
—هناك شخصان فقط.
—ماذا سنفعل؟
نظر إلى مريم.
ثم إلى النمل المنتشر حولها.
وفجأة لاحظ شيئًا غريبًا.
كلما اقترب أحد الرجلين من العش، كانت النملات تتجمع في منطقة معينة.
قال حسان:
—ابقوا هنا.
—إلى أين تذهب؟
—سأجعلهم يعتقدون أنني وحدي.
وقبل أن تمنعه سعاد، اختفى بين الأشجار.
بعد لحظات، سمع الرجال صوتًا.
—من هناك؟
خرج حسان من بين الأشجار.
رفع يديه.
—أنا حارس المنطقة.
اقترب الرجل الذي يرتدي المعطف الأسود.
—هل رأيت امرأة هنا؟
قال حسان:
—لم أر أحدًا.
نظر الرجل إلى الأرض.
كانت حقيبة مريم لا تزال موجودة.
ثم رفع عينيه إلى حسان.
—وهذه؟
أجاب حسان:
—وجدتها فارغة.
لكن الرجل لم يقتنع.
تقدم خطوة.
ثم أخرى.
وفجأة سمع صوتًا من جهاز الاتصال في يده.
—وجدنا آثار دماء.
صمت الرجل.
ثم قال:
—إذن هي قريبة.
شعر حسان أن الوقت ينفد.
في تلك اللحظة، سمع صوتًا بعيدًا.
صفارة.
ثم أخرى.
وصل فريق الإنقاذ.
التفت الرجلان نحو الطريق.
استغل حسان اللحظة واندفع خلفهما، وأمسك بأحدهما قبل أن يتمكن من الهرب.
أما الآخر فركض نحو السيارة.
لكن سعاد كانت قد اتصلت بالشرطة دون أن يشعر بها أحد.
وبعد دقائق قليلة، كانت المنطقة محاصرة.
تم القبض على الرجل الأول.
أما الثاني فاختفى بين الأشجار.
لكن المفاجأة الأكبر لم تكن في هروبه.
بل في الهاتف الذي سقط من يده.
التقطه حسان.
وكانت الشاشة لا تزال مضاءة.
ظهرت عليها رسالة حديثة جدًا.
المرسل:
ياسر.
قرأ حسان الرسالة.
وكان مضمونها:
“هل وجدتموها؟ لا تجعلوها تصل إلى المستشفى.”
رفع حسان رأسه ببطء.
شعرت سعاد بأن الدم انسحب من وجهها.
قالت:
—زوجها يعرف أنها هنا.
لكن مريم سمعت الجملة.
وفجأة بدأت تبكي.
—قلت لكم…
اقتربت منها سعاد.
—ماذا؟
قالت مريم بصوت مرتجف:
—أنا لم آتِ إلى هذا المكان بالصدفة.
—إذن لماذا جئتِ؟
نظرت مريم إلى عش النمل.
—لأن جدتي أخبرتني منذ سنوات عن هذا المكان.
استغرب حسان.
—جدتك؟
أومأت مريم.
—كانت تقول إن هناك واديًا في هذه الجبال، وإن النمل فيه لا يتصرف مثل النمل في أي مكان آخر.
حدق حسان في العش.
—هذا مجرد كلام قديم.
هزت مريم رأسها.
—لا.
ثم وضعت يدها فوق بطنها.
—جدتي كانت تعرف شيئًا عن هذا المكان.
سألها حسان:
—ماذا كانت تعرف؟
صمتت مريم طويلًا.
ثم قالت:
—كانت تعرف أن هناك أشخاصًا يأتون إلى هنا منذ سنوات.
—لماذا؟
نظرت إليه.كانت فيه وكأنها كانت تنتظر هذه اللحظة.
قالت:
—هذا هو السبب الحقيقي الذي جعلني آتي إلى هنا.
ثم أضافت:
—والذي بداخله يثبت أن زوجي لم يكن يريد طفلي فقط…نظر ياسر إلى زوجته، ثم إلى الصندوق المعدني.
ولأول مرة، اختفت كل علامات الغضب من وجهه.
ظهر بدلًا منها خوف حقيقي.
وقال بصوت مرتجف:
—لا تفتحوا الصندوق.
تبادل حسان وسعاد النظرات.
أما مريم، فابتسمت رغم ضعفها.
وقالت:
—لقد تأخرت يا ياسر.
وكانت تلك اللحظة هي بداية الحقيقة التي حاول الجميع الجزء الثالث — الصندوق الذي أخفى الحقيقة
توقفت أنفاس الجميع للحظات.
كان ياسر واقفًا على بُعد أمتار قليلة، يحدق في الصندوق المعدني وكأنه يرى شبحًا من الماضي.
قال حسان بحزم:
—ابتعد عن الصندوق.
رفع ياسر يديه.
—اسمعني يا عم حسان، أنت لا تعرف ما الذي تفعله.
رد حسان:
—بل أعتقد أنني بدأت أفهم.
تقدمت سعاد نحوه.
—كيف عرفت أننا هنا؟
لم يجب.
فقط نظر إلى مريم.
كانت مستلقية على الأرض، شاحبة الوجه، لكنها لم تعد تبدو خائفة كما كانت قبل قليل.
قالت له:
—كنت تعرف أنني سأصل إلى هنا، أليس كذلك؟
خفض ياسر عينيه.
—مريم، الأمر ليس كما تظنين.
ضحكت بسخرية ضعيفة.
—الجملة نفسها قلتها لي عندما وجدت الرسائل.
اقترب حسان من الصندوق.
—سوف نفتح هذا الصندوق الآن. —لا! لكن حسان أمسك به وأسقطه على الأرض.
وصل أفراد الشرطة في اللحظة نفسها، وقيدوا يديه. —ربما حان الوقت أن تتحملوا نتيجة ما فعلتموه.
أخرج حسان أداة صغيرة من حقيبته.
أدخلها في قفل الصندوق.
وبعد عدة محاولات…
انفتح.
ساد الصمت.
في الداخل كانت هناك ملفات قديمة، وصور، ودفتر أسود صغير، وعدة —إذا كنت تقرأ هذه الرسالة، فهذا يعني أنني لم أستطع العودة إلى المنزل. مريم. هذه كتابة جدتي.
تابع حسان القراءة:
—”اسمي فاطمة. عشت في قرية السرو أكثر من ثلاثين عامًا. خلال تلك السنوات اكتشفت أن بعض الأشخاص يستخدمون هذه الجبال لإخفاء أشياء لا يريدون أن يعرفها أحد.”
توقف حسان للحظة.
ثم أكمل:
—”قبل واحد وعشرين عامًا، شاهدت شيئًا لم يكن يجب أن أراه.”
كان ياسر قد توقف عن المقاومة.
أصبح يستمع بصمت.
تابع حسان:
—”في إحدى الليالي، وصلت شاحنة سوداء إلى الوادي. كان بداخلها رجلان وامرأة تحمل طفلًا حديث الولادة.”
وضعت سعاد يدها على فمها.
أما مريم فبدأت ترتجف.
—طفل حديث الولادة؟
واصل حسان القراءة:
—”سمعت المرأة تبكي وتطلب منهم ألا يأخذوا الطفل. ثم رأيت أحد الرجال يسلمها مبلغًا من المال.”
رفع حسان عينيه.
—هل لديكِ فكرة من يكون هذا الطفل؟
كانت مريم تحدق في الورقة.
ثم قالت بصوت بالكاد يسمع:
—أنا.
تجمد الجميع.
قالت سعاد:
—مريم، ماذا تقصدين؟
أغمضت مريم عينيها.
—منذ سنوات كانت لدي شكوك حول عائلتي.
ثم نظرت إلى ياسر.
—لكنني لم أكن أعرف الحقيقة كاملة.
صرخ ياسر:
—كفى!
قال حسان:
—دعها تتحدث.
تابعت مريم:
—جدتي كانت تقول لي دائمًا إنني لست مثل بقية أفراد العائلة. كانت تحميني من أشياء لم أفهمها.
ثم أشارت إلى الدفتر الأسود.
—كنت أعتقد أن هذا مجرد دفتر قديم.
فتح حسان الدفتر.
كانت الصفحات مليئة بأسماء وتواريخ وأرقام.
وبينها اسم جعل الجميع يصمت:
ياسر عبد الرحمن.
نظر حسان إلى ياسر.
—اسمك موجود هنا.
قال ياسر:
—كنت صغيرًا وقتها.
—كم كان عمرك؟
—ثمانية عشر عامًا.
قالت مريم:
—إذن كنت تعرف.
لم يجب.
بدأت دموع مريم تنزل.
—كنت تعرف من أنا؟
ظل ياسر صامتًا.
قالت:
—كنت تعرف أنني لست مجرد .
رفع رأسه.
—كنت أعرف جزءًا من الحقيقة.
—وأخفيته عني.
—كنت أحاول حمايتك.
مريم:
—حمايتي؟!
ثم أخذت نفسًا بصعوبة.
—أنت الذي كنت تحاول أخذ طفلي مني!
خفض ياسر رأسه.
هنا تدخلت سعاد.
—مريم، لا تتعبي نفسك.
لكن مريم لم تكن تريد التوقف.
—لماذا؟
نظر إليها ياسر طويلًا.
ثم قال:
—لأنهم قالوا إنهم لم يجب ياسر. قال حسان:
—من هم؟
رفع ياسر عينيه.
—الأشخاص الذين كانوا يديرون المكان.
—أي مكان؟
—هذا الوادي.
نظر الجميع حولهم.
قال ياسر:
—لم يكن عش النمل هو الشيء الوحيد الموجود هنا.
اقترب حسان من الصندوق.
—ماذا تقصد؟
أشار ياسر إلى أسفل الصندوق. وتحتها كلمة واحدة:
“المخزن.”
قال ياسر:
—هناك مبنى قديم تحت الأرض، على بُعد أقل من كيلومتر من هنا.
نظر حسان إلى الخريطة.
—لماذا لم نسمع عنه من قبل؟
أجاب ياسر:
—لأن مدخله مغلق منذ أكثر من عشرين سنة.
ثم نظر إلى مريم.
—وجدته جدتك قبل وفاتها.
قالت مريم:
—وماذا يوجد بداخله؟
لم يجب.
فجأة جاء صوت من كان أحد أفراد الإنقاذ يركض نحوهم.
—وجدنا شيئًا في الجهة الشمالية.
قال حسان:
—ماذا؟ تبادل حسان وياسر النظرات. قالت سعاد:
—هل هي سيارة جدتها؟
لم يجب أحد.
ركض حسان مع أفراد تطابقت مع الرقم الموجود في دفتر فاطمة.
اقترب حسان من الباب.
فتحه بصعوبة.
وفي المقعد الخلفي وجد صندوقًا صغيرًا.
فتحه.
كان بداخله هاتف قديم.
قال أحد رجال : بتاريخ يعود إلى واحد وعشرين عامًا.
شغله حسان. كانت تبكي.
ثم قالت:
—إذا حدث لي شيء، ابحثوا عن ابنتي.
تجمدت مريم.
كانت المرأة تشبهها بشكل مذهل.
ثم قالت المرأة:
—اسمها مريم.
وضعت مريم يدها على فمها.
كانت تلك أول مرة ترى فيها وجه أمها.
لكن التسجيل لم ينتهِ.
اقتربت المرأة من الكاميرا وهمست:
—والرجل الذي يجب ألا تثقوا به هو…
توقفت الصورة فجأة.
وانطفأت الشاشة.
نظر الجميع إلى ياسر. لكنه لم يكن ينظر إليهم. كان ينظر إلى شيء خلفهم. وقال: —أخيرًا وجدتك يا ابنة ليلى. مريم. لأن اسم أمها لم يكن يعرفه سوى عدد قليل جدًا من الأشخاص. وفي تلك اللحظة، أدرك حسان أن القصة أكبر بكثير
وأن النمل الذي أنقذ مريم لم يكن أكثر الأسرار غرابة في تلك الغابة.يتبع…
نكمّل من لحظة ظهور الرجل الغامض أمام مريم.
الجزء الرابع — الرجل الذي يعرف اسم أمها
توقفت سعاد عن التنفس للحظات.
أما حسان، فمد يده ببطء نحو جهاز الاتصال، وأشار إلى رجال الشرطة أن يبقوا في أماكنهم.
كان الرجل يقف بين الأشجار دون أن يتحرك.
وجهه كان هادئًا بصورة مخيفة.
قال حسان بصوت مرتفع:
—ارفع يديك وأبقَ مكانك!
رفع الرجل يديه.
—لا أريد إيذاء أحد.
قال حسان:
—إذن أخبرنا من أنت.
ابتسم الرجل ابتسامة قصيرة.
—اسمي كمال ناصر.
تجمدت مريم.
ثم قالت:
—كمال؟
نظر إليها.
—نعم.
—أنت كنت في الصور.
تغيرت ملامح الرجل.
—إذن رأيتِها.
قالت مريم:
—وجدت صورًا لك في أغراض جدتي.
اقترب كمال خطوة.
لكن رجال الشرطة رفعوا أسلحتهم، فتوقف.
—جدتك كانت تحاول حمايتك يا مريم.
قالت:
—من ماذا؟
نظر إلى ياسر.
—منهم.
صرخت مريم:
—من هم؟!
أجاب كمال:
—الأشخاص الذين جعلوا والدتك تختفي.
ساد الصمت.
قال حسان:
—تقول إن ليلى لم تمت؟
نظر كمال إليه.
—لم أقل ذلك. —أين؟
أجاب كمال:
—في هذا المكان.
ثم أشار إلى الجبال.
—لأن بعض رجال الشرطة في ذلك الوقت كانوا يعملون معهم.
نظر حسان إلى ياسر.
فقال ياسر:
—هذا صحيح.
التفت إليه الجميع.
—كنت أعرف أن كمال يقول الحقيقة.
قال حسان:
—إذن لماذا لم تخبر مريم؟
—لأنني كنت أراقبها منذ سنوات.
صرخت مريم:
—كنت تراقبني؟!
—لحمايتك.
—من زوجي؟
هز ياسر رأسه.
—ومن الأشخاص الذين يبحثون عنك.
قالت مريم:
—لكن لماذا يريدونني؟
صمت ياسر.
ثم قال:
—لأنك الوريثة الوحيدة.
سأل حسان:
—وريثة ماذا؟
أجاب كمال:
—شركة.
نظر حسان إليه باستغراب.
—أي شركة؟
قال كمال:
—شركة ضخمة كانت مملوكة لوالد مريم.
تجمدت مريم.
—والدي؟
أومأ كمال.
—والدك لم يكن رجلًا عاديًا.
ثم أضاف:
—كان يمتلك مجموعة من الشركات والمزارع والعقارات. لكن قبل وفاته بفترة قصيرة اكتشف أن أقرب الناس إليه كانوا يسرقون أمواله.
قالت مريم:
—وماذا حدث له؟
—مات في حادث سيارة.
قال حسان:
—حادث؟
نظر كمال إليه.
—هكذا سُجل رسميًا.
ثم صمت.
فهم حسان المعنى.
—لكنك لا تصدق أنه كان حادثًا.
—لم يكن حادثًا.
اقتربت سعاد من مريم.
—لا تتعبي نفسك.
لكن مريم كانت مصممة على معرفة الحقيقة.
—وماذا عن أمي؟
قال كمال:
—كانت تعرف كل شيء.
ثم أخرج من جيبه صورة قديمة.
مدها نحو مريم.
كانت الصورة لامرأة شابة تحمل طفلة صغيرة.
وكانت الطفلة ترتدي سوارًا فضيًا.
نظرت مريم إلى معصمها.
كان هناك سوار مشابه تمامًا.
قالت بصوت مرتجف:
—هذا معي منذ طفولتي.
—لأن أمك وضعته في يدك قبل أن تفترقا.
بدأت مريم تبكي.
ثم قالت:
—أين أمي الآن؟
نظر كمال إليها طويلًا.
—لا أعرف.
—ماذا تعني؟
—بعد أن ساعدتها على الهرب، فقدت أثرها.
ثم أضاف:
—لكنني أعرف شيئًا واحدًا.
—ماذا؟
—أنها تركت لك رسالة.
اقتربت مريم منه.
—أين؟
أشار إلى الصندوق.
—كانت داخل الصندوق.
عاد الجميع إلى الصندوق المعدني.
بدأ حسان يقلب الملفات.
لكن كمال قال:
—ليست في الملفات.
ثم أشار إلى دفتر فاطمة.
—في الصفحة الأخيرة.
فتح حسان الدفتر.
كانت الصفحة الأخيرة فارغة تقريبًا.
إلا من جملة صغيرة:
“عندما تصبح مريم أمًا، ستعرف أين تبحث عن أمها.”
شهقت مريم.
—عندما أصبح أمًا؟
نظر حسان إلى بطنها.
ثم إلى مريم.
فهمت سعاد شيئًا.
—كانت جدتك تعرف أنك ستصلين إلى هنا عندما تكونين حاملًا؟
أومأت مريم ببطء.
—ربما.



