روايات وقصص

باقي القصة

— لأ.

سكتت.

— أولادي مش ملك لحد.

محمود كان واقف بعيد.

بص لي.

وبعدين بص لأمه.

وفي اللحظة دي، حصل شيء ماكنتِش متوقعاه.

قال:

— ماما… كفاية.

نوال اتصدمت.

— إنت بتقول لي كفاية؟

قال:

— أيوه.

كانت أول مرة يدافع عني.

لكن الغريب…

إن إحساسي بالانتصار ماكانش موجود.

لأن الدفاع اللي جه بعد أربع سنين من الصمت…

كان متأخر جدًا.

في نفس الليلة، محمود دخل لي وقال:

— أنا عايز أصلح كل حاجة.

بصيت له.

— وأنا؟

— إنتِ أهم حاجة.

سألته:

— طب وداليا؟

— انتهى.

— وماما؟

— هحط حدود.

— وإنت؟

سكت.

قلت:

— المشكلة مش في داليا ولا في نوال.

— أمال فين؟

حطيت إيدي على بطني.

— المشكلة إنك خليتني أربع سنين أحارب لوحدي… ولما ربنا رزقني، افتكرت فجأة إني مهمة.

دموعه نزلت.

لكن أنا ماقدرتش أرجع زي الأول.

لأن بعض الجروح…

حتى لو اتقفلت، بتفضل تعلم في الروح.

وفي اليوم التالي، اتصلت بالمحامية مرة تانية.

وقلت لها:

— عايزة أبدأ إجراءات الانفصال.

ماكانش القرار سهل.

لكنه كان القرار الوحيد اللي حسيت إنه يحمي كرامتي وأولادي.

لكن قبل ما أبدأ الإجراءات، وصلني ظرف مجهول على باب الشقة.

فتحت الظرف.

جواه مجموعة أوراق.

وفي أول ورقة كان فيه اسم محمود.

لكن اللي مكتوب تحت اسمه…

خلاني أحس إن كل اللي عرفته عنه خلال أربع سنين كان مجرد جزء صغير جدًا من الحقيقة.

فتحت الورقة بإيد بتترعش.

في البداية ما فهمتش حاجة.

كان فيه عقد وتحويلات بنكية ومستندات قديمة، وكلها مرتبطة باسم محمود.

لكن بعد ما ركزت، فهمت الحقيقة.

الشقة اللي كنا عايشين فيها ماكانتشي باسم محمود بالكامل زي ما كان بيقول.

كانت جزء من ميراث والدتي، وأنا كنت ساهمت بجزء كبير من تمنها قبل الجواز.

والأهم…

إن محمود كان خلال الشهور الأخيرة بيحاول ينقل ملكية جزء منها لنفسه، مستغلًا أوراق قديمة كنت موقعة عليها من غير ما أعرف الغرض الحقيقي منها.

اتصلت بالمحامية فورًا.

راجعت الأوراق وقالت:

— كويس جدًا إنك احتفظتي بيها. ماتمضيش على أي حاجة جديدة، وماتسيبيش البيت قبل ما نرتب كل حقوقك.

في نفس الليلة، واجهت محمود.

حطيت الأوراق قدامه.

وشه شحب.

— إنتِ جبتي ده منين؟

— مش مهم.

— سلمى، الموضوع مش زي ما إنتِ فاهمة.

قلت بهدوء:

— الجملة دي سمعتها منك كتير.

سكت.

— كنت ناوي تاخد البيت كمان؟

خفض عينيه.

ماجاوبش.

وكان صمته هو الإجابة.

حسيت وقتها إن آخر خيط كان بيربطني بيه انقطع.

قلت:

— أنا كنت فاكرة إن أسوأ حاجة عملتها هي إنك قللت مني.

بصيت له.

— لكن طلعت أسوأ من كده. إنت كنت بتحاول تاخد حقي وأنا مطمنة ليك.

بدأ يعتذر.

قال إنه غلط.

قال إنه كان خايف.

قال إن أمه كانت بتضغط عليه.

وقال إنه ماكانش متخيل إن الأمور هتوصل لكده.

لكن أنا ماعدتش أسمع.

كنت خلصت.

بعد أيام، بدأت الإجراءات القانونية.

نوال حاولت تتدخل.

داليا اختفت تمامًا من الصورة.

ومحمود بدأ يطلب فرصة جديدة.

لكن الفرص مش بتفضل مفتوحة للأبد.

خصوصًا لما الثقة تموت.

مرت الشهور.

وكان حملي بيتقدم بشكل جيد.

كل مرة أروح للدكتور، كنت أفتكر اليوم اللي عرفت فيه إني حامل.

اليوم اللي كنت فاكرة فيه إن الخبر هيصلح جوازي.

لكن الحقيقة كانت العكس.

الحمل ماصلحش الجواز.

هو كشف حقيقته.

وفي الشهر التاسع، دخلت المستشفى.

وبعد ساعات طويلة، سمعت أول بكاء.

وبعده بكاء تاني.

ولد وبنت.

طفلين كنت استنيتهم أربع سنين.

لما الممرضة حطتهم جنبي، عيطت.

لكن المرة دي كانت دموع فرح.

مسكت إيد بنتي الصغيرة.

وبصيت لابني.

وقلت لنفسي:

“مش هخليكم أبدًا تفتكروا إن الحب معناه إن الإنسان يقبل الإهانة.”

محمود جاء المستشفى.

وقف عند الباب.

كان واضح عليه الندم.

قال:

— ممكن أشوفهم؟

بصيت له طويلًا.

وبعدين قلت:

— دول أولادك، ومش هاحرمك منهم طالما بتحترم حقوقهم وحقوقي.

دخل.

قرب منهم.

وحاول يشيل ابنه.

لكن عينيه امتلأت بالدموع.

قال:

— أنا ضيعت كل حاجة.

رديت بهدوء:

— إنت ما ضيعتش كل حاجة.

بص لي.

— إنت ضيعت زوجة كانت مستعدة تستنى معاك أربع سنين… وتحافظ على بيتك حتى وهي مكسورة.

سكت.

— لكن أولادي مش ضاعوا. دول بداية جديدة.

بعد شهور، انتهى الانفصال رسميًا.

احتفظت بحقي وبيتي.

ومحمود بدأ حياة مختلفة بعيدًا عني.

أما أنا…

فغيرت كل حاجة.

دهنت الشقة.

غيرت الأثاث.

وشلت الكوباية القديمة اللي كان فيها التوليب المكسور.

لكن قبل ما أرميها، افتكرت حاجة.

طلعت من درج صغير وردة توليب جديدة.

وحطيتها في نفس المكان.

المرة دي كانت سليمة.

وحطيت جنبها صورة لأولادي.

لأن الوردة القديمة علمتني درسًا عمري ما هنساه:

مش كل حاجة مكسورة لازم نفضل نحتفظ بيها لمجرد إنها كانت يومًا غالية علينا.

وفي يوم عيد الأم اللي بعده، كنت قاعدة في البيت مع ولادي.

ابني كان بيحاول يمشي.

وبنتي كانت بتضحك.

بصيت لهم وابتسمت.

ساعتها فهمت إن محمود لما قال لي:

“أمي تستاهل الأحسن… وإنتِ لسه ماعملتيش حاجة تستاهلي بيها.”

كان غلطان تمامًا.

أنا ماكنتش محتاجة أعمل حاجة علشان أستحق الاحترام.

أنا كنت أستحقه من البداية.

وكنت أستحق الحب من غير شروط.

والأهم…

إني أخيرًا اتعلمت إن أحيانًا خسارة شخص بتحبه مش نهاية حياتك.

أحيانًا…

بتكون بداية الحياة اللي كان لازم تعيشها من زمان.

تمت
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى