روايات وقصص

المحكمة القصة كاملة بقلم محمد عبده

كانت مراسلة رسمية قديمة مرتبطة بعملية التمويل، وفيها إشارة إلى الاتفاق المالي اللي قدمته للمحكمة.

ما كانتش الورقة دليلًا على وجود تزوير لوحدها، لكنها كانت بتوضح إن الاتفاق ده كان معروفًا في معاملات الشركة، وإنه يستحق المراجعة قبل اعتماد إقرار الممتلكات بالشكل اللي قدمه كريم.

ناولتها للقاضية.

المحامي ثابت طلب الاطلاع عليها، وبعد ما قرأها، رجع قعد ببطء.

لأول مرة من بداية الجلسة، ما حاولش يقاطعني.

القاضية أصدرت قرارًا بتأجيل الفصل في تقسيم الممتلكات لحين مراجعة المستندات المالية، والتحقق من الاتفاقات المتعلقة بالأصول المتنازع عليها.

وطلبت تقديم المستندات الأصلية أو الصور الرسمية المعتمدة، مع إتاحة الفرصة للطرفين للرد عليها.

ما حكمتش لصالحي بكل اللي طلبته، وما أعلنتش إن كريم ارتكب مخالفة.

لكنها رفضت التعامل مع إقراره باعتباره حقيقة نهائية، وفتحت الباب لمراجعة الحقوق اللي حاول يتجاهلها.

وبالنسبة لي، كان ده أول انتصار حقيقي.

لأن هدفي ما كانش إني أظهر قدام عيلته إني أذكى منهم.

كان هدفي إني أمنعهم من محو سبع سنين من حياتي بجملة واحدة.

بعد انتهاء الجلسة، خرجت من القاعة وأنا شايلة ملفي.

كنت متوقعة إن محدش منهم هيكلمني، لكن قبل ما أوصل للممر، سمعت صوت حمايا بيناديني.

— سلمى، استني دقيقة.

وقفت، لكنه ما قربش مني بنفس الطريقة اللي كان بيقرب بيها لما يحب يدي أوامر.

قال:

— إحنا ممكن نتكلم بهدوء، بعيد عن المحاكم والمحامين.

بصيت له وقلت:

— نتكلم في إيه يا أستاذ محمود؟

اتضايق من طريقة كلامي، لكنه حاول يخفي ده.

— يا بنتي، إنتِ عارفة إن كريم تعب في شركته سنين. مش معقول كل حاجة تتقلب عليه بسبب شوية أوراق.

رديت:

— أنا ما طلبتش أخد شركته. أنا طلبت إن المحكمة تعرف الحقيقة كاملة.

قال بسرعة:

— طب ما نحل الموضوع بيننا. كريم ممكن يديك مبلغ كويس، ونخلص من القضية دي.

بصيت له للحظات.

من شوية، كان بيضحك لأنه فاكر إني ما أقدرش أجيب محامي.

والآن، هو نفسه بيحاول يفتح باب التسوية.

قلت له:

— لما كريم بعت لي أوراق الطلاق، كان شايف إن وجودي في حياته مالوش قيمة. ولما قدم إقراره للمحكمة، قال إني ما ساهمتش في أي حاجة. دلوقتي، بعد ما المستندات ظهرت، بقيتوا عايزين تتكلموا بهدوء؟

ما ردش.

كملت كلامي:

— أنا مش ضد التسوية العادلة، لكن مش هقبل إن حد يحدد لي قيمة حقوقي من غير ما تتراجع المستندات كاملة.

في اللحظة دي، ظهر كريم من آخر الممر.

كان واضح إنه سمع آخر جملة.

قرب مني وقال:

— سلمى، إحنا لازم نتكلم لوحدنا.

قلت:

— اتكلم.

بص ناحية أبوه، وبعدها رجع بص لي.

— أنا ما كنتش متخيل إن الموضوع هيوصل لكده.

سألته:

— يوصل لإيه يا كريم؟ إن المحكمة تعرف إن فيه اتفاقات مالية لازم تتراجع؟

قال بعصبية:

— إنتِ عارفة قصدي. إنتِ دخلتي المحكمة من غير محامي، وكلنا افتكرنا إنك مش فاهمة الإجراءات.

ابتسمت بحزن.

— دي كانت مشكلتكم. إنتوا حكمتوا عليّ من شكلي، ومن إني كنت قاعدة في البيت. محدش فكر يسأل أنا كنت مين قبل ما أتجوزك، ولا إيه اللي ضحيت بيه عشانك.

كريم نزل عينيه للأرض.

لأول مرة، ما لقيش رد جاهز.

وبعد لحظات، قال:

— أنا غلطت لما كتبت إنك ما ساهمتيش في أي حاجة.

الجملة اللي استنيتها سبع سنين، سمعتها أخيرًا.

لكنها ما رجعتش السنين اللي ضاعت.

قلت له:

— إنت مش محتاج تعترف لي دلوقتي عشان أنا أعرف الحقيقة. أنا عارفاها من زمان. اللي محتاج يحصل إن الحقيقة دي تتكتب بشكل صحيح في أوراق القضية.

وبعدين سيبته ومشيت.

مرت أسابيع من المراجعات القانونية والمالية.

المستندات اتراجعت، واتطلبت بيانات إضافية عن بعض التحويلات والأصول، واتفتح نقاش رسمي حول قيمة المساهمة المالية والحقوق الناتجة عنها.

وفي النهاية، وبعد مراجعة المستندات وسماع الطرفين، توصلنا إلى تسوية مكتوبة وافق عليها الطرفان، وحددت حقوقي المالية المرتبطة بالأموال والأصول محل النزاع، إلى جانب باقي البنود اللي اتفقنا عليها في إنهاء الزواج.

ما أخدتش الشركة كلها، وما كنتش عايزة أعمل كده من الأساس.

لكنني حصلت على تسوية تحفظ حقوقي المثبتة، بدل ما أخرج من سبع سنين من الجواز وكأني ما قدمتش أي شيء.

أما كريم، فاضطر يعيد حساباته، مش بس في القضية، لكن كمان في الطريقة اللي كان بيبص بيها للناس اللي حواليه.

وبالنسبة لعيلته، فقد كانت الصدمة الحقيقية إن الست اللي اعتبروها مجرد زوجة متفرغة للبيت، كانت عندها خبرة ومهارات ما كلفوش نفسهم حتى يسألوا عنها.

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى