روايات وقصص

الجزء الثاني والاخير بقلم محمد عبده

قلت بهدوء:
«أمال ليه عايزني أقول كلام معين قبل ما حد يسألني أصلًا؟».
ما ردش.
وفي اللحظة دي، سالي قربت منه وهمست:
«فارس، إحنا لازم نمشي. الاجتماع مهم، ومش هينفع نتأخر أكتر من كده».
لف ناحيتها وقال بحدة غير معتادة:
«استني شوية يا سالي!».
اتجمدت مكانها.
واضح إنها ما كانتش متعودة إنه يكلمها بالطريقة دي.
أما أنا، فبدأت أربط بين الأحداث.
سالي كانت مصممة تسافر معاه.
فارس كان مصمم إني أرجع الطيارة.
ورئيسة مجلس الإدارة اتصلت فور ما نزلت، وبعدها ظهر موضوع المستندات والمصروفات.
كل ده في نفس اليوم.
هل كان مجرد صدفة؟
ولا كان فيه حاجة بتحصل من ورايا؟
بعد دقائق، وصلني اتصال من رقم غير مسجل عندي.
رديت.
وجالي صوت امرأة هادئ وواثق:
«مساء الخير يا مدام نهى. أنا مريم عبد الرحمن، رئيسة مجلس إدارة الشركة».
قلت:
«أهلًا بحضرتك».
قالت:
«عارفة إن الوقت مش مناسب، لكن محتاجة أقابلك النهارده، لو تقدري».
بصيت لفارس، اللي كان بيراقبني بتركيز شديد.
سألتها:
«خير يا فندم؟».
سكتت للحظة، وبعدها قالت:
«فيه مستندات وصلتني بخصوص بعض المعاملات اللي تمت خلال الشهور الأخيرة، وفيها تفاصيل محتاجة أتأكد منها بنفسي».
قلبي بدأ يدق أسرع.
«معاملات إيه؟».
ردت:
«مش هقدر أشرح كل حاجة في التليفون. لكن فيه اسمك موجود في بعض الأوراق، وده السبب اللي خلاني أطلب أكلمك شخصيًا».
بصيت لفارس مرة تانية.
كان واقف ثابت، لكن إيده اللي ماسكة الموبايل كانت مشدودة بقوة.
سألتها:
«ممكن أعرف إمتى وفين؟».
قالت:
«لو يناسبك، نتقابل بكرة الصبح في مقر الشركة. وهكون ممتنة لو جيتي بنفسك».
وافقت، وقفلت المكالمة.
فارس قرب مني فورًا.
«مريم قالت لك إيه؟».
قلت:
«طلبت تقابلني بكرة».
سأل بسرعة:
«ليه؟».
رديت:
«قالت إن اسمي موجود في بعض المستندات».
للحظة، حسيت إن الأرض اتسحبت من تحت رجليه.
حاول يبتسم، لكن ابتسامته كانت باهتة.
«أكيد فيه خطأ. إنتِ مالكيش علاقة بإدارة الشركة».
بصيت له وقلت:
«ده اللي هنكتشفه بكرة».
وبعدين أخدت شنطتي ومشيت ناحية بوابة المطار.
المرة دي، فارس ما حاولش يمنعني.
لكنه ناداني بصوت مليان توتر:
«نهى! استني!».
وقفت من غير ما ألتفت.
قال:
«أرجوكي، قبل ما تروحي الاجتماع ده، اسمعيني الأول».
لفيت ناحيته.
«كنت بسمعك يا فارس لمدة 11 سنة. وكنت بصدقك كل مرة تقول لي إن مفيش حاجة تقلقني».
سكت لحظة، وبعدها كملت:
«بكرة، أنا اللي هسمع الحقيقة من غير ما أحتاج تفسير منك».
ومشيت.
لكن قبل ما أوصل للعربية، وصلني إشعار على موبايلي من بريد إلكتروني قديم كنت نادرًا ما بفتحه.
كانت رسالة من إدارة الشؤون القانونية في الشركة.
عنوان الرسالة كان:
«طلب عاجل للتحقق من توقيعك على مستندات مالية».
فتحت الرسالة، وبدأت أقرأ أول سطر.
وفي اللحظة دي، إيدي اتجمدت مكانها.
لأن المستندات اللي كانوا بيتكلموا عنها ماكانتش مجرد أوراق تخص رحلة عمل.
كان فيها توقيع باسمي على معاملات مالية أنا ما شفتهاش في حياتي!
والأخطر من كده…
إن تاريخ أول معاملة كان من ستة شهور، في نفس الأسبوع اللي بدأت فيه سالي تشتغل مع فارس.
يا ترى مين استخدم اسمي؟ وإيه اللي كانت سالي بتخبيه؟ وليه جوزي كان مرعوب من مقابلتي لرئيسة مجلس الإدارة؟
يتبع في الجزء الرابع…

الجزء الرابع والأخير: الحقيقة اللي قلبت حياة فارس الشربيني
فضلت باصة لشاشة الموبايل، وأنا مش قادرة أستوعب اللي قريته.
توقيعي موجود على مستندات مالية تخص شركة جوزي، رغم إني ما مضيتش على أي ورقة من دي!
فتحت المرفقات واحد ورا التاني، وكل ما كنت بقرأ أكتر، كنت بحس إن فيه حاجة كبيرة بتحصل من ورايا.
كان فيه تحويلات مالية اتعملت على مدار ستة شهور، وموافقات على مصروفات خاصة برحلات عمل، ومستندات بتثبت إن فيه مبالغ اتصرفت لصالح شركة استشارات خارجية.
والغريب إن كل الموافقات دي كانت تحمل توقيعي الإلكتروني.
لكن أنا عمري ما شفت المستندات دي قبل كده.
اتصلت برقم الشؤون القانونية الموجود في الرسالة، ورد عليّ موظف طلب مني ما أوافقش على أي مستند جديد باسمي قبل ما أقابلهم.
بعد المكالمة، قعدت في العربية فترة طويلة، بحاول أرتب أفكاري.
كان جوايا سؤال واحد مش راضي يسيبني:
هل فارس استخدم اسمي من غير علمي؟
كنت عارفة إن الإجابة ممكن تغير حياتي كلها، لكني قررت إني مش هواجهه قبل ما أعرف الحقيقة كاملة.
رجعت البيت، وقضيت الليلة في مراجعة الرسائل والمستندات القديمة اللي كانت عندي.
وبعد ساعات من البحث، لقيت رسالة قديمة من فارس، كان باعتها لي من حوالي سبعة شهور، وبيطلب مني فيها أساعده في تحديث بعض بيانات الحسابات المرتبطة بالشركة.
وقتها كنت وافقت أساعده، زي ما عملت مئات المرات قبل كده.
لكن الرسالة ماكانش فيها أي موافقة على التحويلات المالية اللي ظهرت في المستندات الجديدة.
وده خلاني أشك إن بياناتي اتستخدمت بطريقة ماكنتش أعرف عنها أي حاجة.

صباح المواجهة
وصلت مقر الشركة الساعة التاسعة صباحًا.
كانت شركة الشربيني للتكنولوجيا في برج إداري كبير في القاهرة الجديدة، والمكان اللي شهد بداية نجاح فارس من سنين.
أول ما دخلت، لاحظت إن الموظفين بيتكلموا بصوت منخفض، وإن فيه حركة غير معتادة في المكاتب.
موظفة الاستقبال طلبت مني أتوجه مباشرة إلى قاعة الاجتماعات الرئيسية.
لما دخلت، لقيت مريم عبد الرحمن، رئيسة مجلس الإدارة، قاعدة على رأس الطاولة.
وكان موجود معاها مدير الشؤون القانونية، والمدير المالي، واثنين من أعضاء مجلس الإدارة.
وبعد دقائق، دخل فارس.
كان لابس بدلة أنيقة، لكنه ماكانش بنفس الثقة اللي شفتها عليه في المطار.
ولما شافني، قرب مني وقال بصوت منخفض:
«نهى، أتمنى إنك فكرتي في كلامي. خلينا نحل الموضوع بهدوء، من غير ما ندخل ناس تانية في حياتنا».
بصيت له وقلت:
«إحنا هنا عشان نعرف الحقيقة، مش عشان نخبيها».
مريم طلبت من الجميع الجلوس، وبعدها بدأت الاجتماع.
قالت بوضوح:
«إحنا مش مجتمعين هنا لمناقشة خلاف عائلي. فيه مراجعة داخلية بدأت بعد ما ظهرت اختلافات في بعض المصروفات والموافقات المالية. وخلال المراجعة، اكتشفنا مستندات تحمل توقيع مدام نهى، وده استدعى التأكد من إنها وافقت فعلًا على المعاملات دي».
بصيت للمدير المالي وقلت:
«أنا ما شفتش المستندات دي قبل كده، وما وافقتش على أي تحويلات من النوع ده».
فارس تدخل بسرعة:
«أكيد فيه خطأ في النظام. نهى كانت بتساعدني أحيانًا في بعض الإجراءات، ويمكن حصل خلط بين الملفات».
مريم بصت له وقالت:
«عشان كده طلبنا مراجعة السجلات الإلكترونية، بدل ما نعتمد على التخمين».
المدير القانوني فتح ملفًا قدامه، وبدأ يشرح إن بعض الموافقات اتسجلت من خلال حساب مرتبط ببياناتي، وإنهم لسه بيتحققوا من الشخص اللي استخدم الحساب بالفعل.
ثم عرض مستندًا آخر.
كان فيه تحويل مالي كبير لصالح شركة استشارات مسجلة باسم شخص تربطه علاقة عمل بسالي منصور.
في اللحظة دي، فارس اتحرك في كرسيه بتوتر.
مريم لاحظت ده، لكنها كملت كلامها.
«الشركة دي حصلت على مبالغ مالية مقابل خدمات استشارية، لكن المراجعة الأولية ما لقتش مستندات كافية تثبت إن الخدمات دي اتنفذت بالشكل المطلوب».
فارس رد بسرعة:
«أنا كنت مسؤول عن الموافقة على التعاقد، وكان عندي أسباب تجارية للقرار ده».
مريم سألته:
«هل عندك مستندات تثبت تنفيذ الخدمات؟».
سكت.
وبعدها قال:
«لازم أراجع الملفات».
مريم أغلقت الملف وقالت:
«وده بالضبط اللي بنحاول نعمله».

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى