روايات وقصص

طردوني من فندقي الجزء الاخير بقلم محمد عبده

أما أمينة، اللي وقفت جنبي من غير ما تعرف أنا مين، فكان لازم تاخد حقها.

طلبت من إدارة الموارد البشرية تكريمها رسميًا، وترشيحها لبرنامج تطوير مهني يساعدها على التقدم في شغلها.

ولما دخلت مكتبي عشان تسمع القرار، كانت متوترة.

قلت لها:

«أمينة، إنتِ عملتي حاجة بسيطة في نظر ناس كتير، لكن بالنسبة لي كانت أهم موقف حصل من ساعة ما وصلت الفندق.»

ردت باستغراب:

«أنا عملت اللي أي حد المفروض يعمله يا فندم.»

ابتسمت وقلت:

«وده بالضبط السبب اللي يخلينا نقدر موقفك. لأن الاحترام الحقيقي مش محتاج حد يطلبه، ولا محتاج تعرفي الشخص اللي قدامك مهم ولا لأ.»

عينيها دمعت، وقالت:

«ربنا يكرم حضرتك. أنا بس ماكنتش أحب أشوف حد محتاج مساعدة ومحدش يسأله.»

قمت من مكاني وسلمت عليها، وقلت لها إن الفندق محتاج ناس عندها ضمير زيها، وإن الباب مفتوح قدامها للتعلم والتطور.

بعد انتهاء المرحلة الأولى من التحقيق، أصدرت قرارًا بتغيير نظام الحجوزات بالكامل.

أي تعديل على حجز مؤكد بقى لازم يكون له سبب واضح، وموافقة موثقة، وسجل إلكتروني يحدد الشخص اللي نفذ التعديل ووقته.

وكمان اتعملت قناة مستقلة لاستقبال شكاوى النزلاء، بحيث مايبقاش الشخص المسؤول عن المشكلة هو نفسه المسؤول عن إغلاق الشكوى.

وتم تدريب الموظفين على التعامل باحترام مع كل الضيوف، مهما كانت ملابسهم أو ظروفهم أو قيمة الغرفة اللي حجزوها.

لكن أهم قرار اتخذته كان متعلقًا بالجملة المحفورة على الحائط الرخامي:

«كل ضيف يستحق أن يشعر بالاهتمام والتقدير.»

طلبت إضافة الجملة دي إلى دليل العمل الرسمي، وربط تقييم أداء الموظفين بطريقة تطبيقهم لها، بدل ما تفضل مجرد كلمات جميلة في مدخل الفندق.

لأن الفندق الفاخر مش هو المكان اللي فيه رخام لامع وثريات غالية وخدمات باهظة.

الفندق الحقيقي هو المكان اللي الإنسان يدخله وهو مطمئن إنه مش هيتعرض للإهانة لمجرد إن شكله مش عاجب حد.

وفي مساء يوم الجمعة، رجعت مع نور إلى بهو الفندق.

كانت ماسكة إيدي، وباصّة حواليها بإعجاب.

وقفت قدام الحائط الرخامي، وقرأت الجملة بصوت طفولي:

«كل ضيف يستحق إنه يحس بالاهتمام والتقدير.»

وبعدين بصتلي وسألتني:

«ماما، هو الناس لازم تبقى غنية عشان حد يعاملها كويس؟»

السؤال البسيط ده وجع قلبي أكتر من كل التقارير اللي قريتها خلال الأسبوع.

نزلت لمستواها، ومسكّت إيديها بين إيديا.

قلت لها:

«لأ يا حبيبتي. الناس تستحق الاحترام عشان هما بشر، مش عشان معاهم فلوس أو عشان لابسين هدوم غالية.»

ابتسمت وقالت:

«يعني الراجل اللي زعقلك كان غلطان؟»

ضحكت بهدوء وقلت:

«أيوه، كان غلطان. بس إحنا كمان لازم نتعلم إننا ما نحكمش على الناس بسرعة، وإن الغلط لازم يتصلح.»

في اللحظة دي، أمينة خرجت من الممر وشافتنا.

قربت وسلمت على نور، وبعدها قالتلي:

«الحمد لله إن الأمور بدأت تتحسن يا فندم.»

بصيت لها وقلت:

«لسه قدامنا شغل كتير، لكن المهم إننا بدأنا نصلح الغلط.»

وبعدين بصيت ناحية مكتب الاستقبال.

كان فيه موظف جديد بيساعد أسرة وصلت الفندق، والأب كان لابس هدوم بسيطة، والأم شايلة طفل صغير.

الموظف استقبلهم بابتسامة، وبدأ يراجع حجزهم بهدوء.

وقفت أراقب الموقف من بعيد.

ماكانش فيه تصفيق، ولا كاميرات، ولا حد يعرف إن صاحبة الفندق واقفة بتتفرج.

لكن بالنسبة لي، المشهد ده كان أهم من أي تقرير أرباح.

لأنه كان معناه إن التغيير بدأ يظهر في المكان اللي المفروض يظهر فيه فعلًا: في طريقة تعامل الناس مع بعض.

بعد أسابيع، استمرت الجهات المختصة في مراجعة المستندات والشبهات المرتبطة بالتلاعب بالحجوزات، وتم التعامل مع كل حالة وفقًا للأدلة المتاحة والإجراءات الرسمية.

وبعض الضيوف اللي اتضرروا من التغييرات حصلوا على تسويات ورد للمبالغ اللي ثبت استحقاقهم لها.

أما أنا، فاحتفظت بباقة الورد الأحمر اللي اشتريتها في ذكرى وفاة زوجي.

الورد كان بدأ يذبل، لكني ماقدرتش أرميه.

حطيته في إطار زجاجي صغير في مكتبي، جنب صورة زوجي.

كان هو الشخص اللي علمني إن النجاح الحقيقي مش إنك تملك مكان كبير، لكن إنك تقدر تخلي المكان ده مصدر خير للناس.

وفي يوم، وأنا ببص على الورد، افتكرت اللي حصل في أول ليلة.

افتكرت شريف وهو بيقولي أدور على فندق أرخص.

وافتكرت كمال وهو بيضحك.

وافتكرت أمينة وهي بتقف جنبي من غير ما تعرف اسمي.

وفهمت إن الليلة دي، رغم قسوتها، كشفت لي حقيقة مهمة.

أنا ماكنتش محتاجة أثبت لشريف أو كمال إني أستحق الدخول للفندق، لأن المكان كان ملكي من البداية. اللي كنت محتاجة أثبته هو إن قيمتي، وقيمة أي إنسان، مش بتتحدد من شكل هدومه أو حجم حسابه البنكي.

أما هما، فكان لازم يتعلموا إن السلطة من غير ضمير ممكن تتحول إلى ظلم، وإن كلمة صغيرة فيها إهانة ممكن تكشف مشكلة أكبر بكتير من اللي صاحبها متخيلها.

وفي النهاية، ماكانش أهم انتصار بالنسبة لي إن موظف اتعاقب، أو إن مدير فقد منصبه، أو إن التحقيق كشف مخالفات.

أهم انتصار كان إن المكان رجع أقرب للمبدأ اللي اتبنى عشانه من البداية.

إن كل ضيف، مهما كان، يدخل وهو مطمئن إنه هيتعامل باحترام.

وإن محدش يضطر يثبت إنه غني أو مهم عشان يحصل على أبسط حقوقه.

لأن الاحترام مش امتياز للأغنياء، والكرامة مش خدمة إضافية بتتضاف على فاتورة الغرفة. الاحترام حق لكل إنسان.

تمت القصة.
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

3 من 3التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى