفي يوم، جالي البيت ومعاه ظرف.
قال:
— دي مستندات التحويلات اللي رجعت، وده جزء من المبلغ اللي كان من حق يوسف من زمان.
بصيت للظرف وقلت:
— أنا مش عايزة الفلوس دي لنفسي يا فارس.
قال:
— أنا عارف. دي حق ابني، وعايزه يبدأ حياته من غير ما يشيل هم اللي أنا قصرت فيه.
يوسف وافق ياخد حقه، لكنه قرر يخصص جزء كبير منه لمنحة تعليمية للطلاب اللي ظروفهم المادية صعبة.
لما سألته ليه عمل كده، قال:
— علشان فيه ناس كتير عندها عقول عظيمة، لكن مش لاقية الفرصة اللي تساعدها توصل.
كنت ببصله ودموعي في عيني.
ده كان ابني اللي ربيته، واللي اتعلم إن قيمة الإنسان مش في الفلوس اللي معاه، لكن في الخير اللي يقدر يقدمه لغيره.
بعد فترة، اتكرم يوسف مرة تانية في الجامعة، لكن المرة دي كان فارس حاضر.
قعد في الصف الأول، ولما ابني طلع على المسرح، وقف وصفقله بحرارة.
يوسف بص ناحيته وابتسم ابتسامة صغيرة.
وبعد الحفل، قرب فارس منه وحضنه.
ما كانش حضن أب لابنه من أول يوم، لكنه كان بداية علاقة اتبنت بالصبر والصدق.
أما أنا، فكنت واقفة بعيد شوية، بتفرج عليهم وأنا مرتاحة.
فارس قرب مني وقال:
— أنا عارف إن مفيش اعتذار يقدر يرجع اللي فات، لكن شكرًا إنك ربيتي ابني بالشكل ده.
قلتله:
— أنا ما ربيتوش علشان يثبتلك حاجة، أنا ربيته علشان يبقى إنسان كويس، وعلشان ما يكررش أخطاء حد.
هز راسه وقال:
— نجحتي يا مريم.
ابتسمت وقلت:
— الحمد لله، ده فضل ربنا قبل أي حاجة.
وفي اللحظة دي فهمت إن الحياة مش دايمًا بتدينا اللي بنتمناه، لكنها ساعات بتدينا فرصة نثبت إننا أقوى من الظروف اللي اتفرضت علينا.
أما داليا، فخسرت ثقة فارس بعد ما ظهرت الحقيقة، وبدأت تواجه تبعات استيلائها على الأموال والتلاعب بالمستندات.
وأنا؟
أنا ما رجعتش لفارس، وما طلبتش منه يرجعلي.




