
«دي مشاكل عائلية، ومش من حقك تدخلي فيها».
لكن فانيسا ما اقتنعتش.
«مشاكل عائلية؟ إنتِ قلتي لي إن كل حاجة جاهزة، وإن كريم هيبدأ حياته الجديدة من غير أي التزامات قديمة!»
كريم حاول يمسك إيدها.
«فانيسا، اسمعيني…»
سحبت إيدها منه.
«أنا محتاجة أفهم إيه اللي بيحصل. إنتوا كنتوا مخبيين عني إيه بالضبط؟»
ما حدش جاوبها.
لأن الحقيقة كانت أكبر من مجرد ملكية فيلا.
بعد دقائق، بدأ الضيوف ينسحبوا بهدوء.
بعضهم ادّعى إنه عنده ارتباط مهم، والبعض الآخر خرج من غير حتى ما يودّع نادية.
الحفلة اللي كانت معمولة علشان تستعرض بيها ثروة عيلتها، بقت حديث الناس في نفس الليلة.
لكن أنا ما كنتش مهتمة بنظراتهم، ولا بالكلام اللي هيتقال بعد ما أمشي.
كل اللي كنت عايزاه إن حقي يرجع، وإن محدش يقدر يضغط عليّ علشان أتنازل عنه تاني.
المحامي جمع المستندات، وبعدها قال لنادية وكريم:
«أي خلاف متعلق بالملكية أو المعاملات المالية هيتابع من خلال الإجراءات القانونية. أنصحكم تتواصلوا مع محاميكم قبل ما تتخذوا أي خطوة».
نادية بصت له بغضب.
«إنت فاكر إنك تقدر تخوفنا؟ إحنا عيلة الشربيني!»
المحامي رد ببساطة:
«القانون بيتعامل مع المستندات، مش مع أسماء العائلات».
الجملة دي كانت كفاية إنها تسكتها للحظات.
كنت على وشك أخرج من القاعة، لما كريم ناداني.
«ليلى، استني».
وقفت من غير ما ألف له.
قرب مني وقال بصوت منخفض:
«ممكن نتكلم لوحدنا؟»
بصيت له أخيرًا.
كان مختلف عن الراجل اللي وقف الصبح يتفرج على شنطي وهي بتترمي على الرصيف.
وشه مرهق، وملامحه متوترة، وكأنه بدأ يستوعب إن القرارات اللي أخدها من غير ما يفكر في عواقبها ممكن تغيّر حياته كلها.
قال:
«أنا ما كنتش أعرف إن أمي عملت كده».
سألته:
«ما كنتش تعرف إيه بالضبط يا كريم؟»
سكت.
كملت:
«ما كنتش تعرف إن الفيلا باسمي؟ ولا ما كنتش تعرف إن فيه تحويلات مالية محتاجة تفسير؟ ولا ما كنتش تعرف إن مراتك كانت بتعيش سبع سنين وهي بتحاول تحافظ على جوازك، وإنت كنت بتخبي عنها علاقتك بفانيسا؟»
نزل عينيه.
«أنا غلطت».
هزيت راسي ببطء.
«أيوه، غلطت. لكن مش كل غلطة ينفع نصلحها بكلمتين».
حاول يتكلم، لكني رفعت إيدي وقلت:
«أنا مش جاية أسمع وعود جديدة. كل اللي بينا انتهى الصبح لما وقعنا أوراق الطلاق».
لفيت علشان أمشي، لكنه قال جملة خلتني أقف مكاني.
«ليلى… فيه حاجة لازم تعرفيها عن ماما».
بصيت له بحذر.
بلع ريقه، وبعدين قال:
«قبل الطلاق بأسبوع، سمعتها بتتكلم في التليفون مع شخص غريب. كانت بتقول إن فيه ورق لازم يختفي قبل ما إنتِ تكتشفي الحقيقة. ولما سألتها، قالت لي إن الموضوع متعلق بشغل الشركة».
قلبي دق بسرعة.
«ورق إيه؟»
كريم هز راسه.
«ما عرفتش. لكن بعد المكالمة دي، طلبت مني أمضي على مستندات مالية، وقالت إنها مجرد إجراءات داخلية».
في اللحظة دي، المحامي حسام رجع ناحيتنا.
ولما سمع كلام كريم، سأله:
«إمتى حصلت المكالمة دي بالتحديد؟»
كريم ذكر له التاريخ.
المحامي فتح الملف بسرعة، وراجع مجموعة من الأوراق، وبعدها رفع عينيه ناحيتي.
ملامحه اتغيرت.
قال بصوت منخفض:
«التاريخ ده مهم جدًا. لأنه نفس اليوم اللي اختفى فيه مستند من ملف الشركة كان ممكن يوضح مصدر بعض التحويلات المالية».
حسيت إن الصورة بدأت تكتمل، لكن لسه فيه جزء ناقص.
جزء نادية كانت بتحاول تخفيه بأي طريقة.
خرجت من الفيلا مع المحامي، وركبت عربيته.
بعد ما مشينا شوية، سألته:
«إنت شايف إن الموضوع أكبر من مجرد خلاف على الفلوس؟»
رد بحذر:
«ما نقدرش نحكم قبل ما نراجع كل المستندات. لكن لو فيه أوراق اختفت فعلًا، لازم نعرف كانت بتحتوي على إيه، ومين كان مسؤول عنها».
بصيت من الشباك.
كنت فاكرة إن أصعب لحظة في حياتي كانت لما عرفت بخيانة كريم.
لكن دلوقتي بدأت أشك إن السنين اللي فاتت كانت مليانة أسرار أكبر بكتير من اللي تخيلته.
وفجأة، تليفوني رن.
رقم مجهول.
رديت، وسمعت صوت راجل بيتكلم بسرعة:
«مدام ليلى؟ أنا كنت شغال في الحسابات بشركة الشربيني، وسمعت إنك بدأتي تتحركي قانونيًا».
سألته:
«مين حضرتك؟»
قال:
«اسمي شريف. وفيه مستندات لازم تشوفيها بنفسك. مستندات لو ظهرت، هتغيّر كل اللي إنتِ فاكره عن اللي حصل خلال السبع سنين».
سكت لحظة، وبعدها أضاف:
«بس لازم تقابليّ قبل ما مدام نادية تعرف إني كلمتك… لأن اللي حصل مش مجرد تحويلات مالية، وفيه توقيع على ورق ممكن يورّط ناس كتير».
انتهت المكالمة.
بصيت للمحامي، ولقيته مركز معايا.
سألني:
«قال لك إيه؟»
حكيت له كل حاجة.
فضل ساكت ثواني، وبعدها قال:
«ما تقابليش الشخص ده لوحدك، وما تسلميش له أي مستندات. هنرتب مقابلة بطريقة آمنة وقانونية، ونتأكد الأول من هويته».
هزيت راسي بالموافقة.
ما كنتش أعرف مين شريف، ولا إيه المستندات اللي معاه.
لكن كنت متأكدة من حاجة واحدة.
الليلة دي ما كانتش نهاية أسرار عيلة الشربيني… دي كانت أول مرة حد يقرر يكشفها.
والسؤال اللي كان بيطاردني دلوقتي:
مين الشخص اللي وقّع على المستندات المختفية؟ وهل كريم كان مجرد ضحية لتصرفات أمه، ولا كان عارف أكتر بكتير مما اعترف به؟
يتبع في الجزء الرابع والأخير… 👇
### الجزء الرابع والأخير: الحقيقة اللي دمّرت أكاذيب عيلة الشربيني!
طول الليل، ما قدرتش أنام.
كل ما أغمض عيني، أفتكر كلام شريف، الموظف السابق في شركة الشربيني، وهو بيقول إن فيه مستندات ممكن تغيّر كل اللي أعرفه عن السبع سنين اللي فاتوا.
كنت فاكرة إن الحكاية انتهت بخيانة كريم، وطلاقنا، ومحاولة أمه طردي من الفيلا اللي ورثتها عن والدي.
لكن واضح إن فيه أسرار تانية كانت مستخبية ورا الأبواب المقفولة.
الساعة تسعة الصبح، اتصل بيا المحامي حسام منصور.
قال:
«يا مدام ليلى، تواصلت مع شريف، واتأكدنا من هويته. هو مستعد يقابلنا ويسلّم المستندات اللي عنده، لكن الأفضل إن كل حاجة تتم بشكل رسمي».
وافقت فورًا.
بعد ساعتين، كنت قاعدة في مكتب المحامي، وقدامي راجل في أواخر الأربعينات، ملامحه مرهقة، وإيده بتترعش وهو بيحط حقيبة صغيرة على الترابيزة.
قال:
«أنا اشتغلت في الحسابات بشركة الشربيني أكتر من عشر سنين. كنت مسؤول عن مراجعة التحويلات والفواتير، وعمري ما تخيلت إن الأمور توصل للمرحلة دي».
سأله حسام:
«إيه اللي خلاك تتواصل مع مدام ليلى دلوقتي؟»
شريف بص لي وقال:
«لأني عرفت إن مدام نادية بتحاول تحمّلها مسؤولية معاملات مالية هي ما كانتش تعرف عنها حاجة».
فتح الحقيبة وطلع مجموعة من النسخ الورقية، وكشف حسابات، ومراسلات داخلية.
وأضاف:
«قبل حوالي سنة، وصلني طلب أراجع تحويلات مالية مرتبطة بأصول مش مملوكة للشركة. لما سألت عن سبب تسجيلها بالشكل ده، اتقال لي إن الإدارة عندها موافقات. لكن لما طلبت أشوف الموافقات الأصلية، اكتشفت إن فيه مستندات ناقصة».
حسام بدأ يراجع الأوراق بعناية.
وبعد دقائق، رفع عينيه وسأله:
«هل عندك دليل إن مدام ليلى وقّعت على أي من المعاملات دي؟»
شريف رد:
«فيه نسخ من مستندات عليها توقيعات منسوبة لأطراف مختلفة. أنا ما أقدرش أجزم مين وقّع عليها أو إذا كانت صحيحة، لكن فيه اختلافات واضحة تستحق الفحص».
قلبي بدأ يدق بسرعة.
سألته:
«يعني فيه احتمال إن حد استخدم اسمي من غير علمي؟»
رد بحذر:
«الاحتمال موجود، لكن لازم خبير مختص يفحص المستندات قبل ما نقدر نقول أي حاجة مؤكدة».
حسام جمع الأوراق وقال:
«هنسلّم النسخ للجهة المختصة، ونطلب فحصها ومراجعة المعاملات المالية. مش هنوجّه اتهام لأي حد قبل ما تظهر النتيجة».
لأول مرة من شهور، حسيت إن الحقيقة ممكن تظهر فعلًا.
لكن المفاجأة الأكبر كانت لسه جاية.
بعد يومين، اتصل بيا كريم.
كنت مترددة أرد عليه، لكني قررت أسمع هو عايز إيه.
قال بصوت هادي:
«ليلى، محتاج أقابلك. مش علشان نرجع لبعض، ولا علشان أطلب منك تسامحيني. فيه حاجة لازم أقولها لك».
وافقت إن المقابلة تكون في مكتب المحامي.
وصل كريم بعد الظهر، وكان واضح عليه إنه ما نامش كويس من يوم الحفلة.
قعد قدامي، وفضل ساكت شوية قبل ما يبدأ كلامه.
«أنا عرفت إن شريف سلّمكم مستندات».
بصيت له باستغراب.
«عرفت منين؟»
قال:
«أنا اللي طلبت منه يتكلم. بعد الحفلة، رجعت البيت وواجهت أمي، وطلبت منها تشرح لي كل حاجة. لكنها رفضت، وقالت إنك بتحاولي تدمري العيلة».
سكت لحظة، وبعدين كمل:
«لما راجعت أوراق الشركة بنفسي، لقيت معاملات ما كنتش فاهمها، وفيه مستندات عليها توقيعات كنت فاكر إنها مجرد إجراءات إدارية. أنا ما أقدرش أقول لك إني كنت بريء من كل حاجة، لأني مضيت على أوراق من غير ما أراجعها كويس».
بصيت له بثبات.
«وده اللي كنت محتاجة تسمعه مني؟ إنك كنت بتمضي من غير ما تقرأ؟»
نزل عينيه.
«لا. أنا جاي أقول لك إني غلطت في حقك، حتى قبل ما أعرف أي حاجة عن الحسابات. خنت ثقتك، وسمحت لأمي تهينك، ووقفت أتفرج وهي بتطردك من البيت».
لأول مرة، ما حاولش يبرر تصرفاته.
لكن الاعتراف بالخطأ ما كانش كفاية علشان يمحو اللي حصل.
قلت له:
«أنا مش هقدر أرجع سبع سنين من عمري، ومش هقدر أنسى كل مرة كنت محتاجة فيها إنك تقف جنبي واخترت تسكت. لكن لو عندك معلومات حقيقية عن المستندات، لازم تقولها للمحامي، مش ليا بس».
هز راسه بالموافقة.
وبعدين قال:
«فيه حاجة تانية. أمي كانت عارفة من البداية إن الفيلا ملكك. أنا لقيت نسخة من عقد الملكية في خزنتها، وعليها ملاحظات بخط إيدها».
حسام طلب منه يسلّم النسخة، وبدأ يفحصها.
ما كانتش النسخة وحدها كفاية لإثبات أي مخالفة، لكنها كانت دليلًا مهمًا يستحق المراجعة ضمن بقية المستندات.
كريم أضاف بصوت مكسور:
«هي كانت عارفة إن البيت مش ملكها، ومع ذلك فضلت تتصرف كأنها صاحبة القرار في كل حاجة».
ما رديتش.
لأن الحقيقة كانت مؤلمة، لكنها في الوقت نفسه أكدت لي إن سكوتي طول السنين دي ما كانش ضعفًا.
أنا كنت بحاول أحافظ على عيلة، بينما بعض أفرادها كانوا بيتعاملوا مع ثقتي كأنها فرصة للاستفادة مني.
بعد أسابيع من مراجعة المستندات، بدأت الحقائق تظهر واحدة وراء التانية.
الفحص القانوني أثبت ملكيتي للفيلا، وما بقاش فيه مجال للادعاء إنها ملك نادية أو إنها تقدر تتصرف فيها من غير موافقتي.
أما المعاملات المالية، فقد كشفت المراجعة عن مخالفات محتملة استدعت استكمال التحقيق وفحص التوقيعات والموافقات المرتبطة بها.
وبعد مراجعة إضافية، ظهرت مستندات بتوضح إن بعض القرارات المالية اتخذتها إدارة الشركة من غير استيفاء الموافقات المطلوبة.
لم يكن كل شيء قد حُسم بعد، لكن الأوراق كانت كافية علشان تبدأ الإجراءات الرسمية، وكل طرف بقى مطالب يوضح دوره ومسؤوليته.
نادية حاولت تتواصل معايا أكتر من مرة.
في أول مكالمة، اتكلمت بعصبية:
«إنتِ ناوية تدمري مستقبل ابني؟ مش كفاية إنك خلصتي جوازك منه؟»
رديت بهدوء:
«أنا ما طلبتش من حد يدمّر مستقبله. أنا بطلب إن كل واحد يتحمل مسؤولية قراراته».
قالت:
«إنتِ عارفة إن العيلة دي ليها اسم وسمعة!»
قلت لها:
«السمعة ما بتحميش حد من نتيجة تصرفاته».
قفلت المكالمة.
بعدها بأيام، بعتت لي رسالة طويلة بتقول فيها إنها كانت بتحاول تحافظ على مستقبل ابنها، وإنها ما كانتش تقصد تجرحني.
قريتها، لكن ما رديتش.
لأنها حتى في اعتذارها، ما قالتش إنها ندمانة على اللي عملته في حقي بقدر ما كانت خايفة من العواقب اللي بدأت تواجهها.
أما فانيسا، فكانت حياتها اتغيرت هي كمان.
بعد ما عرفت إن الفيلا مش ملك كريم، وإن فيه مراجعة مالية جارية، بدأت تسأله عن كل الوعود اللي قالها لها.
وفي إحدى المرات، قابلتني صدفة خارج مكتب المحامي.
كانت باينة عليها الحيرة والتعب.
قالت لي:
«ليلى، أنا عارفة إنك مش مطالبة تسمعيني، لكن فيه حاجة لازم أقولها».
وقفت أسمعها.
قالت:
«كريم قال لي إن جوازكم انتهى من زمان، وإنكم كنتوا عايشين تحت سقف واحد بس علشان الظروف. قال لي إنك عارفة بعلاقتنا وإنكم متفقين على الانفصال».
بصيت لها بهدوء.
«وده كان صحيح؟»
نزلت عينيها.




