قصص وروايات

القصة كاملة بقلم محمد عبده

وساعتها…

ابتسم حسن ابتسامة غريبة وقال:

— وأنت كمان اتأخرت… لأن النسخة الأصلية من المستند ده موجودة عند المحامي من أكتر من عشرين سنة.

لكننا ماكناش نعرف إن الرجل الغريب هيقول بعدها اسمًا واحدًا…

اسمًا جعل حسن نفسه يفقد لونه.

لأن الشخص اللي كان واقف قدامنا… ماكانش مجرد شريك لمروان.

كان الشخص الوحيد اللي يعرف الحقيقة الكاملة عن الأرض… وعن سبب إخفاء حسن لها كل هذه السنين.
ظل الرجل واقفًا في منتصف المكتب، ماسك الورقة في إيده، وكأنه متأكد إن الكلمة اللي هيقولها هتغيّر كل حاجة.

حسن بص له بثبات.

— إنت مين؟

الرجل ابتسم ابتسامة باردة.

— اسمي كمال منصور.

أول ما قال الاسم، وش حسن اتغير.

رجع خطوة لورا.

أنا بصيت له باستغراب.

— حسن… إنت تعرفه؟

ما ردش.

كمال ضحك.

— طبعًا يعرفني. إحنا كنا شركاء من زمان.

مروان بص له بسرعة.

— إنت قلتلي إنك ما قابلتش أبويا قبل كده!

كمال لف ناحيته.

— وأنا قلت لك اللي يخليك تثق فيا.

داليا بدأت تتوتر.

— مروان، إحنا لازم نمشي.

لكن جابر وقف عند الباب.

— محدش هيمشي.

كمال بص له.

— وإنت مين؟

جابر رد بهدوء:

— واحد كان بيدور على الحقيقة من قبل ما أنتوا تبدأوا اللعبة دي.

ثم أخرج بطاقته القديمة.

وش كمال اتغير فورًا.

— مستحيل…

جابر قال:

— أيوه. أنا نفس الشخص اللي حقق في قضية اختفاء مستندات شركة الاستثمار من عشرين سنة.

سكت الجميع.

أنا بصيت لحسن.

— مستندات إيه؟

حسن أخد نفسًا عميقًا.

— كنت أتمنى عمرك ما تعرفي الحقيقة دي.

— لا… دلوقتي لازم أعرف.

قعد حسن على الكرسي، وبص لي بعينين مليانين ندم.

— الأرض اللي اشتريناها من عشرين سنة ما كانتش مجرد أرض.

— أمال كانت إيه؟

— كانت جزء من مشروع كبير جدًا.

كمال قاطعه:

— مشروع كان المفروض يغيّر شكل المنطقة كلها.

جابر قال:

— لكن المشروع اتوقف بسبب مخالفات مالية.

حسن هز رأسه.

— وقتها كان فيه مستثمرين كبار حطوا فلوسهم في المشروع. لكن قبل الإعلان الرسمي، اكتشفنا إن جزء من الأموال اتسرق.

بصيت له.

— وإنت كنت واحد منهم؟

— لأ.

— أمال إيه علاقتك؟

حسن سكت لحظة.

ثم قال:

— كنت المحاسب اللي اكتشف السرقة.

ساد الصمت.

أنا ما كنتش مصدقة.

— يعني طول السنين دي كنت مخبي عليا؟

— كنت بحاول أحميكي.

كمال ضحك بسخرية.

— هو مش بيحميك. هو كان خايف.

حسن قام فجأة.

— اسكت!

كمال ابتسم.

— خايف من اللي حصل لأبوك.

اتجمد حسن.

أنا قربت منه.

— إيه اللي حصل لأبوك؟

ما ردش.

كمال هو اللي جاوب.

— والد حسن كان هو المسؤول عن كشف الحسابات المزورة.

ثم أخرج صورة قديمة من حقيبته.

ووضعها على المكتب.

أنا مسكت الصورة.

كان فيها رجل واقف جنب مجموعة أشخاص.

وبينهم شاب صغير…

كان حسن.

قلت:

— ده أبوك؟

هز رأسه.

كمال قال:

— والد حسن اختفى بعدها بأيام.

جابر صحح له:

— مش اختفى.

كمال سكت.

جابر أكمل:

— اتقتل.

شهقت.

حسن أغمض عينيه.

— كنت عندي تسعتاشر سنة.

صوتي خرج بصعوبة:

— وإنت عرفت مين قتله؟

حسن فتح عينيه.

— كنت شاكك… لكن ماكانش عندي دليل.

كمال ابتسم.

— لكن دلوقتي عندك.

وأخرج من جيبه فلاشة صغيرة.

حطها على المكتب.

— التسجيل ده موجود من عشرين سنة.

جابر قرب بسرعة.

— إنت كنت محتفظ بيه كل المدة دي؟

— لأن الشخص اللي في التسجيل كان أقوى مني.

سألته:

— مين؟

كمال بص ناحية مروان.

— الشخص اللي موّل محاولة قتل أبوك وأمه.

مروان رجع للخلف.

— إنت بتتهمني؟

كمال ضحك.

— لأ.

ثم بص لحسن.

— أنا بتكلم عن عمك فؤاد.

حسن اتجمد.

— عمي مات من خمسة عشر سنة.

— مات… لكن قبل ما يموت نقل كل أمواله لشخص واحد.

حسن سأل:

— مين؟

كمال أشار ناحية مروان.

أنا بصيت لابني.

مروان بدأ يهز رأسه.

— لا… لا، أنا ما كنتش أعرف.

داليا صرخت:

— مروان، متصدقوش الكلام ده!

جابر قال:

— للأسف، إحنا مش محتاجين نصدقه.

وأخرج ملفًا آخر.

— لأن التحويلات البنكية بتقول إن مروان استلم خلال آخر عامين مبالغ ضخمة من شركة مرتبطة باسم عمك فؤاد.

مروان قرب منه.

— مستحيل!

جابر فتح أول صفحة.

— هنا توقيعك.

ثم الصفحة الثانية.

— وهنا رقم حسابك.

ثم الثالثة.

— وهنا تحويل بمبلغ خمسة عشر مليون جنيه.

مروان بدأ يتعرق.

داليا بصت له.

— إنت كنت بتاخد فلوس منهم؟

— ماكنتش أعرف مصدرها!

— لكنك كنت بتاخدها؟

ما ردش.

داليا بدأت تفهم حجم الكارثة.

— عشان كده كنت عايز تموتهم؟

مروان انفجر:

— أنا ماكنتش عايز أقتلهم!

بصينا له جميعًا.

سكت.

ثم قال بصوت منخفض:

— أنا كنت عايز الورق بس.

حسن رد:

— والوقعة من فوق الجبل؟

مروان ما ردش.

قلت وأنا بحاول أتمالك نفسي:

— كنت ابننا يا مروان.

رفع عينيه ليا.

— عارف.

— كنا بنثق فيك.

— عارف.

— طب ليه؟

بدأ يبكي.

لكن دموعه ماحركتش حاجة جوايا.

قال:

— كنت غرقان في الديون.

كمال ضحك.

— دي مش الحقيقة كلها.

مروان بص له بخوف.

كمال اقترب منه.

— قول لهم.

— أقول إيه؟

— قول لهم ليه كنت محتاج مئتي مليون جنيه.

مروان سكت.

داليا بصت له.

— مئتي مليون؟!

كمال قال:

— لأن مروان ماكانش مديون للبنوك بس.

ثم أضاف:

— كان مديون لجماعة مش هتسيبه يعيش لو ما دفعش لهم.

جابر سأله:

— مين؟

كمال لم يرد.

وفجأة…

رن هاتف مروان.

بص للشاشة.

وشه شحب.

رفض المكالمة.

لكن بعدها بثواني وصلت له رسالة.

قرأها.

وسقط الهاتف من إيده.

حسن سأله:

— إيه اللي حصل؟

مروان ما ردش.

جابر التقط الهاتف.

قرأ الرسالة.

ثم بص لنا.

— بيقولوا له: «لو المستندات ماوصلتش قبل الفجر، المرة الجاية مش هتكون مجرد حادثة.»

سكت الجميع.

ثم سمعنا صوت سيارة من خارج البيت.

جابر قرب من الشباك.

— في عربية وقفت بره.

حسن قال:

— كام عربية؟

جابر بص مرة ثانية.

— تلاتة.

كمال بدأ يرتبك.

— لازم نخرج من الباب الخلفي.

حسن هز رأسه.

— لأ.

— ليه؟

حسن ابتسم لأول مرة.

— لأنهم دخلوا لعبتهم متأخر.

ثم أخرج هاتفه.

وضغط على زر واحد.

وفجأة…

اشتغلت شاشات التلفزيون في الصالة.

ظهر عليها تسجيل واضح.

كان مروان وداليا وهما بيتكلموا فوق الجبل قبل ما يرمونا.

صوت مروان كان واضحًا:

«هنقول إنهم وقعوا وهم بيصوروا.»

داليا:

«والفلوس كلها هتبقى بتاعتنا.»

مروان شهق.

— إنت سجلت ده؟

حسن رد:

— أيوه.

ثم نظر إلى جابر.

— ونسخة منه اتبعتت للمحامي والنيابة قبل ما نرجع البيت.

مروان انهار على الكرسي.

لكن كمال كان واقفًا في مكانه، ساكت.

بصيت له.

— إنت كنت عارف كل ده؟

كمال ابتسم.

— أنا كنت مستني اللحظة دي من عشرين سنة.

وقبل ما نسأله…

سمعنا طرقًا عنيفًا على الباب.

مرة.

مرتين.

ثم صوت رجل من الخارج:

— افتحوا الباب!

جابر أخرج سلاحه.

حسن مسك إيدي.

ومروان بدأ يصرخ:

— دول جايين يقتلوني!

نظرت له لأول مرة دون أي شعور بالشفقة.

وقلت:

— دلوقتي عرفت إحساسنا وإحنا واقعين تحت الجبل.

لكن قبل ما الباب يتفتح…

كمال اقترب مني وهمس:

— في حاجة واحدة لسه ما تعرفيهاش يا مدام نادية…

— إيه؟

نظر إلى حسن.

— زوجك نفسه ما قالكش الحقيقة كاملة عن الأرض.

حسن رفع عينيه إليه.

— كمال… ماتفتحش الموضوع ده.

كمال ابتسم.

— خلاص، فات الأوان.

ثم قال الجملة التي جعلتني أشعر أن الأرض اختفت من تحت قدمي:

— الأرض دي مش قيمتها مئتي مليون جنيه… قيمتها الحقيقية أكبر من مليار جنيه.

ثم أضاف:

— والشخص اللي هيورثها بعد حسن… مش مروان.
ساد الصمت في المكتب.

كنت ببص لحسن، وبعدها لكمال، وبعدين لمروان اللي كان واقف مش فاهم حاجة.

قلت بصوت مرتعش:

— يعني إيه مش مروان؟ مين اللي هيرث الأرض؟

كمال ما ردش.

حسن هو اللي اتكلم:

— نادية… اقعدي.

— مش هقعد قبل ما أفهم.

حسن بص في الأرض.

— الأرض دي ما بقتش ملكي لوحدي من زمان.

— أمال ملك مين؟

— ملكنا إحنا الاتنين.

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى