
«الأستاذ حسن كتب اسم الشخص ده بنفسه.»
فتح الظرف.
أخرج ورقة.
قرأ الاسم.
وفجأة…
تغير وجه اللواء فؤاد.
مريم قالت:
«إيه؟ مين؟»
لكن أنا كنت شايفة أمي.
كانت تبكي.
ثم قالت جملة واحدة:
«كنت عارفة إنه هييجي يوم وتعرفي.»
بصيت إليها.
«مين؟»
رفعت عيني وقالت:
«أخو أبوكي.»
تجمدت.
«عمي؟»
هزت رأسها.
«أيوه… عمك محمود.»
لكن المحامي قاطعها:
«مش هو الشخص اللي قصده الأستاذ حسن.»
سكت الجميع.
ثم أضاف:
«الشخص اللي كان والدك خايف منه… هو ابن عمك.»
وفي اللحظة نفسها، رن هاتف المحامي.
نظر إلى الشاشة.
ثم رفع عيني نحوي.
وقال:
«هو اتصل دلوقتي… وبيقول إنه واقف قدام البيت.»
سكت الجميع.
ثم أضاف بصوت منخفض:
«وبيطلب يقابل ليلى فورًا.»
نظرت إلى اللواء فؤاد.
ثم إلى أمي.
وأدركت أن الرجل الذي حاول والدي حمايتي منه طوال كل هذه السنوات…
ربما كان أقرب إلينا مما كنت أتخيل.
يتبع…
وقفت مكاني مش قادرة أتكلم.
الرجل اللي بابا كان خايف منه…
واللي قضى سنوات يحاول يحميني منه…
كان واقف دلوقتي قدام بيتنا.
ابن عمي طارق.
قال المحامي:
«هو مصرّ إنه يقابلك لوحدك.»
رد اللواء فؤاد فورًا:
«مستحيل.»
لكن أنا رفعت إيدي.
«خليه يدخل.»
بص لي اللواء فؤاد باستغراب.
قلت:
«أنا قضيت 12 سنة أعيش وسط أكذوبة. مش هقضي دقيقة زيادة وأنا بخاف من الحقيقة.»
بعد دقائق، دخل طارق.
كان هادئًا بشكل غريب.
بص لأمي.
ثم للمحامي.
ثم استقر نظره عليّ.
وقال:
«أبوك كان عارف إن اليوم ده هييجي.»
سألته:
«إنت عايز إيه؟»
قال:
«مش عايز منك حاجة.»
ثم أخرج هاتفه ووضعه على الطاولة.
«أنا جاي أديكي آخر حاجة طلب مني أبوكي أحافظ عليها.»
اللواء فؤاد اقترب منه.
«إيه هي؟»
طارق فتح تسجيلًا صوتيًا.
وفجأة…
سمعنا صوت أبي.
صوت أعرفه جيدًا.
صوت لم أسمعه منذ آخر مكالمة بيننا.
قال:
«ليلى، لو بتسمعي التسجيل ده، يبقى أنا خلاص مش موجود… ومفيش حد يقدر يمنعك من معرفة الحقيقة.»
وضعت يدي على فمي.
أكمل أبي:
«أمك غلطت لما أخفت عنك إصابتك، وغلطت لما خلت الناس تفتكر إنك تخليتي عني. لكن في حاجة لازم تفهميها… هي ما عملتش ده لوحدها.»
نظرت إلى أمي.
كانت تبكي بصمت.
أبي أكمل:
«من سنين، اكتشفت إن في شخص من داخل العيلة كان بيحاول يستولي على أملاك الأسرة، ويستغل توقيعي على أوراق قديمة.»
طارق أغمض عينيه.
واللواء فؤاد قال:
«كمّل التسجيل.»
أبي قال:
«كنت عارف إن وجود ليلى في البيت هيخليها هدف مباشر، عشان كده نقلت جزءًا من الملكية باسمها، من غير ما أعلن الموضوع.»
ثم جاءت الجملة التي هزتني:
«وأمك كانت تعرف.»
نظرت لأمي.
قالت وهي تبكي:
«كنت خايفة عليكي.»
لكن التسجيل استمر.
«هالة ما كانتش شريرة. كانت خايفة. لكن خوفها خلّاها تعمل أخطاء كبيرة.»
ثم سكت أبي لثوانٍ.
وبعدها قال:
«بعد ما سافرتِ للخدمة، بدأت التهديدات توصل للبيت. طلبت من أمك تبلغك وترجعي، لكنها خافت إن رجوعك يعرضك للخطر.»
صرخت:
«طب ليه قالت للناس إني سبتهم؟!»
أمي انهارت.
وقالت:
«عشان كنت خايفة حد يعرف إنك مهمة بالنسبة لنا… كنت فاكرة إن لو الناس صدقت إنك بعيدة عن العيلة، محدش هيحاول يستخدمك ضدنا.»
سكتُّ.
فجأة فهمت جزءًا من الصورة.
سنين كاملة من الكراهية واللوم…
كانت مبنية على خوف.
لكن أبي لم ينتهِ.
قال:
«والسبب الحقيقي اللي خلاني أطلب من اللواء فؤاد يحتفظ بالملف… إن الشخص اللي كان بيحاول يوصل لأملاكنا لم يكن طارق.»
الكل نظر إلى طارق.
هو قال بهدوء:
«أنا كنت بحاول أساعد عمك.»
أبي تابع:
«طارق كان يعمل معي من بعيد، وكان هو الشخص اللي سلّمني الأدلة.»
شهقت.
إذن طارق لم يكن العدو.
كان يساعد أبي.
ثم جاءت المفاجأة الأخيرة.
«الشخص اللي كان بيحاول السيطرة على أملاك الأسرة… هو الشخص اللي كنت أعتبره أخي.»
توقفت الكلمات.
اللواء فؤاد همس:
«محمود…»
عمي.
أخو أبي.
أبي قال:
«محمود كان يملك نسخة من بعض الأوراق القديمة، وحاول استخدامها بعد مرضي لإثبات حق غير موجود.»
ثم أضاف:
«ولو حاول أي شخص بيع البيت أو التصرف فيه بعد وفاتي، فالملف الموجود مع المحامي هو الدليل على الحقيقة.»
انتهى التسجيل.
ساد الصمت.
ثم التفتُّ إلى أمي.
كانت تبكي.
اقتربت مني وقالت:
«أنا آسفة.»
لم أجب.
لأول مرة منذ سنوات، لم أكن غاضبة فقط.
كنت حزينة.
حزينة على أبي.
وعلى الوقت اللي ضاع.
وعلى كل مرة ظننت فيها إنه مات وهو زعلان مني.
مددت يدي وأخذت آخر ورقة من الملف.
كانت وصية أبي.
وفي آخرها كتب:
«ليلى، لو وصلتي لآخر صفحة، ما تنتقميش من أمك. سامحيها لو قدرتي. لكن لا تسمحي للخوف مرة تانية إنه يتحكم في حياتك.»
نزلت دموعي.
لكن قبل ما أقدر أقول أي كلمة…




