روايات وقصص

الجزء الرابع والاخير من قصة جدتي

— إنت السبب! إنتوا الاتنين سايبين الأطفال طول اليوم، وأنا اللي بشيل مسؤوليتهم!

مريم ردت عليها:

— لو كنتِ مش قادرة على المسؤولية، كان ممكن تطلبي مننا نجيب مساعدة أو نرتب يومنا بشكل مختلف. لكن ما كانش من حقك تعرّضي بنتي للخطر.

وبعدين حطت قدامها صورة من الرسائل.

— وإيه حكاية الرسائل دي؟ وإيه حكاية الأوراق اللي أخدتيها من بيتنا؟

لأول مرة، نادية فقدت هدوءها.

بصت للمحامي، وبعدها رجعت بصت لمريم.

— دي أمور عائلية، ومش من حق حد يتدخل فيها!

المحامي رد بهدوء:

— لما يكون فيه مستندات مفقودة، وواقعة تعريض طفلة للخطر، فالموضوع مش مجرد خلاف عائلي. كل شيء هيتراجع وفقًا للقانون.

نادية قامت من مكانها، وقالت لمريم:

— يعني إنتِ هتصدقي ناس غريبة وتوقفي ضد أمك؟

مريم وقفت هي كمان.

كانت بتعيط، لكن صوتها كان ثابتًا.

— أنا مش واقفة ضدك عشان ورق أو فلوس. أنا واقفة مع أولادي، لأن بنتي كانت ممكن تموت، وابني عاش أيام وهو خايف يحكي لي اللي بيحصل.

سكتت لحظة، وبعدها قالت:

— أنا كنت بحبك وبثق فيك، وكنت فاكرة إنك أكتر واحدة هتحافظي على أولادي. لكن إنتِ استغلّيتي ثقتي.

نادية ما ردتش.

خرجت من المكتب وهي غاضبة، لكن المرة دي ما كانش في حد بيجري وراها عشان يراضيها.

### الحقيقة القانونية ظهرت

خلال الأسابيع التالية، المحامي راجع المستندات الرسمية الخاصة بشقة والد مريم.

واتضح إن بعض الأوراق اللي كانت نادية بتحتفظ بيها لا تكفي وحدها لإثبات ملكية أي طرف، وإن تحديد الحقوق القانونية محتاج الرجوع إلى المستندات المسجلة والجهات المختصة.

كمان تم تقديم بلاغ بشأن واقعة ليلى، وتسليم الرسائل والصور المتاحة للجهات المعنية، عشان يتم التحقيق فيها.

ما استعجلناش إصدار أحكام من مجرد رسائل أو اتهامات، وسبنا الإجراءات القانونية تكشف المسؤوليات الحقيقية.

أما نادية، فبقت بعيدة عن بيتنا وعن الأطفال تمامًا.

ما كانش القرار سهلًا على مريم، خصوصًا إنها كانت بتحاول تتقبل فكرة إن أمها اللي كبرت على إيديها ممكن تكون تصرفت بالطريقة دي.

لكنها كانت عارفة إن حماية أولادها لازم تيجي قبل أي اعتبار تاني.

وفي يوم، وإحنا قاعدين في المستشفى بعد ما ليلى بدأت تتحسن، مريم بصت لي وقالت:

— أحمد، أنا مش عارفة هقدر أسامح أمي في يوم ولا لأ، لكن فيه حاجة واحدة أنا متأكدة منها.

سألتها:

— إيه هي؟

مسكت إيدي وقالت:

— مش هسمح لحد يخوف أولادي تاني، حتى لو كان أقرب إنسان ليا.

حضنتها، وقلت لها:

— وأنا كمان مش هتجاهل كلامهم تاني أبدًا.

### بعد شهرين… اللحظة اللي عمرنا ما هننساها

عدّى شهرين على الحادثة.

ليلى رجعت البيت بعد ما الأطباء اطمأنوا على حالتها، وبقت بتلعب وتضحك من جديد.

لكننا كنا حريصين نديها وقتها، وما نضغطش عليها، ونتابع حالتها مع المختصين لو ظهر أي خوف أو اضطراب بسبب اللي حصل.

أما يوسف، فبدأ يرجع لطفولته الطبيعية بالتدريج.

في أحد الأيام، رجعت من الشغل، ولقيته قاعد على الأرض جنب أخته، وبيساعدها تركب مكعبات ملونة.

أول ما شافني، جري عليّ.

— بابا، بص! ليلى بنت بيت كبير!

قعدت جنبهم، وبصيت للمبنى الصغير اللي بنوه بالمكعبات.

كان فيه باب كبير، وشبابيك ملونة، وحديقة صغيرة قدامه.

سألته بابتسامة:

— البيت ده لمين يا يوسف؟

رد بسرعة:

— لينا كلنا! عشان محدش فينا يخاف من حد، وكل واحد يقدر يقول لو زعلان.

حسيت بغصة في حلقي.

طفل عنده سبع سنين، بعد كل اللي شافه، كان بيحاول يصنع عالم صغير يحس فيه بالأمان.

حضنته وقلت له:

— إنت عملت أحلى بيت يا حبيبي.

ليلى جت ناحيتي، ومدت إيديها عشان أشيلها.

شيلتها، وبوست راسها، ووعدت نفسي إن البيت ده مش هيكون مكان يخاف فيه أي طفل من إنه يعبر عن مشاعره.

في المساء، مريم حطت صورة البيت الصغير على الرف، جنب صورة عائلتنا.

وبصت لي وقالت:

— فاكر أول رسالة وصلتك؟ لما قالوا إن فيه 43 صفحة هتكشف الحقيقة؟

هزيت رأسي.

قالت:

— الرسائل كشفت حاجات مهمة، لكن أكتر حاجة غيّرت حياتنا كانت صرخة يوسف لما جه يدور عليك.

بصيت لابني، اللي كان نايم على الكنبة من التعب بعد يوم طويل من اللعب.

وقلت لها:

— أيوه. لأنه لو ما اتكلمش، ولو أنا ما أخدتش كلامه بجدية المرة دي، ما كناش هنقدر نساعد ليلى في الوقت المناسب.

ومن يومها، اتعلمت درسًا مش هنساه طول عمري:

مش كل شخص كبير في السن يبقى دايمًا على حق، ومش كل تصرف بيتقال عليه تربية يبقى مقبول.

الطفل لما يشتكي، لازم نسمعه.

ولما يقول إنه خايف، لازم ناخد خوفه بجدية.

ولما يحكي عن أذى اتعرض له، واجبنا نتحقق ونحميه، مش نطلب منه يسكت عشان نحافظ على شكل العيلة قدام الناس.

أما الثقة، فهي مش تصريح مفتوح لأي إنسان إنه يتصرف في حياة أطفالنا من غير حدود.

النهاية.
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى