روايات وقصص

القصة كاملة للنهاية بقلم محمد عبده

“هل تعرفين الاسم؟”
هززت رأسي.
“نعم.”
سأل:
“من هو؟”
قلت:
“كان زميلًا لي في الجامعة.”
نظر يوسف إليّ.
“أنتِ تعرفينه.”
قلت:
“كنت أعرفه منذ سنوات، لكن علاقتنا انتهت قبل أن ألتقي بك.”
قالت والدة يوسف:
“هذا ما اعتقدناه أيضًا.”
ثم أضافت:
“لكن هناك مشكلة.”
نظرت إليها.
“ما المشكلة؟”
قالت:
“الرجل الذي ظهر اسمه في الفحص توفي قبل سنوات.”
شعرت بالذهول.
“ماذا؟”
أجاب سامح:
“وهنا تبدأ القضية الحقيقية.”
ثم أخرج ملفًا آخر.
“نتيجة الفحص التي بحوزتنا لا تتطابق مع النسخة التي وجدناها في منزل يوسف.”
قلت:
“ماذا تقصد؟”
قال:
“إحدى النتيجتين مزورة.”
نظرت إلى يوسف.
كان واقفًا بلا حركة.
ثم قال سامح:
“ولدينا دليل على أن شخصًا ما حاول تغيير نتيجة الفحص.”
سألته:
“من؟”
أشار إلى الأوراق.
“مروان.”
شعرت أن كل الخيوط بدأت تتجمع.
مروان كان يدخل غرفة التخزين.
مروان ظهر بالقرب من الحظيرة.
مروان كان يملك مستندات سرية.
ومروان هو الذي ترك الظرف.
لكن لماذا؟
فجأة رن هاتف سامح.
نظر إلى الشاشة.
ثم أجاب.
ظل صامتًا لعدة ثوانٍ.
وبعدها قال:
“أين وجدتموه؟”
تغير وجهه.
أنهى المكالمة، ثم نظر إليّ.
“وجدنا مروان.”
قلت:
“أين؟”
أجاب:
“في منزل مهجور على أطراف البلدة.”
ثم أضاف:
“وكان معه شخص آخر.”
سألته:
“من؟”
نظر إلى يوسف.
ثم قال:
“نادين.”
اتسعت عينا يوسف.
لكن سامح لم ينتهِ.
قال:
“والأغرب من ذلك أن نادين أخبرتنا أن مروان لم يكن يعمل لصالح يوسف.”
سألت:
“إذن لصالح من؟”
نظر سامح إلى والدة يوسف.
ثم قال:
“لصالح شخص داخل عائلة زوجك.”
ساد الصمت.
نظرت إلى الجميع.
ثم قلت:
“من؟”
لكن قبل أن يجيب، أشار سامح إلى والد يوسف.
“إنه هو.”
رفع والد يوسف رأسه بصدمة.
“هذا كذب!”
قال سامح:
“لدينا تسجيلات وتحويلات مالية.”
ثم أضاف:
“لكننا لم نصل إلى السبب الحقيقي بعد.”
نظر إلى والد يوسف.
“لماذا كنت تريد إخفاء هوية والد الطفلة؟”
ظل الرجل صامتًا.
ثم قال جملة جعلت الجميع يتجمد:
“لأن والدها الحقيقي لم يمت.”
نظرت إلى سامح.
ثم إلى يوسف.
وسألت:
“من هو؟”
لكن والد يوسف كان قد بدأ يبتسم ابتسامة غريبة.
وقال:
“إنه الرجل الذي كانت تظنه سلمى ميتًا منذ سنوات.”
وفي تلك اللحظة، وصل إلى هاتفي إشعار من رقم مجهول.
فتحت الرسالة.
كانت تحتوي على صورة واحدة فقط.
صورة لرجل يقف أمام بوابة المزرعة.
وتحت الصورة كُتب:
“إذا أردتِ معرفة الحقيقة، تعالي وحدكِ.”
حدقت في الصورة طويلًا.
كان الرجل واقفًا أمام بوابة المزرعة، وملامحه لم تكن واضحة تمامًا، لكنني كنت أعرفه.
كنت أعرف تلك الملامح.
ذلك الرجل الذي قيل لي منذ سنوات إنه مات.
رامي.
الحب الأول في حياتي.
والرجل الذي لم أتوقع أن أراه مرة أخرى.
قلت:
“هذا مستحيل.”
اقترب سامح مني.
“هل تعرفينه؟”
أومأت.
“كان من المفترض أن يكون ميتًا.”
قال سامح:
“هذا ما اكتشفناه اليوم.”
ثم نظر إلى والد يوسف.
“أنت كنت تعرف أنه حي.”
لم يرد.
أما يوسف فقال:
“أبي، ماذا فعلت؟”
ظل والده صامتًا للحظات، ثم قال:
“كنت أحاول حماية العائلة.”
صرخت:
“من ماذا؟”
قال:
“من الحقيقة.”
أجاب سامح:
“الحقيقة لا تختفي بتزوير الأوراق.”
ثم أخبرنا أن رامي لم يمت في الحادث الذي أُبلغت عنه عائلته قبل سنوات، وأن والد يوسف استخدم نفوذه لإخفاء الأمر بعد أن عرف أن رامي هو الوريث الحقيقي لبعض الممتلكات التي كانت العائلة تحاول السيطرة عليها.
أما نادين، فقد اكتشفت التحويلات والوثائق، وعندما حاولت مواجهة يوسف، بدأ يهددها بإبعادها عن كل شيء.
لكن الحقيقة الأكبر كانت أن رامي عاد إلى المدينة منذ أشهر.
وكان يعرف أنني تزوجت يوسف وأن لدي طفلة.
والأهم…
كان يعرف أن الطفلة ابنته.
نظرت إلى يوسف.
“هل كنت تعرف؟”
خفض رأسه.
قلت:
“هل كنت تعرف أن رامي هو والد ابنتي؟”
قال بصوت منخفض:
“عرفت بعد ولادتها.”
شعرت بغضب شديد.
“ولهذا أجريت الفحص؟”
أومأ.
“نعم.”
“ثم ماذا فعلت؟”
قال:
“حاولت أن أتأكد من النتيجة.”
قلت:
“ولماذا أخفيت الأمر؟”
لم يجب.
كانت والدته هي التي قالت:
“لأنه كان يخشى أن تخسركِ.”
ضحكت بحزن.
“لقد خسرتني بالفعل.”
ثم نظرت إلى ابنتي.
“والأسوأ أنك عرّضت طفلتك للخطر من أجل سر كنت تخفيه.”
خفض يوسف رأسه.
في تلك اللحظة وصل صوت سيارة إلى البوابة.
نظر سامح إلى أحد رجاله.
ثم قال:
“وصل.”
التفتُّ.
نزل رجل من السيارة.
كان أكبر سنًا مما أتذكر، لكنني عرفته فورًا.
رامي.
توقفت أنفاسي.
اقترب ببطء.
نظر إليّ أولًا، ثم إلى الطفلة بين ذراعي.
لم يتكلم.
كانت عيناه ممتلئتين بالدموع.
قال أخيرًا:
“سلمى.”
لم أستطع الرد.
اقترب خطوة أخرى.
“كنت أبحث عنك منذ سنوات.”
قلت:
“قيل لي إنك مت.”
قال:
“أعرف.”
ثم نظر إلى ابنتي.
“وعندما عرفت بوجودها، حاولت الوصول إليك.”
سألته:
“لماذا لم تأتِ بنفسك؟”
قال:
“لأن والد يوسف كان يراقبني.”
ثم أضاف:
“كنت أخشى أن يؤذوكما.”
نظر سامح إليه.
“لدينا ما يكفي من الأدلة الآن.”
ثم التفت إلى والد يوسف ويوسف.
“وسيتم التحقيق مع كل من تورط.”
لم يعترض أحد.
بعد ساعات، كانت المزرعة قد أصبحت هادئة تمامًا.
غادر أقارب يوسف، وأصبحت الموائد الفارغة في الفناء شاهدة على اليوم الذي انكشف فيه كل شيء.
جلست في السيارة، وابنتي نائمة في مقعدها.
وقبل أن أغادر، جاء يوسف ووقف بجوار النافذة.
قال:
“أنا آسف.”
نظرت إليه.
“أنا لا أريد اعتذارًا.”
سأل:
“ماذا تريدين؟”
قلت:
“أريد أن تبتعد عن ابنتي حتى ينتهي التحقيق.”
هز رأسه.
ثم قال:
“هل ستعطين رامي فرصة؟”
نظرت إلى الرجل الذي كان يقف بعيدًا.
لم أكن أعرف ماذا سيحدث في المستقبل.
ولم أكن مستعدة لمحو السنوات التي عشتها مع يوسف في لحظة واحدة.
لكنني كنت أعرف شيئًا واحدًا.
ابنتي لم تكن مذنبة بأي شيء.
ولم يكن من حق أحد أن يعاقبها بسبب أسرار الكبار.
وضعت يدي على مقبض السيارة.
وقبل أن أغادر، سمعت والدة يوسف تناديني.
التفتُّ إليها.
قالت:
“سلمى… هناك شيء أخير.”
سألتها:
“ماذا؟”
أخرجت هاتفها.
“وجدت هذا في تسجيلات المزرعة.”
شغلت مقطعًا قصيرًا.
ظهر يوسف وهو يدخل الحظيرة قبل أن يضع ابنتي فيها.
لكن هذه المرة لاحظت شيئًا لم أنتبه إليه من قبل.
كان يتلقى مكالمة هاتفية.
قال للشخص الموجود على الطرف الآخر:
“فعلت ما طلبته.”
ثم سأل:
“هل أنت متأكد أنها لن تعرف؟”
توقفت الصورة.
نظرت إلى والدة يوسف.
“من كان يتحدث إليه؟”
قالت:
“هذا هو السؤال الذي لم نجد له إجابة.”
ثم وصل إشعار جديد إلى هاتفها.
رسالة من رقم مجهول.
فتحتها.
كانت تحتوي على جملة واحدة:
“يوسف لم يكن الشخص الذي أصدر الأمر.”
تبادلنا النظرات.
ثم نظرت إلى ابنتي النائمة.
أدركت أن الحقيقة التي اكتشفتها اليوم لم تكن نهاية القصة…
بل كانت بداية حياة جديدة، خالية من الأكاذيب التي عاش الجميع خلفها لسنوات.
أغلقت باب السيارة، وانطلقت بعيدًا عن المزرعة.
ولأول مرة منذ ولادة ابنتي، شعرت أنها أصبحت آمنة فعلًا.
أما من حاولوا إخفاء الحقيقة، فقد بدأ حسابهم الحقيقي في ذلك اليوم.
تمت
حكايات محمد عبده
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

4 من 4التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى