روايات وقصص

المحكمة القصة كاملة بقلم محمد عبده

— أيوه يا فندم، ودي نسخة رسمية منه، أما الأصل فموجود عند الجهة المصدرة.

مدت إيدها وأخذت الورقة.

وبمجرد ما بدأت تقرأ أول سطر، اختفت كل علامات الاستغراب من وشها، وحل محلها تركيز شديد.

أما المحامي ثابت كمال، فبمجرد ما شاف عنوان المستند من مكانه، اتجمد في وقفته.

وبص لكريم وقال بصوت واطي جدًا:

— إنت لازم تقول لي الحقيقة كاملة… دلوقتي!

يا ترى إيه المستند اللي خلّى محامي كريم نفسه يفقد ثقته في القضية؟ وليه حمايا اللي كان بيضحك من شوية بدأ يطلب من ابنه إنه يتكلم معايا بعيد عن المحكمة؟

يتبع في الجزء الثالث والأخير…
### الجزء الثالث والأخير: السر اللي قلب القضية على أصحابها

فضلت القاضية فريدة عاكف باصة للمستند اللي في إيدها، وبعدها رفعت عينيها ناحيتي وسألتني:

— مدام سلمى، إنتِ متأكدة إن المستند ده صادر من الجهة الرسمية المذكورة، وإن البيانات الموجودة فيه صحيحة؟

رديت بثبات:

— أيوه يا فندم. وعندي استعداد إن الجهة المختصة تتأكد من صحته.

المحامي ثابت كمال قام من مكانه بسرعة.

— يا فندم، إحنا بنطلب مهلة لمراجعة المستند ده، لأنه مستند جوهري ما كانش ضمن الأوراق اللي وصلتنا قبل الجلسة.

القاضية ردت بهدوء:

— طلبك مفهوم يا أستاذ ثابت، لكن قبل ما أقرر، محتاجة أعرف طبيعة المستند ده وعلاقته بموضوع القضية.

بصت في الورقة مرة تانية، وبعدين قالت:

— المستند ده بيشير إلى اتفاق تمويل وإقرار بحقوق مالية مرتبطة بأحد الأصول العقارية التابعة للشركة. هل ده صحيح يا مدام سلمى؟

قلت:

— أيوه يا فندم. وده بالضبط اللي كنت بحاول أوضحه من بداية الجلسة.

كريم كان قاعد في مكانه، وشه بقى شاحب.

بص للمحامي، وبعدها بص لي، وكأنه بيحاول يفهم أنا جبت المستند ده منين، وليه اخترت أقدمه في اللحظة دي بالذات.

أما حمايا محمود السيوفي، فقام من مكانه وقال بعصبية:

— يا فندم، إحنا مش فاهمين الست دي عايزة إيه! دي كانت قاعدة في البيت، وابني هو اللي بنى الشركة دي بتعبه وفلوسه!

القاضية رفعت عينيها ناحيته.

— حضرتك مش طرف في المرافعة دلوقتي. من فضلك اقعد، وسيب المحكمة تسمع الأطراف القانونية.

رجع قعد، لكن ملامحه كانت بتقول إنه مش قادر يستوعب اللي بيحصل.

طول عمره كان متعود إن الناس تسمع كلامه، وإن أي مشكلة يقدر يحلها باتصال تليفوني أو بمقابلة مع الشخص المناسب.

لكنه اكتشف في اللحظة دي إن المحكمة مش مجلس عائلي، وإن صوته العالي مش هيغير حقيقة المستندات.

عشان تفهموا أهمية الورقة دي، لازم أرجع بكم لليلة قبل ما أسيب شغلي العسكري.

في الوقت ده، كريم كان بيجهز لتوسيع شركته، وكان محتاج تمويل عشان يشتري قطعة أرض في القاهرة الجديدة.

كان مقتنع إن الأرض دي هتكون بداية مرحلة جديدة في حياته، وإنه هيقدر يبني عليها مشروعًا يضاعف أرباح الشركة.

لكن التمويل كان محتاج ضمانات إضافية.

وقتها، أنا كنت لسه بشتغل في المجال القانوني، وعارفة كويس إن أي اتفاق مالي لازم يكون واضح ومحدد، وإن الوعود الشفهية مالهاش نفس قوة الالتزامات المكتوبة.

قعدت مع كريم وراجعنا الأوراق.

وبعد نقاش طويل، وافقت أساهم بمبلغ من مدخراتي الشخصية، بالإضافة إلى مبلغ خرج من حساب مشترك بيننا، وفق اتفاق مكتوب يحدد طبيعة المساهمة والحقوق المالية المرتبطة بها.

كنت فاكرة إننا بنبني مستقبلنا مع بعض.

وما طلبتش وقتها إن اسمي يتحط على كل حاجة، ولا حاولت أفرض نفسي على شركته.

كل اللي كنت عايزاه إن حقوقي تكون واضحة ومثبتة في الأوراق.

وبالفعل، اتعمل اتفاق رسمي، واتحفظت نسخة منه لدى الجهة المختصة.

لكن بعد مرور سنوات، بدأت ألاحظ إن بعض التفاصيل اتغيرت في المستندات اللي بيتم تداولها داخل الشركة.

ولما سألت كريم، قال لي إن دي مجرد إجراءات محاسبية، وإن مفيش أي حاجة تستدعي القلق.

صدقته وقتها.

لكن لما قررت أنهي الجواز، واكتشفت إنه بيقول للمحكمة إني ما ساهمتش في أي حاجة، رجعت أراجع كل أوراقي القديمة.

وهناك، لقيت المستند اللي كان ممكن يغير مسار القضية.

مش لأنه بيخليني مالكة للشركة كلها، ولا لأنه بيديني حق في كل جنيه كسبه كريم.

لكن لأنه بيثبت إن فيه حقوق مالية واتفاقات موثقة لازم تتراجع قبل ما المحكمة تقرر تقسيم الممتلكات.

وده كان كافيًا لإسقاط الصورة اللي حاول كريم يرسمها عني.

صورة الزوجة اللي ما عملتش حاجة، وما ساهمتش في أي شيء، وما تستحقش أي حقوق غير اللي القانون يفرضها بشكل واضح.

رجعنا لقاعة المحكمة.

القاضية طلبت من المحامي ثابت كمال يوضح موقف موكله من الاتفاق المذكور.

المحامي وقف، وعدّل أوراقه، وبعدين قال:

— يا فندم، إحنا مش بننكر وجود المستند، لكن محتاجين نراجع تفاصيله مع موكلنا، ونتأكد من علاقته بالأصول المذكورة في دعوى تقسيم الممتلكات.

القاضية هزت راسها.

— ده طلب منطقي. المحكمة مش هتحسم حقوق مالية بناءً على افتراضات، سواء كانت في صالح المدعية أو المدعى عليه. لازم المستندات تتراجع، وأي ادعاء يكون عليه دليل.

وبعدين التفتت لكريم.

— أستاذ كريم، هل عندك ما يثبت إن المعلومات الواردة في إقرار الممتلكات اللي قدمته للمحكمة دقيقة وكاملة؟

كريم اتردد.

المحامي بص له، وكأنه بيحذره من الإجابة قبل ما يراجع كل حاجة.

لكن كريم رد:

— أنا قدمت كل اللي عندي، يا فندم.

ساعتها رفعت الورقة اللي فيها إقرار الممتلكات وقلت:

— يا فندم، أنا عندي طلب أخير. بطلب مراجعة الإقرار ده جنب المستندات اللي قدمتها النهارده، والتأكد من إن كل التحويلات والاتفاقات المرتبطة بالأصول اتذكرت فيه بشكل صحيح.

القاضية قالت:

— طلبك هيتاخد في الاعتبار. لكن هل عندك دليل إضافي على وجود معلومات ناقصة في الإقرار؟

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى