روايات وقصص

الجزء الثاني والاخير

«غريبة أوي إنك لسه بتكدب، حتى وإنت محاصر من كل ناحية».

وبعدين رفع صوته شوية وقال:

«مدام ليلى، لو سمحتي، اخرجي. مفيش داعي تفضلي مستخبية أكتر من كده».

في اللحظة دي، عرفت إن مفيش فايدة من الاختباء.

خرجت من ورا عربية النظافة بخطوات بطيئة، وأنا لسه لابسة الفستان الرمادي والمريلة البيضا. شعري كان مربوط تحت غطاء بسيط، ووشي كان شاحب من الصدمة والغضب.

أول ما فارس شافني، عينيه اتسعت، وفتح بقه كأنه عايز يتكلم، لكنه ماطلعش منه أي صوت.

نادين قامت من مكانها بسرعة، وشدت الروب الحرير عليها، وبصتلي بارتباك.

أما شريف المحامي، فوقف من مكانه وقال باحترام:

«مدام ليلى، أنا آسف إن حضرتك اضطرّيتي تعرفي الأمور بالطريقة دي».

بصيت لفارس، وحاولت أتكلم بهدوء، رغم إن جوايا كان فيه بركان.

«ما تتعبش نفسك يا أستاذ شريف. أنا اللي لازم أعتذر، لأني وثقت في ناس ماكانوش يستاهلوا ثقتي».

فارس قرب مني خطوة، ومد إيده ناحيتي.

«ليلى، حبيبتي، اسمعيني بس. الموضوع مش زي ما إنتِ فاهمة».

رجعت خطوة لورا، وبصيت له باحتقار.

«حبيبتك؟! إنت لسه عندك الجرأة تناديني كده؟ أنا سمعت كل كلمة قلتها، وشفت الورق اللي كنت بتحاول تزوّر توقيعي عليه. فبلاش تمثل دور الزوج المخلص، لأن المسرحية انتهت».

حاول يضحك ضحكة متوترة وقال:

«إنتِ فهمتي الكلام غلط. أنا كنت بجهز أوراق خاصة بالشركة، وكنت ناوي أشرحلك كل حاجة».

قاطعته فورًا:

«تشرحلي إيه؟ إنك بتغدر بي في بيتي؟ ولا إنك بتخطط تستولى على ممتلكاتي؟ ولا إنك شايفني ست ساذجة تقدر تضحك عليها بمجرد كلمتين حلوين؟»

ماعرفش يرد.

لأول مرة من عشر سنين، شفت فارس واقف قدامي من غير أي إجابة جاهزة، ومن غير ابتسامته المعتادة اللي كان بيخدع بيها كل اللي حواليه.

لكن عماد رفع إيده بهدوء وقال:

«مدام ليلى، أنا عارف إن حضرتك عندك أسئلة كتير، لكن فيه حاجة لازم تعرفيها الأول».

لفيت ناحيته.

«إنت مين بالضبط؟ وإيه علاقتك بأبويا؟»

عماد حط الملف البني على الترابيزة، وفتح أول صفحة فيه.

«أنا كنت المدير المالي لمجموعة شركات والدك لمدة خمسة عشر عامًا. وكنت من أقرب الناس ليه في الشغل. قبل وفاته بفترة قصيرة، طلب مني أراجع بعض الحسابات، لأنه اكتشف اختلافات في أرقام مالية مهمة».

حسيت بقلبي بينقبض.

أبويا توفى من خمس سنين، بعد أزمة صحية مفاجئة. وقتها فارس كان أكتر واحد وقف جنبي، وكان هو اللي تولى متابعة بعض الإجراءات الخاصة بشركات العيلة، بحجة إنه عايز يخفف عني المسؤولية.

سألت عماد بصوت مرتعش:

«اختلافات إيه؟»

فتح الملف، وطلع مجموعة من الكشوف والمستندات.

«كان فيه تحويلات مالية خرجت من حسابات مرتبطة بالشركة، واتسجلت تحت بنود مصروفات إدارية. لكن لما راجعت الحسابات، اكتشفت إن جزءًا من الفلوس اتحول لحسابات شركات تانية ملهاش علاقة بنشاط المجموعة».

بصيت لفارس.

كان واقف ساكت، وعينيه بتتنقل بين الأوراق وعماد.

عماد كمل:

«والدك طلب مني أحتفظ بنسخ من المستندات لحد ما نعرف الحقيقة كاملة. لكنه توفى قبل ما يقدر يواجه المسؤول عن التحويلات».

حطيت إيدي على صدري، وحاولت أستوعب كلامه.

«إنت بتقول إن فيه حد سرق فلوس أبويا قبل ما يموت؟»

رد عماد بحذر:

«أنا بقول إن فيه معاملات مالية غير مبررة، وإن المستندات اللي معايا بتثير أسئلة خطيرة. لكن تحديد المسؤولية بشكل نهائي محتاج مراجعة قانونية كاملة».

فارس استغل اللحظة، وقال بسرعة:

«وده بالضبط اللي كنت بحاول أوضحه! عماد كان مسؤول عن الحسابات، وهو اللي كان عنده صلاحية الوصول لكل المستندات. مش معنى إن فيه تحويلات إن أنا ليا علاقة بيها».

عماد بص له بثبات.

«صحيح، أنا كنت مسؤول عن مراجعة الحسابات. وعشان كده عندي نسخ من التقارير الأصلية، وعندي كمان مراسلات بتوضح مين طلب تنفيذ بعض التحويلات».

وبعدين طلع ورقة تانية، وحطها قدامنا.

«ودي نسخة من رسالة إلكترونية اتبعتت قبل وفاة والدك بأسبوعين».

قربت من الترابيزة، وبصيت للورقة.

كان مكتوب فيها طلب مراجعة عاجلة لعدد من التحويلات، وفي آخر الرسالة ظهر اسم فارس بصفته الشخص اللي طلب اعتماد بعض المصروفات.

حسيت إن الدنيا بتلف بيا.

«فارس… إنت كنت بتتصرف في فلوس الشركة من ورا أبويا؟»

رد بسرعة:

«كنت مسؤول عن إدارة جزء من العمليات، وده كان بموافقته!»

عماد رد:

«لو ده صحيح، يبقى سهل نثبت الموافقات من خلال السجلات الأصلية».

فارس سكت.

وفي اللحظة دي، نادين اتكلمت لأول مرة من وقت ما دخلت.

«أنا كمان عندي حاجة لازم تعرفوها».

كلنا بصينا ناحيتها.

فتحت شنطتها، وطلعت فلاشة صغيرة، وحطتها على الترابيزة.

فارس اتغير لونه فورًا.

«إيه اللي معاكي ده يا نادين؟»

ردت وهي بتبص له بحدة:

«نسخة من ملفات كنت مخبيها في مكتبك. أنا ماكنتش أعرف إن الموضوع وصل للدرجة دي، لكن لما بدأت أشوف تحويلات غريبة ومستندات باسم ليلى، قررت أحتفظ بنسخ».

فارس قرب منها بعصبية.

«إنتِ سرقتي ملفاتي؟»

نادين رجعت لورا وقالت:

«أنا أخدت نسخ من المستندات اللي كنت بتستخدمها عشان تخدعني أنا كمان. إنت وعدتني إنك هتطلق ليلى، وإن كل حاجة هتكون قانونية. لكن اكتشفت إنك كنت بتجهز أوراق تنقل بيها ممتلكاتها من غير علمها».

بصيت لنادين، وقلت بمرارة:

«يعني إنتِ كنتِ عارفة إني مرات فارس، ومع ذلك جيتي بيتي ولبستي هدومي، ووافقتي تشاركيه في خطته؟»

نادين نزلت عينيها.

«أنا مش هطلب منك تسامحيني، لأن اللي عملته غلط. في البداية، فارس قال لي إن جوازكم انتهى من زمان، وإنكم عايشين مع بعض لمجرد المصالح. وبعد كده عرفت الحقيقة، لكني كنت دخلت في الموضوع بالفعل، وفضلت أصدق وعوده».

رديت عليها ببرود:

«كونه كدب عليكي مش بيمسح إنك شاركتي في أذيتي».

هزت راسها وقالت:

«أنا عارفة. وعشان كده هسلّم كل اللي عندي للمحامي، ومستعدة أقول الحقيقة كاملة».

فارس بص لنا كلنا، وبعدها ضحك ضحكة عصبية.

«ممتاز! يعني كلكم قررتوا تتجمعوا ضدي في بيتي؟»

بصيت له مباشرة وقلت:

«ده مش بيتك يا فارس. ده بيتي أنا، وإنت كنت مجرد شخص سمحت له يعيش فيه لأنه كان جوزي».

اتغيرت ملامحه، وقال بصوت غاضب:

«إنتِ فاكرة إنك تقدري تطرديني وتاخدي كل حاجة؟ إنتِ ناسية إني أنا اللي كنت بدير الشركة طول السنين اللي فاتت؟ أنا اللي كبرت أعمال العيلة، وأنا اللي خليت اسمكم يبقى له قيمة في السوق!»

ابتسمت بحزن.

«الشركة كانت موجودة قبل ما تعرفني، وقبل ما تدخل حياتي. وأبويا هو اللي بناها. إنت ساعدت في إدارتها، وده شيء مش هننكره، لكن ده مش معناه إن من حقك تستولى عليها».

ثم التفت إلى شريف وقلت:

«أستاذ شريف، عايزة مراجعة شاملة لكل الحسابات، ومراجعة قانونية لكل المستندات اللي اتقدمت باسمي. ومش عايزة أي تصرف جديد في ممتلكاتي أو أصول الشركة قبل ما نعرف الحقيقة».

شريف هز رأسه وقال:

«هنبدأ الإجراءات فورًا، وهنحتفظ بنسخ موثقة من كل المستندات، وهنراجع أي تصرف حصل من غير موافقة قانونية صحيحة».

فارس بص لي، ولأول مرة شفت الخوف الحقيقي في عينيه.

لكنه ماكانش مستعد يستسلم بسهولة.

قرب مني، وقال بصوت منخفض:

«ليلى، إنتِ بتعملي أكبر غلطة في حياتك. لو فتحتي الملفات دي، مش هتقدري ترجعي كل حاجة زي الأول».

بصيت له، وسألته:

«تقصد إيه؟»

سكت لحظة، وبعدها قال:

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى