
دخل المكتب، وشاف أمه قاعدة قدامي، والمستند مفتوح على الترابيزة.
اتغير لون وشه فورًا.
وبص لها بصدمة، ثم صرخ:
— إنتِ جبتي الورقة دي منين يا أمي؟!
سعاد رفعت رأسها، وردت لأول مرة من غير خوف:
— من المكان اللي إنت كنت فاكر إن محدش هيعرف يوصل له!
أما أنا، ففضلت باصة لمازن، مستنية أسمع تفسيره.
لأن المرة دي، مش هقبل وعودًا ولا اعتذارات من غير حقيقة واضحة.
لكن أول جملة قالها مازن بعد ما شاف المستند، كشفت إن الموضوع المالي كان أخطر بكتير مما تخيلت… وإن سرًّا آخر كان مخفيًا عني، سرًّا ممكن يغيّر قراري في كل ما يخص زواجنا ومستقبل بنتي.
النهاية: «القصر مش ملكك يا مازن… والحقيقة هتخليك تندم على كل اللي عملته!»
وقف مازن في منتصف مكتب المحامية، وعينيه مثبتة على الورقة اللي كانت أمه حطاها فوق الترابيزة.
لأول مرة من يوم ما عرفته، شفت الخوف الحقيقي في عينيه.
مش الغضب اللي كان بيظهره لما أرفض أوافق على طلباته، ولا الغرور اللي كان بيتكلم بيه قدام الناس، ولا الثقة المصطنعة اللي كان بيحاول يقنعني بيها إنه قادر يتحكم في كل حاجة.
كان خايف.
خايف لأن الورقة اللي قدامه كانت ممكن تكشف حاجات حاول يخبيها عني لفترة طويلة.
بص لأمه وقال بعصبية:
— إنتِ إزاي تطلعي الورقة دي من غير ما تقولي لي؟
سعاد رفعت رأسها، وردت بصوت مرتعش لكنه حاسم:
— لأني تعبت من الكذب يا مازن. أنا طول الوقت كنت ببرر تصرفاتك، وأقول لنفسي إنك بتحاول تحافظ على مستقبلك، وإنك مش هتأذي مراتك. لكن لما لقيتك بتمنع تالا من دخول بيتها وهي لسه والدة، فهمت إن الموضوع خرج عن السيطرة.
مازن ضرب بإيده على الترابيزة.
— إنتِ مش فاهمة حاجة!
المحامية نهى تدخلت فورًا:
— أستاذ مازن، من فضلك التزم الهدوء. إحنا هنا عشان نفهم المستندات ونتأكد من صحتها، مش عشان نحول الاجتماع لخلاف عائلي.
مازن تجاهل كلامها، وبص لي مباشرة.
— تالا، إنتِ عارفة إن أمي بتبالغ في كل حاجة. الورقة دي مش معناها اللي إنتِ فاكرة.
بصيت له بهدوء وقلت:
— أنا لسه ما قلتش أنا فاكرة إيه. أنا بس عايزة أفهم ليه اسمك موجود في مستند مالي، وليه فيه مراسلات تخص القصر، وليه محاميتي لقت ورقة عليها اسمي وتوقيع مش مطابق لتوقيعاتي.
اتغيرت ملامحه.
للحظة، حاول يتكلم، لكنه ما عرفش يبدأ منين.
نهى سحبت المستند ناحيتها، وقالت:
— خلينا نمشي خطوة خطوة. أولًا، هنراجع المستندات المالية اللي قدمتها السيدة سعاد، ونتأكد من مصدرها. ثانيًا، هنطلب فحص المستند اللي عليه توقيع موكلتي. وثالثًا، هنحدد إذا كان فيه أي إجراء تم بالفعل بخصوص العقار.
مازن رد بسرعة:
— أنا ما نقلتش ملكية القصر لأي حد!
نهى بصت له وقالت:
— كويس. يبقى مفيش مانع إنك توضح لنا طبيعة المراسلات اللي تخصه.
سكت.
وأنا كنت مستنياه يتكلم.
كنت محتاجة أسمع الحقيقة منه، حتى لو كانت مؤلمة.
بعد لحظات، قعد على الكرسي المقابل ليا، وحط إيديه على وشه.
ثم قال بصوت منخفض:
— أنا كنت مديون.
ما اتحركتش.
ما كنتش عارفة إذا كنت مستغربة من اعترافه، ولا من بساطة الكلمة اللي اختارها عشان يشرح بيها كل اللي حصل.
كمل:
— من حوالي سنة، دخلت في مشروع مع واحد صاحبي. كنت فاكر إنه هيكسبني فلوس كتير، لكن المشروع خسر، وأنا دخلت في التزامات مالية أكبر من قدرتي.
سعاد بصت له بحزن.
— وأنا قلت لك من البداية ما تدخلش في المشروع ده.
مازن تجاهلها، وكمل كلامه وهو بيبص لي:
— في الأول، حاولت أحل الموضوع من فلوسي. بعدين بدأت أستلف، وكل مرة كنت فاكر إني هقدر أعوض الخسارة. لكن الديون زادت، والناس اللي ليها فلوس عندي بدأت تضغط عليَّ.
سألته:
— وإيه علاقة القصر بالموضوع؟
نزل عينيه للأرض.
— كنت عارف إن القصر قيمته كبيرة، وكنت بفكر إننا ممكن نستفيد منه بطريقة ما عشان نحل الأزمة.
حسيت بغصة في حلقي.
— إحنا مين يا مازن؟ القصر بتاعي أنا!
رفع رأسه بسرعة.
— أنا عارف إنه باسمك، لكن إنتِ مراتي، وكنت فاكر إنك ممكن تساعديني لو فهمتي حجم المشكلة.
ضحكت بمرارة.
— تساعدك إزاي؟ بأنك تطلب مني المساعدة وتشرح لي الحقيقة؟ ولا بأنك تخبي عني ديونك، وتتصرف في بيتي من ورايا، وبعدين تقفل الباب في وشي بعد الولادة؟
ما ردش.
كملت:
— لو كنت جيت قلت لي إنك واقع في مشكلة مالية، كان ممكن نتكلم ونشوف إيه الحلول المتاحة. لكن إنت اخترت تخبي، وتضغط عليَّ، وتخليني أحس إن بيتي مش من حقي.
قال بصوت خافت:
— كنت خايف تخسريني احترامك.
هزيت رأسي.
— وإنت شايف إن اللي عملته خلاني أحترمك أكتر؟
الصمت ملأ المكتب.
لكن لسه كان فيه سؤال مهم ما اتجاوبش عليه.
بصيت للورقة اللي قدام نهى، وسألت:
— مين اللي قدم المستند اللي عليه التوقيع المختلف؟
مازن رفع عينيه بسرعة.
— أنا ما زورتش توقيعك!
نهى ردت:
— محدش اتهمك رسميًا بحاجة قبل الفحص. لكن المستند موجود، ولازم نعرف مين أعده، ومين قدمه، وهل التوقيع صحيح أم لا.
مازن بلع ريقه.
ثم قال:
— الورقة دي جابها لي شخص كان بيساعدني في ترتيب أموري المالية. قال لي إنها مجرد مسودة، وإنها مش هتستخدم في أي إجراء رسمي قبل ما نتفق على التفاصيل.
سألته:
— وإنت كنت عارف إن عليها اسمي؟
رد:
— أيوه.
— وكنت عارف إن التوقيع الموجود عليها مش توقيعي؟
سكت لثوانٍ، ثم قال:
— أنا ما كنتش متأكد من مصدر التوقيع.
نهى كتبت ملاحظات، ثم قالت:
— هنحتاج اسم الشخص ده وكل المراسلات اللي بينكم. ومش هنقدر نعتبر تفسيرك كافيًا من غير ما نفحص المستندات.
مازن أومأ برأسه.
في اللحظة دي، أدركت إن الحقيقة بدأت تظهر، لكن ظهورها مش معناه إن كل شيء انتهى.
كان لازم أعرف حجم اللي حصل، وأحمي حقوقي وحقوق بنتي.
بعد الاجتماع، طلبت من نهى تتأكد من كل المستندات المتعلقة بالقصر، وتراجع أي معاملات مالية مرتبطة باسمي.
واتفقنا إن أي تواصل مع مازن بخصوص العقار هيكون عن طريق المكتب القانوني، لحد ما الأمور تتضح.
أما سعاد، ففضلت قاعدة في مكانها بعد ما مازن خرج من الغرفة.
بصت لي وقالت:
— تالا، أنا عارفة إن اعتذاري مش هيغير اللي حصل. أنا كنت غلطانة لما تعاملت مع القصر كأنه من حقي، ولما شجعت مازن إنه يفرض رأيه عليكِ.
فضلت ساكتة.
كملت:
— كنت دايمًا بقول لنفسي إنك بنت كويسة، وإنك هتستحملي عشان البيت يفضل مستقر. لكني نسيت إن الاستقرار مش معناه إن شخص يضحي بكل حقوقه عشان الباقيين يبقوا مرتاحين.
كانت أول مرة أسمعها تعترف بغلطها بالشكل ده.
لكن الاعتذار، مهما كان صادقًا، مش بيمسح كل حاجة حصلت.
قلت لها:
— أنا مقدرة إنك جيتي وقلتي اللي تعرفيه، لكن لازم تفهمي إن اللي حصل مش مجرد خلاف بيني وبين ابنك. أنا كنت لسه خارجة من المستشفى، ومعايا طفلة عمرها أيام، وبدل ما ألاقي جوزي واقف جنبي، لقيته بيمنعني من دخول بيتي.
دموعها نزلت.
— أنا عارفة.
قلت بهدوء:
— أتمنى تكوني فعلًا عرفتي. لأن لو بنتي كبرت، مش عايزاها تتعلم إن الست لازم تسكت عن الإهانة عشان تحافظ على جوازها.
سعاد مسحت دموعها، وهزت رأسها.
ما طلبتش مني أسامحها، وما حاولتش تدافع عن نفسها أكتر.
ويمكن دي كانت أول مرة أشوفها بتتعامل معايا باعتباري إنسانة ليها حقوق وحدود، مش مجرد زوجة ابنها المفروض تتحمل كل حاجة.




