
مرت أيام قليلة، وبدأت نهى تجمع المستندات وتراجع المراسلات مع المختصين.
واتضح من مراجعة الأوراق إن القصر ما زال مسجلًا باسمي وحدي، وإنه لم يتم نقل ملكيته إلى أي شخص آخر.
أما المستند اللي عليه التوقيع المختلف، فكان محتاج فحصًا فنيًا وإجراءات إضافية قبل الوصول إلى نتيجة نهائية بشأن صحته ومصدره.
طلبت نهى من مازن تقديم كل المراسلات المتعلقة به، وتحديد الأشخاص اللي تعامل معاهم في الموضوع.
وبالفعل، قدم بعض المستندات اللي كانت بحوزته، لكن المراجعة القانونية فضلت مستمرة.
في الوقت نفسه، قررت أراجع حساباتي وأملاكي مع مستشار مالي، عشان أتأكد إن مفيش أي التزامات أو معاملات تانية تمت من غير علمي.
ما كنتش عايزة أعيش في خوف أو شك دائم.
كنت عايزة أعرف الحقيقة، وأبني قراراتي عليها.
وفي وسط كل ده، مازن كان بيحاول يتواصل معايا باستمرار.
مرة يبعت رسالة يقول فيها إنه ندمان.
ومرة يتصل ويطلب مني فرصة نتكلم.
ومرة يقول إن المشكلة كلها كانت بسبب الضغط المالي اللي كان واقع فيه.
لكن كل مرة كنت بقرأ رسائله، كنت أفتكر صورتي وأنا واقفة تحت المطر، وبنتي في حضني، وبحاول أفتح باب بيتي بكود اتغير من غير ما أعرف.
وأفتكر إنه في الوقت اللي كنت فيه محتاجة له أكتر من أي وقت، اختار يسيبني لوحدي.
في النهاية، وافقت أقابله مرة أخيرة، في وجود المحامية.
دخل المكتب وهو باين عليه التعب.
ما كانش لابس نفس الملابس الأنيقة اللي كان بيحب يظهر بيها قدام الناس، ولا كان بيتكلم بنفس الثقة المعتادة.
قعد قدامي، وبص لي طويلًا.
ثم قال:
— تالا، أنا آسف.
فضلت ساكتة.
كمل:
— عارف إن كلمة آسف مش كفاية، لكن أنا فعلًا غلطت. كنت مضغوط، وخايف من الديون، وخايف أخسرك، وتصرفت بطريقة أسوأ من كل اللي كنت خايف منه.
قلت له:
— إنت ما خسرتنيش بسبب الديون يا مازن. الفلوس بتروح وبتتجاب، والمشاكل ممكن تتحل. إنت خسرت ثقتي لما اخترت تخبي عني الحقيقة، ولما حاولت تفرض سيطرتك على حاجة مش من حقك.
هز رأسه.
— أنا عارف.
سألته:
— لو كنت أنا اللي مديونة، وكنت مخبية عنك، وبعدها جيت قفلت باب البيت في وشك وإنت لسه خارج من المستشفى، كنت هتقبل اعتذاري؟
ما ردش.
قلت:
— إنت كنت متوقع مني أساعدك في كل حاجة، لكن لما احتجت منك أبسط حقوقي كزوجة وأم، ما لقيتكش.
قال بصوت مكسور:
— أنا بحبك يا تالا.
بصيت له بهدوء.
— يمكن تكون بتحبني بطريقتك، لكن الحب مش كلام بيتقال بعد ما كل حاجة تقع. الحب احترام، وأمان، وصدق، خصوصًا وقت الشدة.
سكت لحظة، ثم سألني:
— يعني مفيش أي فرصة إننا نرجع زي الأول؟
أخدت نفسًا عميقًا.
— أنا مش هقدر أرجع لحياة فقدت فيها الأمان والثقة بالشكل ده. ومش هقدر أتصرف كأن اللي حصل كان مجرد غلطة صغيرة.
نزل عينيه للأرض.
ثم قال:
— أنا مش عايز أخسر بنتي كمان.
رديت بهدوء:
— ليلى بنتك، وحقها إنها يكون ليها أب مسؤول ومهتم. لكن علاقتك بيها لازم تكون في إطار يحافظ على أمانها ومصلحتها، وأي ترتيبات تخصها هتتم بطريقة واضحة وقانونية.
ما طلبتش منه يختفي من حياتها، وما استخدمتش بنتي عشان أعاقبه.
لكن في الوقت نفسه، ما سمحتش له يستخدمها كوسيلة عشان يرجع يتحكم في حياتي.
كان لازم كل حاجة تتحدد بعقل، بعيدًا عن الوعود والضغط العاطفي.
وفي نهاية اللقاء، قلت له:
— أنا مش بتمنى لك الأذى يا مازن، لكن مش هضحي بنفسي وبنتي عشان أحميك من نتائج قراراتك. إنت محتاج تواجه مشاكلك وتتحمل مسؤوليتها، وأنا محتاجة أبدأ حياة أقدر أنام فيها وأنا مطمنة.
خرج مازن من المكتب من غير ما يقول كلمة تانية.
ولأول مرة، ما حسيتش إني محتاجة أجري وراه أو أشرح له ليه قراري صح.
كنت أخيرًا عارفة أنا عايزة إيه.
بعد فترة من المراجعات القانونية، قررت إنهاء زواجنا بالطرق القانونية المناسبة، مع ترتيب الأمور المتعلقة ببنتنا وحقوق كل طرف.
واستمر فحص المستند المختلف في توقيعه، إلى جانب مراجعة أي معاملات مرتبطة بالعقار.
ما استعجلتش في اتهام أي شخص، وما اعتمدتش على كلام أو وعود من غير دليل.
كنت عايزة كل شيء يتحدد على أساس الحقيقة والمستندات.
أما ديون مازن، فاضطر يواجهها بنفسه، ويعيد ترتيب التزاماته المالية بدلًا من الاعتماد على ممتلكاتي.
وبالنسبة للقصر، فضلت ملكيته باسمي، لأن ده كان حقي القانوني من البداية.
لكن حصل شيء ما كنتش متوقعاه.
بعد ما كل الإجراءات الأساسية استقرت، قعدت لوحدي في الصالة الكبيرة، وبصيت حواليَّ.
نفس الجدران.
نفس الشبابيك.
نفس السلم اللي كانت مريم بتحب تغير صوره من غير ما تستأذنني.
كل شيء كان في مكانه، لكن إحساسي بالمكان اتغير.
كنت زمان ببص للقصر وأفتكر النجاح والتعب والسنين اللي قضيتها عشان أملكه.
دلوقتي، بقيت أفتكر اللي حصل عند الباب.
أفتكر المطر.
وأفتكر إحساسي وأنا شايلة بنتي، ومش عارفة أروح فين.
وفهمت إن امتلاك البيت مش معناه إنك لازم تفضلي فيه للأبد.
أحيانًا، الإنسان بيحتاج يسيب مكانًا كان بيحبه، مش لأنه خسر حقه فيه، لكن لأنه اكتشف إنه محتاج بداية جديدة.
بعد تفكير طويل، اتخذت قراري.
قررت أبيع القصر.
مش انتقامًا من مازن، ولا عشان أثبت له إني أقدر أحرمه من حاجة كان بيحلم بيها.
لكن لأنني كنت عايزة أبدأ من جديد، في مكان أصغر، وأهدأ، وأقرب للحياة اللي كنت محتاجاها أنا وليلى.
كلمت نهى، وطلبت منها تبدأ إجراءات البيع، بعد التأكد من سلامة المستندات وإنهاء أي مسائل قانونية معلقة مرتبطة بالعقار.
وجالي عرض مناسب من مشتري جاد.
بعد مراجعة التفاصيل، وافقت على البيع، وتمت الإجراءات من خلال القنوات القانونية.
وبعد ما استلمت مستحقاتي، اشتريت بيتًا جديدًا في منطقة هادئة بالقاهرة.
ما كانش قصرًا ضخمًا، لكنه كان جميلًا ومريحًا، فيه حديقة صغيرة، وشباك كبير بيدخل منه ضوء الشمس، وأوضة جهزتها لبنتي ليلى بكل الحب اللي كنت بحلم أديهولها من أول يوم.
في أول ليلة لينا في البيت الجديد، كنت قاعدة جنب سريرها، بتفرج عليها وهي نايمة.
ابتسمت وأنا بظبط البطانية حوالين جسمها الصغير.
وهمست:
— هنا يا حبيبتي، محدش هيقدر يحسسك إنك غريبة. هنا هنبدأ من جديد، وهنعيش في أمان، وهنتعلم إن الحب الحقيقي عمره ما بيطلب مننا نتنازل عن كرامتنا.




