روايات وقصص

الجزء الرابع والاخير بقلم محمد عبده

قلبي اتقبض.

سألتها بهدوء:

— وإنتِ كنتِ فين وقتها يا ليلى؟

نزلت عينيها للحظة، وبعدها قالت:

— كنت في أوضتي. سمعت صوت عالي، وبعدين سمعت حاجة وقعت.

سكتت شوية، وبعدين أضافت:

— نزلت أشوف إيه اللي حصل، ولقيت بابا واقف عند السلم، وتيتة بتتكلم في التليفون.

بصيت لأبويا.

هو كمان كان مركز مع كلامها، لكنه مظهرش أي رد فعل يخوفها.

سألت بنتي:

— طيب، حد قال لك إيه تعملي بعد كده؟

هزت رأسها.

— تيتة قالت لي أرجع أوضتي، وقالت إن الكبار هيتصرفوا.

وبعدها قربت مني أكتر وهمست:

— ماما، هو إنتِ عملتي حاجة غلط؟

السؤال ده كسر قلبي.

حضنتها بحذر، وقلت لها:

— لأ يا حبيبتي. إنتِ مش مسؤولة عن أي حاجة حصلت، ومش مطلوب منك تختاري بين ماما وبابا. الكبار هما اللي لازم يحلوا مشاكلهم.

ليلى حضنتني بقوة، وفضلت ساكتة.

وفي اللحظة دي، اتأكدت إن أهم حاجة لازم أعملها هي إني أحميها من الخوف اللي عشت فيه سنين.

بعد ما ليلى خرجت مع أبويا علشان تجيب حاجة تشربها، دخل جوناثان الغرفة.

قال إنه عنده تحديث مهم بخصوص طلب الحضانة.

قعد وفتح ملفه.

— عيلة ويتكومب قدمت طلبًا للمحكمة، وبتحاول تثبت إنك غير قادرة على رعاية ليلى في الوقت الحالي. لكن عندنا مستندات طبية بتوضح طبيعة إصاباتك، وكمان هنقدر نقدم معلومات عن دورك الأساسي في رعاية بنتك.

سألته:

— هل ممكن ياخدوها مني فعلًا؟

رد:

— المحكمة هي اللي هتقرر بناءً على الأدلة ومصلحة الطفلة. إصابتك وحدها مش معناها إنك غير قادرة على رعايتها، وهنقدم كل المعلومات المتاحة علشان الصورة تكون واضحة.

وبعدين أضاف:

— لكن لازم نكون مستعدين إن الطرف التاني يحاول يقدم رواية مختلفة للأحداث.

كنت عارفة إن ده ممكن يحصل.

عيلة ويتكومب عندها فلوس، وعلاقات، ومحامين يقدروا يحولوا أي موقف بسيط إلى قضية كبيرة.

لكن المرة دي، مكنتش هسمح لخوفي يخليهم يتحكموا في قراراتي.

قلت له:

— أنا هتعاون معاك في كل حاجة، بس مش هسمح لحد يشوه صورتي كأم.

جوناثان أومأ برأسه.

— وده حقك.

بعد الظهر، وصلت رسالة إلى مكتب جوناثان من روبرت ميلر، المستشار المالي السابق.

الرسالة كانت بتتضمن مستندات إضافية مرتبطة بالشركة الاستثمارية.

وبعد مراجعتها، اكتشف المحامي إن فيه أكثر من معاملة مالية تحتاج إلى تفسير، وإن بعض الوثائق تشير إلى أن اسم ماريان ارتبط بصفة إدارية داخل الشركة، رغم إنها لم تكن تعلم بوجود هذا الدور، بحسب إفادتها.

قال لي جوناثان:

— محتاجين نتحقق من كل مستند على حدة، لكن فيه نقطة مهمة. بعض الأوراق تشير إلى أن الشخص المسؤول عن تقديم البيانات كان بريستون.

حسيت كأن حد ضربني في صدري.

— بريستون نفسه؟

— أيوه، لكن لازم نراجع النسخ الأصلية، ونتأكد من مصدر كل ورقة قبل ما نحدد مسؤوليته عن أي معاملة.

حطيت إيدي على وشي.

كنت أتمنى أسمع أي تفسير تاني.

كنت أتمنى يطلع الموضوع مجرد خطأ إداري، أو سوء فهم، أو حتى مشكلة في تسجيل البيانات.

لكن اسم بريستون بدأ يظهر في كل جزء من القصة.

والرجل اللي كنت فاكرة إنه أقرب شخص ليا، بقى هو الشخص اللي محتاجة أفهم دوره الحقيقي.

في اللحظة دي، أبويا دخل الغرفة بعد ما أنهى مكالمة قصيرة.

كان شايل ظرفًا بنيًا، وحطه على المكتب.

قال لجوناثان:

— دي نسخة من مراسلات قديمة وصلتني من خلال القنوات القانونية. محتاجك تراجعها مع باقي المستندات.

جوناثان فتح الظرف، وبدأ يقرأ.

وبعد دقائق، رفع عينيه بدهشة واضحة.

— الرسائل دي بتشير إلى نقاشات قديمة عن إعادة تنظيم الشركة، وفيه إشارة إلى ضرورة الحصول على توقيعات إضافية قبل إتمام بعض المعاملات.

سألته:

— وهل اسمي مذكور فيها؟

قلب الصفحات، وبعدها قال:

— أيوه، اسمك موجود في واحدة من الرسائل.

حسيت بقلق شديد.

— ومين اللي كتب الرسالة؟

جوناثان بص للتوقيع في آخر الصفحة، ثم رد:

— الرسالة صادرة عن مكتب مرتبط بأعمال إدوارد ويتكومب، وموجهة إلى بريستون.

أبويا فضل ساكت، لكنه طلب من جوناثان يحتفظ بنسخة من الرسالة ويضمها للملف.

وبعدين التفت ناحيتي وقال:

— ماريان، فيه احتمال إننا نكتشف إن بعض القرارات اتاخدت من غير ما تكوني على علم كامل بيها. لكن مهما كانت النتيجة، مش هنسمح لحد يخلط بين وجود اسمك في مستند وبين مسؤوليتك عن كل اللي حصل.

كنت محتاجة أسمع الكلام ده.

لكن قبل ما أرد، رن تليفون جوناثان.

رد، وسمع الطرف التاني لدقيقة تقريبًا.

ملامحه اتغيرت، وبعدين قال:

— فهمت. ابعتوا كل التفاصيل للمكتب، ومحدش يتواصل مع أي طرف بشكل غير رسمي.

أنهى المكالمة، وبص لأبويا.

— فيه تطور جديد. إدوارد ويتكومب عرف إننا بنراجع المستندات، وطلب اجتماعًا عاجلًا مع محاميه.

أبويا سأله:

— وهل طلب الاجتماع معانا؟

— أيوه. عايز يقابلنا لمناقشة الموضوع.

كنت متوقعة إن أبويا يرفض فورًا، لكنه فضل هاديًا.

قال:

— لو فيه اجتماع، هيكون من خلال المحامين، وبجدول واضح، ومن غير أي ضغوط على ماريان.

وبعدين بص لي.

— إنتِ مش مطالبة تقابلي أي حد قبل ما تكوني مستعدة.

هزيت رأسي، لكن كان جوايا سؤال واحد.

ليه إدوارد مستعجل بالشكل ده؟

لو كل حاجة سليمة، كان ممكن يسيب الإجراءات تاخد مجراها الطبيعي.

لكن استعجاله، وكلام حماتي، ومحاولة بريستون إخفاء الملفات، كل ده كان بيخليني أحس إن فيه سرًا أكبر من مجرد معاملة مالية.

وفي آخر اليوم، قبل ما جوناثان يمشي، وصلته رسالة أخرى.

قرأها بتركيز، ثم وضع الهاتف على المكتب وقال:

— فيه مستند إضافي ظهر في الأرشيف، وممكن يساعدنا نفهم سبب استعجالهم.

سألته:

— إيه المستند ده؟

رد:

— اتفاق قديم بيتعلق بحقوق الملكية في جزء من الأصول المرتبطة بالشركة. والأسماء الموجودة فيه ممكن تغيّر فهمنا للموضوع كله.

بصيت له بترقب.

لكنه لم يذكر أي تفاصيل إضافية قبل ما يتأكد من صحة المستند.

أما أبويا، فوقف جنب الشباك، وبص إلى الخارج للحظات.

ثم التفت ناحيتي وقال جملة ما زلت فاكرها لحد النهارده:

— يا بنتي، أحيانًا الناس بتكشف حقيقتها مش لما تكون قوية، لكن لما تحس إن السيطرة بتفلت من إيديها.

وفي تلك اللحظة، رن تليفوني مرة أخرى.

كانت رسالة من رقم مجهول، مكتوب فيها:

«لو عايزة تعرفي ليه عيلة ويتكومب مستميتة علشان تسكتك، اسألي أبوكي عن القضية القديمة اللي رفض يقفلها من سنين.»

قرأت الرسالة مرتين.

وبعدين رفعت عيني لأبويا.

لأول مرة، شعرت إن هناك جزءًا من ماضيه لم يخبرني عنه.

جزءًا قد يكون مرتبطًا مباشرة بكل ما يحدث الآن.

سألته بصوت منخفض:

— يا بابا… إيه القضية القديمة اللي الرسالة دي بتتكلم عنها؟

أبويا فضل ساكتًا لثوانٍ طويلة.

وبعدين قرب مني، وقعد على الكرسي، وقال:

— كنت أتمنى إنك متحتاجيش تعرفي عن القضية دي بالطريقة دي، يا ماريان.

اتسعت عيناي.

— يعني هي حقيقية؟

أبويا أخد نفسًا عميقًا، ثم قال:

— أيوه. فيه قضية قديمة كنت مسؤولًا عن متابعة بعض جوانبها، وكانت مرتبطة بمعاملات مالية معقدة وأشخاص أصحاب نفوذ. لكن مش هقول لك إن لها علاقة مباشرة بعيلة جوزك قبل ما نتأكد من الأدلة.

توقفت للحظة، ثم سألته:

— وهل إدوارد ويتكومب كان واحدًا من الأشخاص اللي ظهروا في القضية؟

نظر إليّ أبي طويلًا.

ثم قال:

— اسمه ظهر ضمن مستندات احتاجت إلى مراجعة، لكن القضية لم تكن دليلًا على إدانة كل شخص ورد اسمه فيها.

شعرت بأن قلبي يدق بعنف.

كنت أظن أنني أحاول حل مشكلة زواج فاشل، لكنني بدأت أكتشف أن هناك خيوطًا من الماضي تتشابك مع حياتي الحالية.

والسؤال الذي لم أستطع تجاهله كان:

هل اختار بريستون الزواج مني لأنه أحبني فعلًا، أم لأنه كان يعرف شيئًا عن أبي، ورأى في زواجنا فرصة للوصول إلى معلومات لم يستطع الحصول عليها بطريقة أخرى؟

لم أكن أملك إجابة.

لكنني كنت أعرف أنني لن أعود إلى حياتي القديمة قبل أن أكتشف الحقيقة.

يتبع في الجزء الخامس… 👇
### الجزء الخامس والأخير: الحقيقة اللي قلبت حياة عيلة ويتكومب

فضلت باصة لأبويا بعد ما اعترف إن فيه قضية قديمة كان بيتابعها، وإن اسم إدوارد ويتكومب ظهر ضمن المستندات المرتبطة بيها.

كنت محتاجة أفهم كل حاجة، لكن في نفس الوقت كنت خايفة من الإجابة.

سألته بصوت مرتعش:

— يا بابا، هو بريستون اتجوزني علشان يوصل لك؟

أبويا مسك إيدي، وقال بهدوء:

— مش هقدر أقول لك إن ده حصل من غير دليل يا ماريان. أنا عارف إنك موجوعة، وإن كل اللي اكتشفتيه خلاكي تشكي في كل حاجة. لكن لازم نفرّق بين الشك والحقيقة.

سكت لحظة، وبعدين كمل:

— اللي أقدر أقوله لك إن القضية القديمة انتهت من سنين، وإن أي مستند جديد يظهر لازم يتراجع بشكل قانوني. لو فيه ارتباط بين اللي حصل زمان والمعاملات اللي بنراجعها دلوقتي، الأدلة هي اللي هتوضحه.

هزيت رأسي، لكن قلبي كان مليان أسئلة.

هل كان جوازي مجرد مصادفة؟

هل بريستون كان بيحبني فعلًا؟

وهل كل اللحظات الحلوة اللي عشتها معاه كانت حقيقية، ولا كنت الوحيدة اللي مصدقاها؟

مكنتش عارفة.

لكن كان فيه شيء واحد متأكدة منه: مش هسمح لأي حد يستخدم بنتي أو يهددني علشان يمنعني من معرفة الحقيقة.

في صباح اليوم التالي، وصل جوناثان للمستشفى ومعاه ملف جديد.

قال إن فريقه القانوني راجع جزءًا من المستندات القديمة، وإنهم لقوا اختلافات بين بعض البيانات الواردة في الاتفاقات المالية وبين المعلومات الموجودة في السجلات الرسمية.

وأوضح إن الاختلافات دي محتاجة مراجعة متخصصة، وإنه تم اتخاذ خطوات رسمية للتحقق من صحة المستندات والتوقيعات.

سألته:

— وهل فيه حاجة تثبت إن بريستون كان عارف بالموضوع؟

رد:

— فيه مراسلات تحمل اسمه، لكن لازم نعرف سياقها الكامل، ونتأكد من مصدرها، ونحدد دوره الفعلي قبل ما نخلص لأي نتيجة.

أبويا كان بيسمع باهتمام.

وبعد ما جوناثان خلص كلامه، قال له:

— أهم حاجة عندي إننا نحمي ماريان وليلى، ونضمن إن أي تحقيق يتم بطريقة صحيحة. مش عايز حد يتعرض للظلم، ومش هسمح في نفس الوقت إن حد يستخدم النفوذ علشان يهرب من المسؤولية لو ثبتت عليه مخالفة.

كنت فخورة بأبويا في اللحظة دي.

عمره ما حاول يخوف حد، ولا استخدم ماضيه المهني علشان يفرض رأيه.

كل اللي كان عايزه إن الحقيقة تظهر، وإن كل شخص يتحمل نتيجة أفعاله.

لكن قبل ما نكمل كلامنا، جوناثان قال إن إدوارد ويتكومب وافق على حضور اجتماع رسمي مع محاميه، وإنهم حددوا موعدًا لمناقشة المستندات المتنازع عليها.

أبويا وافق على الاجتماع بشرط إن كل شيء يتم من خلال المحامين، وإن محدش يحاول يضغط عليّ أو يجبرني على توقيع أي مستند.

أما أنا، فكنت لسه في المستشفى، وبحاول أتعافى من إصاباتي.

مكنتش مستعدة أقابل عيلة ويتكومب، لكني طلبت من جوناثان يبلغهم إني مش هتنازل عن حقوقي في حضانة ليلى، وإن أي محاولة لاستخدام اسمي في معاملات مالية لازم تتراجع بشكل كامل.

بعد يومين، خرجت من المستشفى بتعليمات واضحة بالراحة ومتابعة حالتي.

أبويا أخدني إلى بيته، حيث كانت ليلى مستنياني.

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى