
«الموضوع متعلق بالشغل، وإنتِ مش فاهمة التفاصيل».
هزيت راسي ببطء.
«يمكن. لكن أنا مش مضطرة أطلع طيارة عشان أفهم».
وبعدين التفت لمحمود وقلت:
«من فضلك، أنا مش هسافر النهارده».
محمود أومأ باحترام.
أما فارس، ففضل واقف مكانه، وملامحه بتقول إنه بدأ يدرك إن اللي حصل مش مجرد موقف محرج هيعدي بعد شوية.
لأن اللي كان مستنيه بعد المكالمة دي، كان أكبر بكتير من إنه يخسر رحلة واحدة.
يتبع في الجزء الثالث…
الجزء الثالث: السر اللي جوزي كان بيحاول يخبيه عني
أول ما قلت إني مش هسافر، فارس قرب مني وخفض صوته، كأنه بيحاول ينقذ الموقف قبل ما باقي المديرين يلاحظوا إن الأمور خرجت عن سيطرته.
قال بعصبية مكتومة:
«نهى، أنا مش هسمح إن خلاف شخصي بينا يبوظ شغلي قدام الناس. اطلعي الطيارة، ولما نوصل نتكلم براحتنا».
بصيت له وقلت:
«إنت لسه مش فاهم؟ أنا مش زعلانة عشان كرسي. أنا زعلانة لأنك بقيت تتعامل معايا كأني واحدة من موظفينك، وتفتكر إنك تقدر تأمرني وأنا أنفذ من غير ما أسأل».
رد بسرعة:
«أنا عمري ما عاملتك كده!».
ضحكت بمرارة.
«بجد؟ طب ممكن تفكرني آخر مرة سألتني فيها عن رأيي قبل ما تاخد قرار يخصنا إحنا الاتنين؟».
ما ردش.
ولأول مرة، حسيت إن الصمت اللي بينا بقى أوضح من أي كلام ممكن نقوله.
أنا ونهى الشربيني، كنت متجوزة فارس بقالنا 11 سنة.
لما اتعرفنا، ماكانش ملياردير ولا رجل أعمال مشهور. كان شاب طموح بيحاول يبني شركته من الصفر، وكنت أنا اللي بسانده في أصعب فتراته.
كنت براجعه في خططه، وأساعده في تجهيز العروض، وأسهر معاه لحد الفجر لما كان بيكون عنده اجتماع مهم في اليوم التالي.
وفي أوقات كتير، كنت أنا اللي براجع الأرقام والعقود قبل ما يعرضها على المستثمرين.
لكن بعد ما شركته كبرت، بدأ يتغير بالتدريج.
بقى مشغول طول الوقت، ومكالماته بقت سرية، ومواعيد سفره زادت.
وفي البداية، كنت بقول لنفسي إن ده طبيعي، وإن النجاح له تمن.
لكن خلال الشهور الأخيرة، بدأت أحس إني بقيت مجرد تفصيلة في حياته.
أما سالي، فظهرت فجأة، وبقت موجودة في كل مكان.
في الاجتماعات، وفي رحلات العمل، وحتى في المناسبات اللي كان المفروض تكون خاصة بيني وبين جوزي.
ولما كنت بسأله عن سبب قربها منه، كان بيرد بنفس الجملة:
«دي شغلها مهم، وإنتِ مش محتاجة تقلقي من أي حاجة».
كنت بحاول أصدقه.
لكن اللي حصل على الطيارة خلاني أعيد التفكير في كل حاجة.
في اللحظة دي، محمود قرب مني وقال:
«يا مدام نهى، الإدارة طلبت مني أوصل لحضرتك رسالة مهمة».
فارس تدخل على الفور:
«محمود، كفاية! أي رسالة عندك تقولها لي أنا».
لكن محمود بص له باحترام وقال:
«مع كامل احترامي يا أستاذ فارس، التعليمات كانت واضحة. الرسالة موجهة لمدام نهى شخصيًا».
المديرون بدأوا يتبادلوا النظرات.
وسالي كانت واقفة ساكتة، لكن ملامحها اتغيرت تمامًا.
سألت محمود:
«مين اللي عايز يكلمني؟».
رد:
«الأستاذة مريم، رئيسة مجلس الإدارة».
اتسعت عيني فارس للحظة.
رئيسة مجلس الإدارة؟
إيه علاقة مريم باللي بيحصل؟
قبل ما أقدر أسأل، رن موبايل فارس.
بص للشاشة، ولما شاف اسم المتصل، توتر بشكل واضح.
رفض المكالمة.
لكن الموبايل رن تاني فورًا.
المرة دي، رد بصوت حاول يخليه طبيعي.
«أيوه يا أستاذة مريم، إحنا لسه في المطار».
ما سمعتش صوتها، لكني شفت ملامحه وهي بتتغير مع كل ثانية.
في البداية كان متضايق.
وبعدين بقى مرتبك.
وبعدها سكت تمامًا.
وأخيرًا قال:
«لكن يا فندم، أنا مش فاهم سبب القرار ده!».
وقف شوية يستمع، وبعدين قال:
«مفهوم… حاضر».
قفل المكالمة ببطء.
وبص لي.
كانت النظرة دي مختلفة عن كل النظرات اللي شفتها منه قبل كده.
لأول مرة، ماكانش بيبص لي باعتباري زوجته اللي يقدر يقنعها بأي كلام.
كان بيبص لي كأنه اكتشف إن فيه حاجة كبيرة مش في حساباته.
سألته:
«فيه إيه يا فارس؟».
حاول يستعيد هدوءه وقال:
«مفيش حاجة تخصك».
لكن محمود تدخل قبل ما أتكلم.
«في الحقيقة، فيه حاجة تخص مدام نهى فعلًا».
فارس لف ناحيته بعصبية.
«إنت بتتجاوز حدودك!».
محمود ما اتراجعش.
فتح الملف اللي كان في إيده، وطلع منه ورقة، وبعدها قال:
«وصلنا إخطار رسمي من الإدارة بضرورة مراجعة بعض القرارات المالية والإدارية المرتبطة برحلة النهارده».
فارس خطف الورقة من إيده.
قرأ أول سطر.
وبعدين رجع قرأه مرة تانية.
وشه شحب.
سأل بصوت منخفض:
«مين طلب المراجعة دي؟».
رد محمود:
«رئيسة مجلس الإدارة، بناءً على المستندات اللي وصلتلها صباح النهارده».
فارس رفع عينه بسرعة.
«مستندات إيه؟».
محمود قال بهدوء:
«مش من اختصاصي إني أناقش محتواها. لكن الإدارة طلبت وقف اعتماد بعض المصروفات لحين انتهاء المراجعة».
في اللحظة دي، فهمت إن الموضوع أكبر من خلاف عائلي.
لكن السؤال اللي كان بيلف في دماغي هو: إيه علاقة رحلتنا بالمستندات المالية؟
وليه فارس اتوتر بالشكل ده؟
فارس سحبني بعيد عن باب الطيارة، ووقف قدامي.
«نهى، أنا محتاج منك خدمة».
بصيت له باستغراب.
من شوية كان بيأمرني أفتكر مكاني، ودلوقتي بقى بيطلب مني خدمة؟
قلت:
«اتفضل».
قال بسرعة:
«لو مريم سألتك عن أي حاجة حصلت النهارده، قولي إن الموضوع مجرد سوء تفاهم عائلي، وإنك نزلتي من الطيارة بإرادتك».
سألته:
«وإيه اللي ممكن تسألني عنه غير كده؟».
اتردد.
وبعدين قال:
«فيه شوية إجراءات إدارية لازم تخلص، ومش عايز الموضوع يكبر».
بصيت له طويلًا.
«إنت خايف من إيه يا فارس؟».
رد بعصبية:
«أنا مش خايف من حاجة!».




