روايات وقصص

القصة كاملة

كانت طول الوقت فاكرة إنها هتتزوج رجلًا يملك إمبراطورية مالية مستقرة، وإن طلاقه مني مجرد خطوة أخيرة قبل ما يعيشوا مع بعض في رفاهية.

لكنها الآن بدأت تدرك إن الصورة اللي صدقتها ممكن تكون مختلفة تمامًا عن الحقيقة.

أدهم حاول يتكلم:

«أنا قدمت كل المستندات المطلوبة، يا سيادة المستشار.»

فتحت حقيبتي وأخرجت ملفًا أزرق.

قلت بهدوء:

«مع احترامي، يا سيادة المستشار، فيه مستندات إضافية أعتقد إنها ضرورية لتوضيح الصورة كاملة.»

نظر إليّ.

«ما طبيعة المستندات دي؟»

«نسخ من تحويلات مالية، وتقارير محاسبية أولية، ومراسلات داخلية بتوضح إن فيه قرارات مالية اتخذت من غير الإفصاح عنها بالشكل المطلوب. وأنا بطلب فحصها من خلال الجهات المختصة، لأن الموضوع مش مجرد خلاف على ممتلكات زوجية.»

قفز أدهم من مكانه.

«دي أوراق مسروقة! ليلى سرقت مستندات الشركة وبتحاول تدمّر سمعتي!»

بصيت له لأول مرة من بداية الجلسة، وقلت:

«أنا ما سرقتش حاجة يا أدهم. المستندات دي تخص شركة أنا صاحبة حصة فيها، واتجمعت من خلال الإجراءات القانونية. ولو إنت متأكد إن كل معاملاتك سليمة، يبقى المراجعة هتثبت ده.»

ما ردش.

لأن الحقيقة كانت إن جزءًا كبيرًا من المستندات لم يكن في حوزتي وحدي، وبعضها كان موجودًا بالفعل ضمن السجلات الرسمية للشركة.

المستشار طلب من أدهم الجلوس، ثم أعلن أن المحكمة ستراجع المستندات المتعلقة بالملكية والإفصاحات المالية وفق الإجراءات القانونية المناسبة، وأن أي ادعاءات تتعلق بمخالفات مالية تحتاج إلى فحص مستقل قبل إصدار أي استنتاج.

بعدها انتقل إلى ملف الحضانة.

قال بوضوح:

«أما بالنسبة للطفلين، فالمحكمة لن تعتبر الوضع المالي لأي من الطرفين سببًا كافيًا وحده لترجيح كفته. مصلحة الطفلين واستقرارهما النفسي وعلاقتهما بكل من الوالدين هي الأساس.»

أدهم حاول الاعتراض:

«لكن أنا أقدر أوفر لهم أفضل مستوى معيشة! عندي بيت كبير، ومدارس خاصة، وكل الإمكانيات اللي ممكن يحتاجوها.»

رد المستشار:

«توفير الإمكانيات المادية مهم، لكنه مش العامل الوحيد في تحديد الحضانة.»

ثم طلب من موظف المحكمة تدوين أقوال الطفلين، مع مراعاة الإجراءات المناسبة لسنهما وحمايتهما من أي ضغط.

في اللحظة دي، ياسين شد على إيدي.

همس لي:

«ماما، هو هياخدنا منك؟»

انحنيت ناحيته وقلت:

«محدش يقدر يوعدنا بالنتيجة قبل ما المحكمة تقرر يا حبيبي، لكن أنا وأخويا هنفضل نحبكم ونحميكم مهما حصل.»

كان أدهم بيسمعني.

ولما رفعت عيني ناحيته، لقيته باصص لي بغضب شديد.

لكنه ما كانش غضب رجل خايف على ولاده.

كان غضب رجل بدأ يفقد السيطرة على الحكاية اللي رواها للناس لسنوات طويلة.

—

بعد استراحة قصيرة، طلب المستشار حازم الاطلاع على ملف إضافي قدمه محاميّ.

كان الملف يحتوي على مراسلات متبادلة بين أدهم وأحد المديرين الماليين السابقين في الشركة.

لم تكن الرسائل وحدها كافية لإثبات ارتكاب مخالفة، لكنها أثارت تساؤلات جدية عن بعض التحويلات وعن الطريقة التي عُرضت بها البيانات المالية على أصحاب الحصص.

قرأ المستشار جزءًا من المراسلات، ثم توقف عند رسالة مؤرخة قبل رفع دعوى الطلاق بثلاثة أسابيع.

رفع رأسه ببطء.

«أستاذ أدهم، هل تعرف هذه الرسالة؟»

نظر أدهم إلى الشاشة التي عرضت عليها الرسالة، ثم قال:

«دي مراسلة داخلية، ومش فاهم إيه علاقتها بالطلاق.»

أجابه المستشار:

«العلاقة المحتملة هتتحدد بعد فحصها. لكن مضمون الرسالة يثير سؤالًا مهمًا.»

ثم قرأ العبارة الأخيرة المكتوبة فيها:

«يجب إنهاء إجراءات إعادة توزيع الأصول قبل بدء إجراءات الانفصال، حتى لا تصبح الملكية الأصلية محل نزاع.»

ساد صمت ثقيل.

التفت شريف الكيلاني إلى موكله، وبدت الصدمة واضحة في عينيه.

أما رنا، فكانت بتبص لأدهم وكأنها بتشوفه لأول مرة.

همست له:

«إنت قلت لي إن كل حاجة اتعملت بشكل قانوني، وإن مفيش أي مشكلة في الشركة.»

لم يرد عليها.

فقالت بنبرة أكثر ارتباكًا:

«أدهم، إنت قلت لي إنك صاحب كل حاجة!»

صرخ فيها:

«مش وقت الكلام ده!»

لكن صوته العالي ما عادش يخيف حدًا زي الأول.

المستشار أمر بتثبيت الرسالة ضمن المستندات محل الفحص، وأوضح أن المحكمة لن تفترض وجود مخالفة لمجرد ورود عبارة مثيرة للشك، لكنها ستسمح باتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة للتحقق من صحتها وسياقها.

ثم نظر إلى أدهم وقال:

«هناك فرق كبير بين إدارة شركة ناجحة وبين إثبات أن جميع أصولها مملوكة لك وحدك. لا تخلط بين الأمرين.»

شعرت في اللحظة دي إن السنوات اللي قضيتها في الصمت بدأت تنتهي أخيرًا.

لكنني كنت أعرف أن أهم سؤال لم تتم الإجابة عنه بعد.

لماذا كان أدهم مستعدًا لفعل كل شيء، حتى المخاطرة بسمعته ومستقبل شركته، حتى يحصل على حضانة الولدين تحديدًا؟

كان فيه شيء آخر وراء إصراره.

شيء لم أكتشفه إلا لما سليم، ابني الصغير، سحب طرف ملابسي وهمس في أذني:

«ماما، أقول للمستشار على الورقة اللي بابا خبّاها في المكتب؟»

اتجمدت في مكاني.

بصيت له بسرعة وقلت بصوت منخفض:

«أنهي ورقة يا سليم؟»

رد وهو بيحاول يمنع دموعه من النزول:

«الورقة اللي قال عليها إن محدش لازم يعرف إنها موجودة، وإن لو ظهرت، كل حاجة هتضيع منه.»

رفعت عيني ناحية أدهم.

كان واقفًا أمام المنصة يتحدث مع محاميه، لكنه لما لاحظ إن سليم بيهمس لي، توقف فجأة.

ثم نظر إلى ابنه، وملامحه تغيرت بشكل لم أره عليه من قبل.

لم يكن غاضبًا فقط.

كان خائفًا.

خائفًا لدرجة جعلته يترك محاميه ويتجه ناحية سليم، قبل أن يوقفه الحاجب عند حدود المكان المخصص للحضور.

صرخ أدهم:

«سليم! إنت قلت إيه لمامتك؟»

ارتجف ابني، واختبأ خلفي.

وقفت أمامه وقلت بحزم:

«ما تعليش صوتك على ابنك.»

لكن أدهم لم ينظر إليّ حتى.

كان يحدق في سليم، ثم قال بصوت منخفض ومهدد:

«إنت ما تعرفش إنت بتعمل إيه يا ابني.»

عندها تدخل المستشار حازم فورًا، وأمر أدهم بالابتعاد عن الطفل.

ثم التفت إليّ وسأل:

«مدام ليلى، هل هناك مستند آخر تعتقدين أنه قد يكون مهمًا للقضية؟»

نظرت إلى سليم، ثم إلى ياسين، وفهمت أن ولادي كانوا شايلين سرًا أكبر من قدرتهم على الاحتمال.

قلت للمستشار:

«لا أستطيع الجزم بمحتوى الورقة قبل رؤيتها، لكن يبدو أن هناك مستندًا آخر قد يكون ذا صلة. وأطلب إثبات ما ذكره ابني، واتخاذ الإجراءات المناسبة للتحقق من الأمر من دون تعريض الطفلين لأي ضغط.»

هز المستشار رأسه، ثم أعلن رفع الجلسة مؤقتًا لحين مراجعة المستندات واتخاذ القرارات الإجرائية اللازمة.

خرج أدهم من القاعة محاطًا بمحاميه، بينما رنا كانت تمشي خلفه من غير ما تحاول الاقتراب منه.

أما أنا، ففضلت واقفة أمسك إيدي ولادي.

كنت فاكرة إن كشف حقيقة ملكية الشركة هيكون أصعب جزء في المعركة.

لكنني الآن أدركت أن هناك سرًا آخر قد يقلب كل شيء.

سرًا احتفظ به أدهم في مكتبه، وظن أن لا أحد سيعرف بوجوده أبدًا.

وقبل ما نغادر المحكمة، اقترب مني شريف الكيلاني، محامي أدهم، بعدما طلب التحدث معي على انفراد.

كان وجهه متوترًا، وصوته منخفضًا.

قال:

«مدام ليلى، أنا محتاج أقول لك حاجة قبل ما الموضوع يكبر أكثر من كده.»

سألته بحذر:

«خير؟»

نظر خلفه ليتأكد أن أدهم بعيد، ثم قال:

«أنا كنت فاكر إن القضية مجرد طلاق وخلاف على الفلوس. لكن بعد اللي شوفته النهارده، بدأت أشك إن موكلي ما قالش لي الحقيقة كاملة.»

توقف للحظة، ثم أضاف:

«ولو الورقة اللي ابنك بيتكلم عنها هي نفس الورقة اللي أنا شفتها بالصدفة في مكتبه من شهرين، فإحنا مش قدام خلاف عائلي عادي.»

شعرت ببرودة تسري في جسدي.

«إيه اللي كان مكتوب فيها؟»

نظر شريف في عيني مباشرة، وقال:

«اسم الشخص اللي كان أدهم بيحاول ينقل له جزءًا كبيرًا من أصول الشركة… مش اسم شخص غريب. الاسم ده هيفاجئك أكثر من أي حاجة عرفتيها النهارده.»

ثم ابتعد قبل أن يتمكن أحد من رؤيتنا معًا.

وقفت مكاني، أحاول استيعاب كلامه.

مين الشخص اللي كان أدهم بيحاول ينقل له أصول الشركة؟

وليه كان خايف إن سليم يتكلم عن الورقة؟

والأهم من كل ده…

هل كان أدهم بيحاول يسرق حقي أنا وبس، ولا كان بيخطط لشيء أكبر يمس مستقبل ولادي كمان؟

لم أكن أعرف أن الإجابة ستظهر في اليوم التالي، وأن الاسم المكتوب على الورقة سيجعلني أعيد التفكير في كل شخص وثقت به طوال حياتي.

يتبع في الجزء الأخير…
الاسم اللي كان مكتوب في الورقة الأخيرة ماكانش اسم غريب… كان اسم أقرب شخص لقلبي، والشخص اللي عمري ما تخيلت إنه ممكن يكون جزءًا من خطة أدهم!

في صباح اليوم التالي، صحيت من النوم وأنا حاسة إن اليوم ده هيغيّر حياتي إلى الأبد.

ما نمتش تقريبًا طول الليل. كل ما أغمض عيني، أفتكر نظرة الخوف اللي ظهرت على وش أدهم لما سليم ذكر الورقة اللي كان مخبيها في مكتبه.

أنا كنت أعرف أدهم كويس. أو على الأقل، كنت فاكرة إني أعرفه.

عشت معاه اثني عشر عامًا، وشاركت معاه أحلامه، ووقفت جنبه لما شركته كانت مجرد مشروع صغير بيحاول يثبت نفسه في السوق.

لكن الرجل اللي شفته في المحكمة ماكانش نفس الشخص اللي اتجوزته.

اتصل بيا محاميّ، الأستاذ مروان عبد الحميد، في الساعة الثامنة صباحًا.

قال لي:

«مدام ليلى، المحكمة حددت جلسة لاستكمال النظر في الطلبات المقدمة، وفيه تطورات مهمة لازم تعرفيها قبل ما نروح.»

سألته بقلق:

«إيه اللي حصل؟»

رد:

«محامي أدهم تواصل معانا، وطلب تقديم مستندات إضافية تتعلق بملكية الشركة. واضح إن ظهور الأوراق الأصلية خلّى موقف موكله أصعب مما كان متوقعًا.»

سكت لحظة، ثم أضاف:

«وفيه حاجة تانية. المستشار طلب التأكد من سلامة المستندات المالية المتعلقة بالأصول محل النزاع، وكل طرف هيكون له حق الرد وتقديم ما لديه.»

أغلقت المكالمة وأنا أحاول أستوعب ما يحدث.

كنت أعرف أن القضية لم تعد مجرد معركة على الطلاق أو الحضانة.

لقد أصبحت مواجهة بين الحقيقة والصورة التي صنعها أدهم عن نفسه طوال سنوات.

—

المفاجأة الأولى داخل المحكمة

وصلت إلى المحكمة ومعي سليم وياسين، لكن هذه المرة لم أسمح لهما بالدخول إلى القاعة إلا بعد التأكد من أن وجودهما مناسب للإجراءات.

كانا متوترين، فطمأنتهما بأنهما لن يُجبرا على قول أي شيء لا يريدان قوله.

أما أدهم، فكان موجودًا بالفعل.

لكنه لم يعد يبدو كرجل دخل المحكمة ليحتفل بانتصاره.

كانت عيناه مرهقتين، وبدلته التي اعتاد أن يظهر بها في أبهى صورة بدت وكأنها لا تخفي اضطرابه.

رنا الشافعي لم تكن بجواره.

سألت نفسي للحظة إن كانت قد قررت الابتعاد عنه بعدما بدأت صورته الحقيقية تظهر.

لكنني لم أهتم كثيرًا.

لم أعد أريد أن أعرف ما إذا كانت ستتزوجه أم لا.

كل ما أردته هو أن أعرف الحقيقة، وأن أحمي ولديّ من أن يتحولا إلى وسيلة ضغط في خلافات الكبار.

بدأت الجلسة، وطلب المستشار حازم الدسوقي من محامي أدهم توضيح موقف موكله من المستندات الأصلية.

وقف شريف الكيلاني وقال:

«سيادة المستشار، بعد مراجعة الأوراق التي ظهرت في الجلسة السابقة، تبين أن هناك مسائل تتعلق بتاريخ تأسيس الشركة وتعديل حصص الملكية تحتاج إلى فحص دقيق. موكلي لا يطلب تجاهل المستندات، لكنه يتمسك بحقه في تقديم ما يثبت الوضع القانوني الحالي للشركة.»

كان كلامه مختلفًا تمامًا عن موقفه في الجلسة السابقة.

التفت المستشار إلى أدهم وسأله:

«هل تؤكد ما قاله محاميك؟»

أجاب أدهم بصوت منخفض:

«نعم، يا سيادة المستشار.»

ثم بدأت المفاجأة الأولى.

قدم محاميّ مستندات موثقة توضح أنني لم أكن مجرد مساهمة مالية في بداية المشروع، بل كانت لي حصة أصلية مثبتة في مستندات التأسيس، وأن أي تغييرات لاحقة في الملكية يجب تقييمها وفق المستندات والإجراءات القانونية المعتمدة.

وأوضح أنني لم أتنازل عن جميع حقوقي كما ادعى أدهم في بعض المراسلات المقدمة ضمن ملف القضية.

حاول أدهم الاعتراض.

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى