
مريم قعدت جنبها وسألتها:
“إنتِ تعرفي مين اللي بعتهم؟”
نورهان هزت رأسها.
“عندي شك في شخص واحد، لكن مش عايزة أتهمه من غير دليل.”
مريم سألتها:
“مين؟”
نورهان سكتت لحظات، وبعدها قالت:
“محمود السيوفي.”
مريم استغربت.
“أخو أدهم؟”
نورهان أومأت.
“أيوه. محمود كان الشخص الوحيد اللي وقف جنبي لما اكتشفت التلاعب في أوراق الشركات. هو اللي نبهني إن فيه مستندات بتتغير من غير علمي.”
مريم سألتها:
“طب ليه اختفى؟”
نورهان بصت لابنها وقالت:
“لأنه اكتشف إن حد من العيلة متورط في الموضوع، ولما حاول يواجهه، اتعرض لضغط كبير واضطر يبعد.”
قبل سبع سنين، كان محمود وأدهم شركاء في إدارة جزء كبير من ممتلكات العيلة.
لكن محمود اكتشف وقتها إن فيه أموال بتخرج من حسابات الشركات من غير مستندات واضحة.
حاول يواجه أدهم، لكن الخلاف بينهم كبر، خصوصًا لما ظهر شريف الدمنهوري في الصورة.
شريف كان مسؤول عن الحسابات، وكان بيحاول يقنع أدهم إن محمود بيخونه وبيحاول يستولي على نصيبه.
وفي النهاية، أدهم صدق شريف، وقطع علاقته بأخوه.
محمود سافر بعيد، ورفض يتواصل مع أي حد من العيلة.
لكن قبل سفره، قال لنورهان جملة فضلت فاكرة تفاصيلها:
“خلي بالك من أدهم. مش كل اللي حواليه بيحبوه، وفيه ناس مستفيدة من إنه يفضل بعيد عن الحقيقة.”
رجعنا للحاضر…
نورهان كانت بتراجع بعض المستندات على اللابتوب، لما سمعت صوت خبط على الباب.
مريم قامت تفتح، لكنها رجعت بسرعة وهي بتقول:
“نورهان… فيه حد عايز يشوفك.”
نورهان رفعت رأسها.
“مين؟”
جاءها صوت مألوف من عند الباب:
“أنا يا نورهان… محمود.”
وقفت نورهان بسرعة، لكن مريم أشارت لها تهدى.
دخل محمود، وكان باين عليه التعب.
أول ما شاف الطفل، ابتسم وقال:
“ما شاء الله… ربنا يحفظه.”
نورهان سألته بقلق:
“إنت عرفت مكاني إزاي؟”
محمود رد:
“أنا اللي كنت بحاول أوصل لك من أول يوم. وعرفت إنك في خطر، لكن ماكنتش عارف عنوانك لحد امبارح.”
نورهان بصتله وقالت:
“إنت اللي بعت الصورة؟”
محمود هز رأسه بسرعة.
“لا. ودي أول مرة أشوفها. بس لازم تعرفي إن شريف وسالي مش بيتصرفوا لوحدهم.”
نورهان سألت:
“مين معاهم؟”
محمود سكت شوية، وبعدها قال:
“عمك جلال السيوفي.”
نورهان شهقت.
جلال كان عم أدهم، وأكبر شخص في العيلة سنًا ونفوذًا.
محمود كمل:
“هو اللي كان بيمول شريف من زمان، وهو اللي ساعد سالي تدخل حياة أدهم. هدفهم مش بس الفلوس، هما عايزين يسيطروا على نصيب العيلة من الشركات والعقارات.”
نورهان قالت بذهول:
“بس إزاي؟”
محمود رد:
“عن طريق مستندات مزورة، وتوقيعات منسوبة ليكي، واتفاقات اتعملت باسم شركات مش موجودة.”
وبعدها فتح حقيبته وأخرج ملفًا كبيرًا.
“وده الدليل.”
نورهان بدأت تقلب في الأوراق، وفجأة وقفت عند مستند معين.
كان فيه توقيع باسمها على تنازل عن حصتها في مجموعة من العقارات لصالح شركة يملكها شريف.
قالت بغضب:
“أنا ممضيتش على الورقة دي!”
محمود رد:
“عارف. وعندي تسجيل يثبت إن التوقيع اتزور.”
نورهان رفعت عينيها وسألته:
“طب وأدهم؟ كان يعرف؟”
محمود سكت.
الصمت ده كان أصعب من أي إجابة.
في نفس الوقت، كان أدهم وصل إلى الإسكندرية.
اتصل برجاله وسأل:
“عرفتوا مكان نورهان؟”
جاءه الرد:
“لسه يا باشا، لكن عرفنا إن محمود ظهر في المنطقة.”
أدهم ضغط على أسنانه.
“يبقى هو قريب منها. دوروا عليه.”
وبينما كان بيقود عربيته، رن موبايله.
كان المتصل مدير مكتبه.
“يا باشا، فيه معلومة مهمة جدًا.”
أدهم رد بعصبية:
“اتكلم.”
قال المدير:
“راجعنا تسجيلات قديمة من الشركة، ولقينا إن عم حضرتك جلال كان بيحول مبالغ كبيرة لشريف، وفيه رسائل بتثبت إنهم كانوا بيتكلموا عن مدام نورهان قبل اختفائها.”
أدهم سأل:
“كانوا عايزين منها إيه؟”
المدير اتردد قبل ما يرد:
“كانوا عايزينها توقع على تنازل عن حصتها في بعض الممتلكات. ولما رفضت، بدأوا يدوروا على طريقة يضغطوا بيها عليها.”
أدهم حس بغضب شديد.
“يعني سالي دخلت حياتي عشان توصل لنورهان؟”
المدير رد:
“ده اللي بتشير له المستندات يا باشا.”
أدهم قفل المكالمة، وضرب بإيده على عجلة القيادة.
افتكر كل مرة اتكلم فيها مع نورهان بعصبية.
وكل مرة سابها لوحدها.
وكل مرة قالت له إنها خايفة، وهو اتهمها بالمبالغة.
بدأ يفهم إن الست اللي طردها من قلبه كانت بتحاول تحميه هو كمان.
في شقة نورهان، كان محمود بيحكي لها عن آخر تطورات القضية.
وفجأة، سمعوا صوت عربية بتقف تحت العمارة.
محمود بص من الشباك، وملامحه اتغيرت.
قال بسرعة:
“نورهان، لازم نمشي دلوقتي.”
نورهان قامت وهي شايلة يوسف.
“فيه إيه؟”
محمود رد:
“أدهم وصل.”
نورهان سكتت للحظات.
ماكانتش عارفة تفرح ولا تخاف.
لكن قبل ما يتحركوا، سمعوا خبط قوي على الباب.
وجاء صوت أدهم من الخارج:
“نورهان! أنا عارف إنك جوه!”
محمود بص لنورهان وقال:
“ماتفتحيش الباب قبل ما نتأكد إنه لوحده.”
لكن أدهم كرر النداء:
“نورهان، أرجوكي افتحي. أنا مش جاي آخد يوسف منك.”
نورهان قربت من الباب، وسألت بصوت مرتعش:
“إنت عرفت مكاني إزاي؟”
أدهم رد:
“مش مهم دلوقتي. المهم إني عرفت الحقيقة.”
نورهان قالت:
“الحقيقة؟ إنت تقصد أنهي حقيقة؟”
أدهم سكت لحظة، وبعدها قال:
“عرفت إن عمي جلال وشريف وسالي كانوا بيخططوا للاستيلاء على ممتلكاتك. وعرفت إنك كنت بتحاولي تحذريني وأنا ماكنتش بسمعك.”
نورهان حطت إيدها على الباب، لكنها ما فتحتهوش.
قالت:
“وأنا أضمن منين إنك مش جاي تكمل اللي بدأوه؟”
أدهم رد بصوت مكسور:
“أنا مش هطلب منك ترجعي القصر. ولا هطلب منك تسامحيني. أنا بس عايز أتأكد إنك إنتِ ويوسف بخير.”
محمود قرب من الباب وقال:
“أدهم، قبل ما تشوف ابنك، فيه حاجة لازم تعرفها.”
أدهم سأله:
“إيه؟”
محمود رد:
“التسجيل اللي مع نورهان مش بس بيثبت تزوير التوقيعات. التسجيل فيه صوت شخص تاني… شخص لو عرف الناس إنه متورط، عيلة السيوفي كلها هتنهار.”
أدهم سأله بقلق:
“مين الشخص ده؟”
محمود بص لنورهان، وبعدها قال:
“والدك.”
نورهان اتجمدت مكانها.
أبوها، اللي مات من سنين، كان اسمه موجود في تسجيل مرتبط بالمؤامرة!
لكن إزاي؟
وإيه علاقته بجلال وشريف؟
وفي اللحظة دي، وصل إشعار على موبايل نورهان من رقم مجهول.
فتحت الرسالة، وكانت عبارة عن تسجيل صوتي قصير.
ضغطت تشغيل…
فسمعت صوت والدها بيقول:
“لو حصل لي أي حاجة، لازم نورهان تعرف إن أدهم مش هو الشخص اللي كانت فاكرة إنه بيحميها… وإن الحقيقة عن ابنها لازم تفضل سر لحد ما تكبر.”
نورهان بصت ليوسف، وبعدها رفعت عينيها لمحمود.
همست بصدمة:
“هو يقصد إيه؟ إيه السر اللي يخص ابني؟”
أما أدهم، فكان واقف خلف الباب، وقد سمع آخر كلمات التسجيل.
ولأول مرة في حياته، شعر أن هناك شيئًا قد يقلب كل ما يعرفه عن عائلته رأسًا على عقب.
يتبع في الجزء الخامس والأخير…
### الجزء الخامس والأخير: الحقيقة الكاملة… والسر الذي غيّر مصير عائلة السيوفي!
وقفت نورهان في منتصف الغرفة، وهي حاضنة يوسف، وعينيها مليانة دموع.
كانت بتعيد تشغيل التسجيل مرة ورا التانية، وكل مرة تسمع صوت والدها وهو بيقول:
“الحقيقة عن ابنك لازم تفضل سر لحد ما يكبر.”
بصت لمحمود وسألته بصوت مرتعش:
“إنت تعرف حاجة عن الكلام ده؟”
محمود نزل عينيه للأرض، وفضل ساكت.
نورهان صرخت:
“محمود! اتكلم! إيه سر ابني؟”
محمود أخد نفس طويل وقال:
“قبل ما والدك يتوفى بفترة، اكتشف إن فيه تلاعب كبير في ممتلكات العيلتين. وكان عارف إن جلال عايز يسيطر على كل حاجة، وإن شريف بيساعده.”
نورهان قاطعته:
“أنا عارفة الكلام ده، لكن إيه علاقة يوسف بالموضوع؟”
محمود بص للطفل وقال:
“والدك كان عامل وصية قانونية، وخصص جزء كبير من ثروته لأول حفيد ليه من بنته. يعني يوسف.”
نورهان اتسمرت مكانها.
“إيه؟!”
محمود كمل:
“والدك كان عارف إنك حامل، وكان نفسه يشوف حفيده. لكنه اكتشف قبل وفاته إن جلال بيحاول يوصل للوصية ويغير بنودها. عشان كده سجل كلامه واحتفظ بنسخة من المستندات.”
نورهان حطت إيدها على فمها.
“يعني كل اللي حصل كان بسبب ميراث يوسف؟”
محمود أومأ.
“بالضبط. سالي دخلت حياة أدهم عشان تقدر تقرب من القصر، وشريف استغل ثقة أدهم فيه، وجلال كان بيحرك كل الخيوط من بعيد.”
في اللحظة دي، أدهم خبط على الباب مرة تانية.
“نورهان، افتحي. لازم أسمع الكلام ده بنفسي.”
نورهان بصت لمحمود، وبعد تردد طويل، سمحت له يفتح الباب.
دخل أدهم بخطوات بطيئة.
أول ما شاف نورهان، وقف مكانه.
كانت ملامحها متغيرة، وجسمها لسه مرهق من الولادة، لكنها كانت حاضنة الطفل بحنان شديد.
أدهم قرب خطوة، وبص ليوسف.
همس:
“ده ابني؟”
نورهان ردت ببرود:
“أيوه. ابنك اللي ماكنتش موجود وقت ما جه للدنيا.”
الكلمات وجعته، لكنه ما اعترضش.
مد إيده بحذر، لكنه وقف قبل ما يلمس الطفل.
“ممكن أشيله؟”
نورهان فضلت ساكتة، وبعد لحظات وافقت.
أدهم حمل يوسف لأول مرة.
فضل باصص لوشه الصغير، ودموعه بدأت تنزل من غير ما يحس.
قال بصوت مبحوح:
“أنا آسف يا ابني… آسف إني ماكنتش موجود.”
نورهان بصت بعيد.
ماكانتش مستعدة تسامحه لمجرد إنه شال ابنه وعيط.



