قصص وروايات

القصة كاملة للنهاية بقلم محمد عبده

لكن نوال فجأة مسحت دموعها وقالت:

— أنا همشي.

واتجهت ناحية الباب.

مريم جريت وراها.

— استني!

لكن ياسر وقفها.

— سيبيها.

نوال خرجت من الشقة وأغلقت الباب خلفها.

فضل ياسر واقف مكانه للحظات.

ثم قال:

— أنا آسف.

مريم بصت له.

— إنت مالكش ذنب.

— لأ… أنا كان لازم آخد كلامك بجد من زمان.

جلس على الكرسي وحط إيده على رأسه.

— أنا كنت فاكر إن أمي بس بتتدخل زيادة.

مريم قربت منه.

— يمكن لسه في تفسير تاني.

رفع عينيه.

— الرسالة مش تفسير.

وفي اللحظة دي، وصل إشعار جديد على موبايل ياسر.

كانت رسالة من رقم غير مسجل.

فتحها.

وكان محتواها قصيرًا:

«لو عايز تعرف الحقيقة عن حمل مراتك، دور في صندوق أمانات والدتك.»

ياسر قرأ الرسالة أكثر من مرة.

مريم سألته:

— مين؟

ناولها الموبايل.

قرأت الرسالة.

— صندوق أمانات؟

— أمي عندها صندوق في البنك فعلًا.

مريم اتوترت.

— وإنت تعرف عنه؟

— من زمان. جدي كان سايب لها صندوق، وبعد وفاته هي نقلته لبنك تاني.

سكت قليلًا.

ثم قال:

— بس مين بعت الرسالة دي؟

وقبل ما يرد، وصل إشعار آخر.

«ما تثقش في أي ورقة هتلاقيها في البيت. المفتاح الحقيقي مش عند نوال.»

مريم شعرت بقشعريرة.

— ياسر… هو إيه اللي بيحصل؟

ياسر وقف.

— أنا مش عارف.

ثم أمسك مفاتيحه.

— بس هعرف.

—

في نفس الوقت، كانت نوال قاعدة في عربيتها في شارع جانبي بعيد عن البيت.

إيدها كانت بتترعش وهي بتتصل بشخص مجهول.

أول ما رد، قالت:

— هي عرفت.

جاءها صوت رجل من الطرف الآخر:

— إزاي؟

— الست اللي في السوق حذرتها.

ساد الصمت.

ثم قال الرجل:

— قلت لك من الأول، ما تتصرفيش بنفسك.

نوال ردت بانفعال:

— ما كنتش أعرف إنها هتكون هناك!

— وهل شربت؟

نوال سكتت.

— سألتك… شربت؟

— لأ.

الرجل أخذ نفسًا طويلًا.

— يبقى عندنا مشكلة.

— إنت قلت لي إن الموضوع هيخلص بسرعة.

— كان هيخلص لو التزمتي بالتعليمات.

نوال بدأت تبكي.

— أنا كنت عايزة أحمي ابني.

الصوت رد ببرود:

— إنتِ مش بتحمي ابنك يا نوال.

ثم أغلق المكالمة.

نوال بصت للموبايل وهي مرعوبة.

وبعد ثوانٍ، وصلتها رسالة:

«لو ياسر وصل للصندوق… كل شيء هينكشف.»

—

في اليوم التالي، ذهبت مريم إلى السوق في الموعد الذي حددته فاطمة.

كانت الساعة عشرة إلا خمس دقائق.

وجدتها واقفة أمام محل صغير مليء بالأعشاب والتوابل.

أول ما شافتها فاطمة، قالت:

— حصل اللي كنت خايفة منه؟

مريم ردت:

— حصل أكتر مما توقعت.

فاطمة أغلقت باب المحل.

— طيب، اسمعيني كويس.

— مين نوال؟

فاطمة تنهدت.

— نوال مش هي صاحبة الحكاية كلها.

مريم اتفاجئت.

— يعني إيه؟

— من حوالي شهرين، جت لي وسألتني عن نوع معين من الأعشاب.

— ليه؟

— قالت إن واحدة قريبتها محتاجة حاجة تساعدها على تنظيم جسمها.

مريم سكتت.

فاطمة كملت:

— لكن بعد كده، سألتني عن حاجة تانية.

— إيه؟

فاطمة اقتربت منها وقالت بصوت منخفض:

— سألتني عن أعشاب ممكن تسبب مشكلة في بداية الحمل.

مريم شعرت أن الأرض اهتزت تحت قدميها.

— وإنتِ بعتيلها حاجة؟

— مستحيل.

ثم أضافت:

— أنا رفضت أبيع لها أي شيء، وقلت لها إني مش هشارك في حاجة ممكن تأذي إنسانة.

مريم سألت:

— طيب إيه اللي حصل بعدها؟

— بعدها بأسبوع، رجعت واحدة تانية واشترت مني أعشاب عادية.

— مين؟

فاطمة أخرجت دفترًا قديمًا من درج المحل.

— واحدة اسمها هدى.

مريم عقدت حاجبيها.

— هدى مين؟

فاطمة هزت رأسها.

— معرفش. لكن عندي رقمها.

أخرجت هاتفها.

وفي اللحظة التي كانت ستعرض الرقم على مريم…

سمعتا صوت شيء يسقط خلف الباب.

اتجمدتا.

مريم همست:

— في حد بره؟

فاطمة أشارت لها أن تسكت.

اقتربت من الباب ببطء.

ثم فتحته فجأة.

لكن الشارع كان شبه خالٍ.

فقط…

كان هناك هاتف صغير على الأرض.

مريم انحنت والتقطته.

الشاشة كانت مفتوحة على محادثة.

وفي أعلى المحادثة ظهر اسم واحد:

«نوال»

مريم نظرت إلى فاطمة.

— ده موبايل مين؟

فاطمة لم تستطع الإجابة.

وفي نفس اللحظة، وصل إشعار جديد على الهاتف.

«قولي لها الحقيقة قبل ما ياسر يفتح الصندوق.»

مريم شعرت ببرودة في أطرافها.

لأن الرسالة التالية ظهرت أمام عينيها مباشرة:

«لو فتح الصندوق، هيعرف إن الطفل اللي في بطنها مرتبط بسر عائلته من عشر سنين.»

مريم رفعت عينيها لفاطمة.

— إيه معنى الكلام ده؟

لكن فاطمة كانت تنظر إليها بصدمة.

وقالت:

— مريم… لازم ترجعي لياسر فورًا.

— ليه؟

فاطمة ردت:

— لأن موضوع الحمل ده… مش هو أصل المشكلة.

— أمال إيه؟

فاطمة ابتلعت ريقها وقالت:

— السر الحقيقي بدأ قبل ما إنتِ وياسر تتجوزوا بسنين.
الجزء الثالث

مريم فضلت واقفة قدام فاطمة، مش قادرة تستوعب آخر جملة قالتها.

— يعني إيه السر بدأ قبل جوازي من ياسر؟

فاطمة قفلت باب المحل كويس، وبصت حواليها قبل ما تتكلم.

— لأن نوال ما كانتش خايفة على نفسها بس… كانت خايفة من حاجة لو ظهرت، ممكن تهد عيلة كاملة.

مريم شدّت على الموبايل اللي لاقته.

— والموبايل ده؟

فاطمة قالت:

— غالبًا صاحبه كان بيتابعنا.

— يعني في حد كان واقف بره؟

— أيوه.

— ومين؟

— مش عارفة.

مريم فتحت المحادثة تاني.

كل الرسائل كانت بين رقم مجهول ونوال.

وفي رسالة قديمة لفتت نظرها:

«الموعد قرب. لازم نتأكد إن مريم ما تكملش الحمل.»

مريم شهقت.

— دي كانت بتتكلم عني!

فاطمة مسكت إيدها.

— اهدي. لسه ما نعرفش الحقيقة كاملة.

لكن مريم كانت عينيها مليانة دموع.

— دي مش مجرد أعشاب يا فاطمة.

— عارفة.

— دي كانت عايزة تمنع حملي.

فاطمة سكتت.

مريم مسحت دموعها وقالت:

— لازم أروح لياسر.

خرجت من المحل بسرعة.

—

في الوقت نفسه، كان ياسر داخل فرع البنك.

كان واقف قدام موظف خدمة العملاء، ومعاه بطاقته وبعض الأوراق القديمة.

— أنا محتاج أعرف إذا كان والدتي عندها صندوق أمانات هنا.

الموظف راجع البيانات.

وبعد دقائق قال:

— بالفعل، فيه صندوق باسم والدتك، لكن حضرتك مش من حقك تفتحه.

— أنا مش عايز أفتحه. عايز أعرف بس إذا كان لسه موجود.

— موجود.

ياسر سكت لحظة.

ثم سأل:

— هل والدتي دخلت عليه مؤخرًا؟

الموظف تردد.

— دي معلومات سرية.

ياسر أخرج هاتفه.

— أنا مش بطلب منك تكسر السرية. بس عندي سبب قوي أخليني أعتقد إن الصندوق مرتبط بخطر على زوجتي.

الموظف ظل صامتًا.

ثم قال:

— لو عندك بلاغ رسمي أو إجراء قانوني، الموضوع يختلف.

ياسر شكره وخرج.

لكن قبل ما يوصل لباب البنك، موبايله رن.

كانت مريم.

رد فورًا:

— إنتِ فين؟

— في الطريق ليك.

— حصل إيه؟

— لقيت موبايل نوال.

ياسر وقف مكانه.

— إيه؟

— مش موبايلها الأساسي. موبايل تاني. عليه رسائل بينها وبين شخص مجهول.

— فين إنتِ؟

— في العربية.

— ما تتحركيش من مكانك. أنا جاي لك.

—

بعد عشرين دقيقة، التقوا.

مريم سلمته الهاتف.

ياسر بدأ يقرأ.

كل ما كان ينزل في الرسائل، وشه كان بيتغير.

كانت هناك عشرات الرسائل.

لكن واحدة منها كانت بتاريخ قبل زواجهم بأربعة أشهر.

«لازم تتأكد إن مريم ما تعرفش أي حاجة عن والدها.»

ياسر رفع رأسه فجأة.

— والدها؟

مريم بصت له.

— إنت تعرف حاجة عن أبويا؟

— لأ.

قلب مريم بدأ يدق بسرعة.

والدها كان متوفى من سنوات.

ومع ذلك، الرسالة كانت واضحة.

كانت هناك رسائل أخرى:

«لو عرفت مين كان موجود يوم الحادث، كل الخطة هتنهار.»

ورسالة بعدها:

«ياسر لازم يفضل فاكر إن اللي حصل زمان كان مجرد حادث.»

مريم حطت إيدها على فمها.

— حادث إيه؟

ياسر كان ساكتًا.

ثم قال:

— أبوكي مات في حادث عربية، صح؟

— أيوه.

— مين قال لك إنه حادث؟

مريم بصت له باستغراب.

— أهلي.

— وأنا سألت أمي مرة عن الموضوع، قالت لي إن الشرطة خلصت التحقيق ومافيش أي شبهة.

مريم بدأت تتنفس بسرعة.

— يعني إنت شايف إن أبويا…

— مش عارف.

وفجأة ظهرت رسالة جديدة.

«ما تفتحش الملفات القديمة قبل ما تتأكد إن مريم حامل فعلًا.»

ياسر تجمد.

— دي كانت مستنية تتأكد إنك حامل.

مريم قالت:

— ليه؟

لم يرد.

ثم فتح رسالة أخرى.

كانت من نفس الرقم.

«الطفل هو الدليل الوحيد اللي ممكن يثبت الحقيقة.»

سقط الهاتف تقريبًا من يد مريم.

— الدليل على إيه؟

قبل أن يجيب، رن الهاتف المجهول.

الاثنان بصوا لبعض.

ياسر ضغط على زر الرد.

— ألو؟

لم يرد أحد.

— مين؟

ثوانٍ من الصمت.

ثم جاء صوت رجل منخفض:

— ابعدوا عن نوال.

ياسر قال:

— إنت مين؟

— الشخص الوحيد اللي بيحاول يحميكم.

— تحمينا من مين؟

الرجل قال:

— من الحقيقة.

ثم أغلق الخط.

—

في المساء، رجع ياسر ومريم إلى البيت.

لكن هذه المرة، لم يشعر أي منهما بالأمان.

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى