روايات وقصص

الجزء الثاني والاخير بقلم محمد عبده

دخول سالي غيّر كل حاجة
بعد حوالي نصف ساعة، طلبت مريم استدعاء سالي للاجتماع.
دخلت سالي وهي بتحاول تبان هادية، لكن أول ما شافت المستندات قدام مريم، ملامحها اتغيرت.
مريم طلبت منها تقعد، وبعدها سألتها:
«هل كنتِ مسؤولة عن تجهيز ملفات المصروفات الخاصة برحلات الأستاذ فارس؟».
ردت:
«أيوه، كنت بجهز بعض الملفات بناءً على التعليمات اللي بتوصل لي».
«وهل استخدمتي بيانات مدام نهى في أي مستندات مالية؟».
سالي بصت لفارس بسرعة، وكأنها مستنية منه يتدخل.
لكنه فضل ساكت.
قالت:
«أنا كنت بنفذ التعليمات اللي بتوصل لي من الإدارة».
مريم سألتها:
«مين اللي طلب منك استخدام بيانات مدام نهى؟».
سالي بدأت تتوتر.
«أنا… أنا مش فاكرة تفاصيل كل ملف».
المدير القانوني وضح إن فيه سجلات إلكترونية بتحدد الحسابات اللي اتعملت منها التعديلات، وإن الشركة هتستكمل مراجعة كل العمليات.
سالي نزلت عينيها، وبعد لحظات قالت:
«أنا استلمت بعض الملفات جاهزة، واتقال لي إنها اتراجعت بالفعل. ماكنتش أعرف إن فيه مشكلة في الموافقات».
فارس ضرب بإيده على الطاولة وقال:
«الكلام ده مش دقيق! سالي كانت مجرد مساعدة إدارية، وأنا ما طلبتش من أي حد يعمل حاجة مخالفة».
مريم ردت بحزم:
«إحنا لسه ما أصدرناش أي نتيجة نهائية. كل المطلوب إن كل شخص يوضح دوره، والمستندات هي اللي هتحدد المسؤولية».
كنت قاعدة بسمع الكلام، وبحاول أستوعب إن الشركة اللي ساعدت جوزي في بنائها بقت دلوقتي مكان بنناقش فيه استخدام اسمي من غير علمي.
التفتُّ لفارس وسألته:
«هل كنت تعرف إن فيه مستندات باسمي ما مضيتش عليها؟».
رد فورًا:
«لأ».
سألته مرة تانية:
«وهل وافقت على تحويلات الشركة اللي اسمها موجود في الملفات؟».
قال:
«وافقت على التعاقد، لكن ده ما يثبتش إن فيه أي مخالفة».
قلت:
«أنا ما اتهمتكش بحاجة. أنا بس عايزة أعرف ليه اسمي موجود في مستندات ما شفتهاش».
ما ردش.
وكان صمته كافيًا عشان أفهم إن علاقتنا وصلت لنقطة ماينفعش بعدها نرجع نتعامل كأن مفيش حاجة حصلت.

المفاجأة اللي ماكانش فارس متوقعها
بعد انتهاء الاجتماع، طلبت مريم مني البقاء لدقائق.
فارس حاول يعترض، لكنها قالت له إن الحديث متعلق بحقوقي الشخصية وإنه يقدر ينتظر خارج القاعة.
خرج وهو واضح عليه الغضب.
مريم بصت لي وقالت:
«يا مدام نهى، فيه حاجة مهمة لازم تعرفيها. المراجعة أثبتت إن فيه مستندات اتستخدمت فيها بياناتك من غير ما نقدر نثبت إنك وافقتِ عليها. لكن لسه محتاجين نحدد مين المسؤول عن كل إجراء، وده هياخد وقت».
سألتها:
«هل ممكن أتحمل مسؤولية معاملات ماوافقتش عليها؟».
ردت:
«ده يتوقف على الأدلة والإجراءات القانونية. عشان كده مهم جدًا إنك تحتفظي بكل الرسائل والمستندات اللي عندك، وما تمضيش على أي إقرار قبل ما تستشيري محامي مستقل».
شكرتها، وكنت على وشك أقوم، لكنها فتحت ملفًا آخر.
«فيه موضوع تاني. حضرتك كنتِ من أوائل الأشخاص اللي ساعدوا الشركة في إعداد بعض الخطط المالية وقت التأسيس، صح؟».
قلت:
«أيوه، لكن ده كان من سنين طويلة».
أومأت وقالت:
«المستندات القديمة بتوضح إن فيه اتفاقات واتفاقات مساهمة محتاجة مراجعة كمان. إحنا مش هنفترض أي نتيجة قبل ما نراجعها، لكن من حقك تعرفي كل التفاصيل المرتبطة باسمك».
خرجت من الاجتماع وأنا عندي أسئلة أكتر من الإجابات.
لكن المرة دي، ماكنتش هسمح للخوف أو ثقتي القديمة في فارس يمنعوني من معرفة الحقيقة.

المواجهة الأخيرة بيني وبين فارس
لقيت فارس مستنيني في الممر.
أول ما شافني، قال:
«إنتِ كده هتدمري كل اللي بنيناه!».
بصيت له باستغراب.
«أنا؟ أنا اللي استخدمت بياناتي في مستندات ماعرفش عنها حاجة؟».
رد بعصبية:
«إنتِ عارفة كويس إن شغلي فيه إجراءات معقدة، وإن ساعات بنضطر ننجز حاجات بسرعة».
قلت:
«إنجاز الشغل مش معناه استخدام اسم حد من غير موافقته».
قرب مني وقال بصوت منخفض:
«نهى، إحنا متجوزين من 11 سنة. مش معقول بعد كل ده تسمحي إن شوية أوراق يفرقوا بينا».
بصيت له بحزن.
«المشكلة مش في الورق يا فارس. المشكلة إنك لما وقفت قدام الناس في المطار، قلت لي أفتكر مكاني. ولما طلبت منك تفسر لي اللي بيحصل، حاولت تسكتني بدل ما تطمني».
سكت، فواصلت كلامي:
«أنا كنت جنبك لما ماكانش عندك غير مكتب صغير وحلم كبير. كنت بساندك لما الناس كانت بتشك في نجاحك. وما طلبتش منك يومًا إنك تخليني أحس إني أقل منك».
قال:
«أنا ماكنتش أقصد أجرحك».
رديت:
«يمكن. لكنك جرحتني، وده مش أول مرة».
حاول يبرر موقفه في الطيارة، وقال إنه كان تحت ضغط الشغل وإنه تصرف من غير ما يفكر.
لكن بالنسبة لي، الموضوع ماكانش مجرد لحظة غضب.
كان نتيجة شهور طويلة من التجاهل، وقرارات بيتخذها لوحده، وأسرار ماكانش عايزني أعرفها.
قلت له أخيرًا:
«أنا محتاجة أبعد شوية، ومش عايزة أي ضغط عليّ. وأي حاجة تخص المستندات أو الشركة هتتم عن طريق المحامين».
اتغيرت ملامحه.
«إنتِ بتتكلمي عن الطلاق؟».
أخدت نفسًا عميقًا وقلت:
«أنا بتكلم عن حقي إني أعيش باحترام، وأعرف الحقيقة قبل ما أقرر هكمل حياتي إزاي».
وسبته واقف ومشيت.

بعد ثلاثة شهور
مرت ثلاثة شهور طويلة من التحقيقات والمراجعات.
الشركة استعانت بمراجعين مستقلين، وتم فحص التحويلات المالية وسجلات الدخول إلى الأنظمة الإلكترونية.
واتضح إن فيه معاملات اتنفذت من خلال حسابات عمل مختلفة، وإن بعض المستندات كانت محتاجة تحقيقًا إضافيًا لتحديد المسؤول عن إعدادها واعتمادها.
أما سالي، فتم إيقافها مؤقتًا عن بعض مهامها لحين انتهاء المراجعة، وبعدها انتهى عملها في الشركة في إطار إجراءات إدارية منفصلة عن أي قرار قانوني نهائي.
وفارس اضطر يتعاون مع التحقيقات، ويقدم المستندات اللي طلبتها الإدارة.
ما اتاخدش قرار نهائي بمسؤولية أي شخص إلا بعد مراجعة الأدلة، لكن الثقة اللي كانت بيني وبين فارس كانت اتكسرت بالفعل.
وخلال الفترة دي، استعنت بمحامٍ مستقل لمراجعة كل المستندات اللي تحمل اسمي، وبدأنا الإجراءات اللازمة لحماية حقوقي وتوضيح إني ماوافقتش على المعاملات محل الخلاف.
وبالتوازي، بدأت أراجع اتفاقات المساهمة القديمة المرتبطة ببداية الشركة، عشان أتأكد من حقوقي القانونية والمالية.
ما كنتش عايزة أنتقم من فارس.
كل اللي كنت عايزاه هو الحقيقة، وإن محدش يستخدم اسمي أو مجهودي من غير موافقتي.
وفي النهاية، قررت أبدأ إجراءات الانفصال.
لما فارس عرف بقراري، حاول يقنعني إننا نقدر نرجع زي الأول.
لكنني كنت اتغيرت.
ما بقيتش الست اللي بتتنازل عن أسئلتها عشان تحافظ على هدوء البيت.
ولا الست اللي بتفسر كل تصرف جارح على إنه ضغط شغل.
بقيت عارفة إن الحب مش معناه إني أتنازل عن كرامتي، وإن السنين اللي قضيتها مع شخص مش سبب كافي إني أفضل في علاقة فقدت فيها الثقة.

بعد سنة… اللقاء اللي رجّع لي نفسي
في صباح يوم خميس، كنت واقفة في مطار القاهرة، مستعدة أسافر لحضور مؤتمر خاص بمشروع جديد بدأت أشارك فيه.
المرة دي، كنت مسافرة بصفتي شريكة في مشروع استشاري مستقل، بشتغل فيه على مساعدة الشركات الناشئة في تنظيم خططها المالية والإدارية.
وقفت قدام بوابة السفر، وبصيت للطائرات من خلال الزجاج.
افتكرت اليوم اللي نزلت فيه من طيارة فارس، واللحظة اللي كان فاكر فيها إن خروجي من الطيارة هيكون مجرد نوبة غضب وهتنتهي.
لكن الحقيقة إن الخطوة دي كانت بداية رجوعي لنفسي.
سمعت صوتًا بيناديني.
التفتُّ، ولقيت فارس واقف على بعد خطوات.
كان شكله أهدى من آخر مرة شفته فيها، لكن المسافة اللي بقت بينا كانت أكبر من أي كلام.
قال:
«نهى، ممكن أتكلم معاكي دقيقة؟».
وافقت.
وقفنا بعيد عن الزحام، وبعد لحظات من الصمت قال:
«أنا فكرت كتير في اللي حصل. ويمكن لأول مرة أفهم إن المشكلة ماكانتش في الكرسي، ولا في الرحلة».
فضلت ساكتة.
كمل:
«أنا كنت متخيل إن نجاحي يخليني أقدر أقرر كل حاجة، وإن الناس اللي حواليا لازم تتأقلم مع قراراتي. ونسيت إنك كنتِ شريكتي في حياتي قبل ما أبقى صاحب شركة».
كان واضح إنه بيتكلم بصدق، لكن الصدق المتأخر ماكانش كافي عشان يرجع كل حاجة زي الأول.
قال:
«أنا آسف يا نهى».
بصيت له وقلت:
«أنا بقدّر اعتذارك يا فارس. لكن الاعتذار مش معناه إننا لازم نرجع».
نزل عينه، وبعدها أومأ برأسه.
«فاهم».
قبل ما أمشي، قال:
«أتمنى تكوني بخير».
ابتسمت وقلت:
«أنا فعلًا بقيت بخير».
ومشيت ناحية بوابة السفر، من غير غضب، ومن غير رغبة في إثبات أي حاجة له.
لأنني أخيرًا فهمت إنني مش محتاجة أكسب معركة مع فارس عشان أكون قوية.
أنا كنت محتاجة بس أختار نفسي.
وفي اللحظة اللي افتكر فيها جوزي إن قيمتي بتتحدد بالمكان اللي يسمح لي أقعد فيه، اكتشفت إن قيمتي أكبر بكتير من أي كرسي، وأي طيارة، وأي منصب.
النهاية.
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

4 من 4التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى