روايات وقصص

الجزء الثاني والاخير بقلم محمد عبده

بعد دقائق، محمود حط الملف على الترابيزة.

قال لأدهم:

“لازم تسمع التسجيل كامل.”

شغل التسجيل، وظهر صوت جلال وهو بيتكلم مع شريف.

كان واضح إنه بيخطط للاستيلاء على ممتلكات والد نورهان، وإنه عايز يستخدم سالي عشان يبعد أدهم عن مراته ويخليه يتجاهل أي تحذيرات منها.

وفي جزء تاني من التسجيل، قال جلال:

“أهم حاجة نورهان ما توصلش للوصية الأصلية. لو عرفت إن يوسف هو المستفيد، كل خطتنا هتضيع.”

أدهم كان بيسمع ووشه بيزداد احمرارًا من الغضب.

فجأة، ظهر صوت سالي:

“وأدهم؟ مش ممكن يشك فينا؟”

جلال رد:

“أدهم مشغول بنفسه وبغروره. طول ما إنتِ عارفة تسيطري عليه، مش هيبص وراه.”

أدهم قفل التسجيل فجأة.

بص لمحمود وقال:

“فين جلال دلوقتي؟”

محمود رد:

“في القاهرة. ومستني شريف يرجع له بالمستندات.”

أدهم وقف وقال:

“يبقى لازم نخلص الموضوع ده بالقانون.”

نورهان استغربت كلامه.

كانت متوقعة إنه هيستخدم رجاله ونفوذه عشان ينتقم.

لكنه كمل:

“مش هكرر أخطاء الماضي. كل الأدلة هتتسلم للجهات المختصة، وكل واحد هيتحاسب على اللي عمله.”

في صباح اليوم التالي، تحركت القضية بشكل رسمي.

اتقدمت المستندات والتسجيلات، وبدأت الجهات المختصة التحقيق في التزوير والتحويلات المالية غير القانونية.

حاول شريف الهروب، لكن تم الوصول إليه بعد تتبع معاملاته.

أما سالي، فلما عرفت إن التسجيلات وصلت للمحققين، حاولت تنكر علاقتها بكل حاجة.

لكن المستندات كشفت التحويلات المالية والاتفاقات اللي كانت بينها وبين شريف وجلال.

وبعد أيام، تم استدعاء جلال للتحقيق.

في البداية، أنكر كل شيء.

لكن لما واجهوه بالتسجيلات والمستندات، ماقدرش يلاقي أي تفسير مقنع.

أما أدهم، فقرر يراجع كل حسابات شركاته، واكتشف إن شريف استغل ثقة العيلة فيه لسنوات طويلة.

وبعد التحقيقات، بدأت تتضح المسؤوليات، وتم اتخاذ الإجراءات القانونية بحق المتورطين.

مرت ثلاثة أسابيع.

نورهان كانت لسه في الإسكندرية، بتتعافى من الولادة، وبتتعلم إزاي تهتم بيوسف بعيد عن كل الضغوط اللي مرت بيها.

وفي يوم، وصلها ظرف من المحامي الخاص بوالدها.

كان جواه نسخة من الوصية الأصلية، ورسالة بخط إيد والدها.

فتحت الرسالة وبدأت تقرأ:

“ابنتي الحبيبة نورهان…

لو الرسالة دي وصلت لك، يبقى غالبًا أنا مش موجود جنبك.

كنت أتمنى أشوفك أم، وأشوف حفيدي وهو بيكبر قدام عيني.

عايزك تعرفي إن الحب الحقيقي مش بيتقاس بالفلوس، ولا بالمناصب، ولا بالأسماء الكبيرة.

حافظي على نفسك وعلى ابنك، وماتسمحيش لأي حد يخليكي تتنازلي عن كرامتك.

يوسف له حق محفوظ، لكن أهم من أي ميراث إنه يكبر وسط ناس بتحبه بصدق.

بحبك يا بنتي.”

نورهان ضمت الرسالة لصدرها وبدأت تبكي.

كانت دي أول مرة تحس إن والدها، رغم غيابه، لسه بيحاول يحميها.

بعد يومين، طلب أدهم يقابل نورهان.

جاء بنفسه إلى الإسكندرية، من غير حراسة ظاهرة، ومن غير عربيات كتير.

كان معاه باقة ورد صغيرة وعلبة فيها هدية للطفل.

نورهان فتحت الباب، ولما شافته، قالت بهدوء:

“اتفضل.”

دخل وقعد بعيد عنها.

حط الهدية على الترابيزة وقال:

“دي حاجة بسيطة ليوسف.”

نورهان بصت للهدية وقالت:

“شكرًا.”

أدهم فضل ساكت شوية، وبعدها قال:

“أنا عارف إن كلمة آسف مش كفاية.”

نورهان ردت:

“أكيد مش كفاية.”

أدهم هز رأسه.

“أنا كنت فاكر إن الفلوس والقوة يخلوني أقدر أعمل أي حاجة، وإنك مش هتقدري تسيبيني مهما حصل. كنت متأكد إنك هتفضلي في القصر عشان اسمي وحمايتي.”

نورهان بصتله وقالت:

“أنا كنت محتاجة زوج، مش حارس. كنت محتاجة أب لابني، مش راجل بيدفع فلوس عشان يثبت إنه مسؤول.”

أدهم نزل عينيه.

“عارف. وأنا مش جاي أطلب منك ترجعي معايا. أنا جاي أقولك إنك عندك الحق تختاري حياتك بنفسك.”

نورهان سألته:

“وسالي؟”

رد:

“انتهى كل شيء بينا من وقت ما عرفت الحقيقة. ومش هسمح لأي حد يتدخل في حياتك أو حياة يوسف.”

سكتت نورهان، وبعدها قالت:

“أنا مش هقدر أرجع للقصر.”

أدهم رد بهدوء:

“مش هطلب منك ده.”

“ومش هقبل إن ابني يعيش في نفس الظروف اللي كنت عايشة فيها.”

“حقك.”

“ومش عايزة حد يراقبني أو يتحكم في خروجي ودخولي بحجة حمايتي.”

أدهم أومأ.

“موافق.”

نورهان بصتله طويلًا، وبعدها قالت:

“لو عايز تكون أب ليوسف، لازم تثبت ده بالأفعال، مش بالكلام.”

أدهم رد:

“هحاول.”

مرت ستة أشهر.

يوسف كبر شوية، وبدأ يبتسم كل ما يسمع صوت أمه.

نورهان استأجرت شقة جميلة في الإسكندرية، وبدأت مشروع صغير خاص بيها لإدارة العقارات، باستخدام جزء من ميراث والدها.

أما أدهم، فكان بيزور ابنه بانتظام، بعد الاتفاق مع نورهان على مواعيد واضحة.

ماكانش بيدخل حياتها من غير إذن، وماكانش بيضغط عليها ترجع.

كان بيتعلم لأول مرة إن الأبوة مش قرار بيتاخد وقت ما يكون مناسب له.

وفي إحدى الزيارات، كان يوسف نايم في حضن نورهان.

أدهم بص لابنه وقال:

“عارفة يا نورهان؟ كل ما أشوفه، بفتكر إني ضيعت أول أيامه.”

نورهان ردت بهدوء:

“الأيام دي مش هترجع.”

أدهم أومأ.

“عارف. بس أتمنى أقدر أعوضه عن اللي فات.”

نورهان بصت ليوسف وابتسمت.

“اللي جاي هو اللي يهم.”

بعد سنة كاملة، افتتحت نورهان فرعًا جديدًا من مشروعها.

وكان محمود موجود، ومريم كمان، وأدهم حضر بدعوة منها.

وقف أدهم بعيد شوية، بيتفرج على نورهان وهي بتتكلم مع الناس بثقة وابتسامة.

افتكر الست اللي سابها لوحدها في شهرها التاسع، واللي كان متأكد إنها مستحيل تقدر تعيش من غيره.

لكنها قدرت.

قدرت تولد لوحدها، وتحمي ابنها، وتكشف مؤامرة كبيرة، وتبدأ حياة جديدة من الصفر.

قرب منها وقال:

“مبروك يا نورهان. أنا فخور بيكي.”

ابتسمت وقالت:

“شكرًا يا أدهم.”

بص ليوسف اللي كان بيضحك في حضنها، وسألها:

“ممكن أقولك حاجة؟”

“اتفضل.”

قال بصوت هادي:

“أنا مش هطلب منك تنسي اللي حصل، لكن لو في يوم قدرتي تسامحيني، أتمنى نبدأ صفحة جديدة… مش عشان نرجع زي الأول، لكن عشان يوسف يعيش وهو شايف إن أبوه وأمه بيحترموا بعض.”

نورهان سكتت لحظات.

وبعدين قالت:

“أنا مش عايزة أعيش في الماضي. لكن الثقة لما بتتكسر، مش بترجع في يوم وليلة.”

أدهم رد:

“فاهم.”

وفي نهاية اليوم، رجعت نورهان شقتها، وحطت يوسف في سريره الصغير.

وقفت تتأمله وهو نايم، وافتكرت الليلة اللي خرجت فيها من القصر بشنطة واحدة، وهي مش عارفة هتروح فين ولا هتولد إزاي.

ابتسمت ومسحت على شعره.

همست:

“كنت فاكرة إني خرجت من القصر لوحدي يا حبيبي… لكن الحقيقة إني كنت باخدك معايا لحياة جديدة.”

وبصت من الشباك على أضواء الإسكندرية، وحست لأول مرة إنها وصلت للمكان اللي تستحق تعيش فيه.

أما أدهم، فقد خسر زوجته في اللحظة اللي ظن فيها إنها لن تستطيع الرحيل، لكنه كسب فرصة يتعلم فيها أن الحب لا يُفرض بالقوة، وأن الثقة لا تُشترى بالمال.

النهاية.

3 من 3التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى