
—أي دفتر؟
ارتبك، ثم قال بسرعة:
—أقصد… دفتر ملاحظاتها القديم.
ابتسمت:
—لا أعرف ماذا تقصد.
اقتربت مريم مني وقالت:
—أبي، أنت تحتاج إلى الراحة. لا تجعل نفسك منشغلًا بأشياء قديمة تخص أمي.
نظرت إليها طويلًا، ثم قلت:
—بالمناسبة، لماذا كنتِ تضحكين عندما رأيتِ الدفتر؟
خفضت عينيها وقالت:
—لأنني كنت أعرف أن أمي لم تكن تملك شيئًا.
—هل كنتِ متأكدة؟
—طبعًا.
—وكيف؟
لم تجب.
تدخل رامي بسرعة:
—حسن، مريم حزينة، وأنت أيضًا. لا داعي لهذه الأسئلة الآن.
ابتسمت:
—معك حق.
ثم صعدت إلى غرفتي، أغلقت الباب، وأخرجت دفتر نادية من جيبي.
هذه المرة فتحته ببطء؛ كانت الصفحات الأولى مليئة بأرقام وتواريخ وأسماء شركات، لكن في الصفحة الأخيرة وجدت شيئًا مختلفًا.
كانت هناك جملة كتبتها نادية بخط يدها:
“إذا كنت تقرأ هذه الكلمات يا حسن، فهذا يعني أنني لم أعد موجودة لأخبرك الحقيقة بنفسي.”
توقفت أنفاسي وتابعت القراءة:
“سامحني لأنني أخفيت عنك بعض الأمور. لم أفعل ذلك طمعًا في المال، بل لأنني كنت أحاول حمايتك.”
ثم وجدت اسمًا جعلني أشعر أن الأرض تحتي تتحرك: رامي.
كتبت نادية: “لا تثق بزوج ابنتنا. لقد بدأ منذ سنوات في البحث عن أموالك، ولم يكن زواجه من مريم صدفة كما كنت تظن.”
وضعت يدي على فمي غير مصدق لما أقرأه، ثم قلبت الصفحة لأجد جملة أخيرة:
“لكن رامي ليس أخطر شخص في هذه القصة… الأخطر هو الشخص الذي سيحاول الوصول إليك بعد وفاتي.”
وفي أسفل الصفحة كتبت نادية اسمًا واحدًا فقط.. اسم أخي الأصغر، سامح.
في تلك اللحظة سمعت طرقًا خفيفًا على باب غرفتي، فأغلقت الدفتر بسرعة وسألت:
—من؟
جاءني صوت مريم:
—أنا يا أبي.
فتحت الباب وكانت تقف ووجهها شاحب، وقالت بصوت منخفض:
—أبي… أريد أن أخبرك بشيء عن رامي. أظن أن أمي كانت تعرف أنه يخدعني منذ سنوات.
ثم بدأت الدموع تنزل من عينيها:
—وأنا… اكتشفت شيئًا اليوم.
—ماذا اكتشفتِ؟
—وجدت في هاتفه رسالة أرسلها قبل وفاة أمي بيوم واحد.
—ماذا كانت تقول؟
أخرجت هاتفها وفتحت الرسالة، فقرأتها وكانت عبارة قصيرة: “بعد رحيلها، كل شيء سيكون لنا.”
رفع عيني إليها:
—هل تعرفين لمن أرسلها؟
هزت رأسها وقالت:
—أرسلها إلى خالي سامح.
في تلك اللحظة أدركت أن الأمر لم يعد مجرد حساب سري، بل كان هناك تحالف كامل داخل عائلتي، وأن نادية ربما كانت تعرف كل شيء قبل وفاتها وتترك لي الأدلة واحدًا تلو الآخر.
وفي صباح اليوم التالي، وصلتني رسالة من البنك:
“السيد حسن، نرجو حضوركم فورًا. حدثت محاولة جديدة للوصول إلى الحساب.”
لكن هذه المرة… لم تكن المحاولة من رامي، بل كان اسم الشخص الذي حاول الدخول إلى الحساب هو مريم، ابنتي نفسها.
الجزء الثالث
حدقت في الرسالة طويلًا. مريم حاولت الدخول إلى الحساب!
كانت ابنتي الوحيدة هي نفسها التي بدأت الآن تبحث عن المال الذي أخفته والدتها.
ارتديت ملابسي وغادرت المنزل دون أن أخبر أحدًا، وعندما وصلت إلى البنك كان يوسف ينتظرني، فأغلق باب مكتبه وقال:
—حسن، علينا أن نتحدث بعيدًا عن أي شخص آخر.
—قل لي ماذا حدث.
فتح ملفًا على جهاز الكمبيوتر وقال:
—الساعة الثانية وسبع عشرة دقيقة فجرًا، حاول شخص استخدام بيانات قديمة مرتبطة بالحساب.
—وكانت مريم؟
—الاسم المستخدم للوصول كان اسمها، نعم.
شعرت بصدمة جديدة:
—هل يمكن أن يكون شخص آخر استخدم بياناتها؟
—هذا احتمال وارد، لكن هناك أمرًا أخطر.
أدار الشاشة نحوي وأضاف:
—الشخص الذي حاول الدخول لم يكن يبحث عن الرصيد فقط. كان يبحث عن ملف إلكتروني محدد اسمه “الأمانة”.
—وما هذا الملف؟
هز يوسف رأسه:
—لا أعرف، لكنه مرتبط بالحساب منذ أكثر من عشرين عامًا.
—هل تستطيع فتحه؟
—ليس من خلال النظام المصرفي العادي.
ثم أخرج ظرفًا بنيًا قديمًا وقال:
—هذا وصل إلى البنك قبل أسبوع من وفاة نادية، واسمي كان مكتوبًا عليه بخط زوجتي: “إلى حسن… لا يُفتح إلا بعد وفاتي.”
قال يوسف:
—هناك تعليمات من نادية بأن يُفتح بحضورك فقط، ومع وجود شاهد من البنك.
—افتحه.
فتحه يوسف، وفي داخله كانت ثلاثة أشياء: مفتاح صغير، صورة قديمة، ورسالة من صفحتين.
أمسكت بالصورة أولًا؛ كانت نادية تقف أمام مبنى قديم وإلى جوارها رجل لم أره من قبل، وخلف الصورة تاريخ يعود لأكثر من عشرين عامًا.
سألني يوسف:
—هل تعرف الرجل؟
حدقت في وجهه وقلت:
—لا.
فتحت الرسالة وبدأت أقرأ:
“حسن، إذا وصلت إليك هذه الرسالة، فاعلم أنني لم أخفِ المال عنك لأنني لم أثق بك. أخفيته لأنني كنت أعرف أن هناك من سيحاول استخدام اسمك للوصول إلى كل ما بنيته.”
وتابعت القراءة:
“قبل زواج مريم من رامي، اكتشفت أن عائلته مرتبطة بمجموعة من الأشخاص الذين كانوا يبحثون عن مستثمرين أثرياء يمكن السيطرة عليهم. لم أكن أملك دليلًا كافيًا، وأنشأت حسابًا مستقلًا أودعت فيه أموالًا من مشروع قديم أنقذته قبل سنوات من الإفلاس.”
ثم كتبت:
“أما المفتاح، فهو لا يفتح صندوقًا في البنك، إنه يفتح خزانة في مكتبة نادية القديمة في وسط القاهرة.”
قال يوسف:
—هل تريد أن نذهب إلى هناك؟
—ليس الآن.
—لماذا؟




