روايات وقصص

الجزء الثاني والثالث بقلم محمد عبده

— ولو أنا رفضت؟

اتغيرت وشها، وقالت بحدة:

— ساعتها ما تلوميش غير نفسك.

بصيت لمجدي، لقيته ساكت تمامًا، وكأنه مستني أمه تخلص كلامها بالنيابة عنه.

ساعتها فهمت إن الاتنين متفقين، وإن حماتي مش مجرد شخص بيدافع عن ابنه.

كانت عارفة تفاصيل الخطة.

صباح يوم الاجتماع، وصلت الشركة قبل الموعد بنصف ساعة.

كنت لابسة بدلة رسمية كحلية، وماسكة ملف فيه نسخ من المستندات اللي جمعتها، ومعايا المستشار ياسر.

قبل الاجتماع بدقايق، وصلتني رسالة من سالي.

«أنا تحت في الاستقبال، ومعايا اللي وعدتك بيه.»

نزلت لها.

لقيتها واقفة جنب المدخل، ووشها شاحب، وإيديها بتترعش وهي ماسكة ظرفًا بنيًا.

قالت بصوت واطي:

— أنا عارفة إن حضرتك عندك كل الأسباب اللي تخليكي تكرهيني، لكن أرجوكي اسمعيني للآخر.

رديت ببرود:

— اتكلمي.

فتحت الظرف وطلعت مجموعة من الأوراق ونسخة من مراسلات داخلية.

— مجدي طلب مني أجهز مستندات تخص نقل بعض الصلاحيات، وقال لي إن حضرتك موافقة. أنا ما كنتش أعرف إن التوقيع ممكن يكون مش توقيعك الحقيقي.

بصيت لي وسألتها:

— وإنتِ نفذتي كلامه من غير ما تتأكدي؟

نزلت عينيها للأرض.

— أيوه. ودي كانت غلطتي. لكن لما عرفت إن فيه مستندات ممكن تتقدم للمساهمين باعتبارها موافقة منك، خفت. خصوصًا لما سمعت مجدي بيتكلم مع أمه عن ضرورة إنهاء الإجراءات قبل الاجتماع.

قلبت الأوراق بسرعة.

كان بينها مراسلات بتوضح إن فيه محاولات لتجهيز قرارات إدارية ومالية، وإن بعض المستندات اتجمعت على أساس إنها معتمدة من الإدارة.

لكن هل كان التوقيع مزورًا فعلًا؟ وهل اتستخدمت الأوراق بالفعل؟

ما كنتش هقدر أحكم من الصور والمراسلات وحدها.

قلت لسالي:

— هسلّم كل المستندات دي للمحامي، وهو اللي هيحدد إزاي نتحقق منها قانونيًا. ولو فيه أي حاجة تانية تعرفيها، لازم تقوليها بوضوح.

هزت راسها، وبعدها قالت جملة خلتني أرفع عيني لها بسرعة:

— فيه حاجة لازم تعرفيها عن مدام سهام.

— أمي؟ مالها؟

اترددت للحظة، ثم قالت:

— هي اللي رتبت أول مقابلة بين مجدي والمستثمر اللي عايز يشتري جزء من الشركة. وكانت عارفة إنهم بيحاولوا يلاقوا طريقة تدي مجدي سلطة أكبر في الإدارة.

وقفت مكاني.

حماتي كانت مشاركة في الترتيبات من البداية!

وقبل ما أسألها أي سؤال تاني، رن جرس المصعد.

خرج مجدي منه، وشافنا واقفين مع بعض.

اتجمد في مكانه للحظة، وبعدين قرب بسرعة.

— إنتوا بتعملوا إيه هنا؟

سالي ارتبكت، لكني وقفت قدامه بثبات.

— بنتكلم في شغل الشركة.

بص لسالي بغضب.

— إنتِ فاكرة إنك كده بتحمي نفسك؟ إنتِ مش عارفة إنتِ بتلعبي مع مين!

تدخل المستشار ياسر وقال بحزم:

— أي خلاف يخص الشركة هيتناقش في إطاره القانوني، وأي مستندات هتتراجع بالطريقة الصحيحة. والأفضل إن كل طرف يلتزم بالإجراءات الرسمية.

مجدي حاول يبتسم، لكنه كان متوترًا بشكل واضح.

— مفيش أي مشكلة. إحنا داخلين اجتماع مهم، ومش عايز حد يعطل الشغل.

وبعدين بص لي وقال:

— خلينا نخلص الاجتماع، وبعدها نتكلم في كل حاجة.

دخلنا قاعة الاجتماعات، وكان فيها المساهمون وأعضاء الإدارة، ومعاهم رجل غريب قاعد جنب مجدي.

كان في الخمسينات من عمره، لابس بدلة رمادية، وقدامه ملف كبير.

همس لي المستشار ياسر:

— ده غالبًا المستثمر اللي سالي كانت بتكلم عنه. خلينا نسمع الأول ونتأكد من طبيعة الاتفاق.

بدأ مجدي الاجتماع، واتكلم عن نجاح الشركة وخطط التوسع، وبعدها انتقل فجأة لموضوع إعادة تنظيم الإدارة.

قال بثقة:

— الشركة محتاجة قرارات أسرع، ولازم نقلل التعطيل الإداري. وعشان كده، أنا شايف إننا نمنح الإدارة التنفيذية صلاحيات أوسع في التصرف في بعض الأصول وإبرام الاتفاقات الاستثمارية.

وبعدين عرض المستند اللي عليه التوقيع المنسوب لي.

— وده مستند بيثبت إن نور وافقت مبدئيًا على الترتيبات دي.

كل العيون اتجهت ناحيتي.

رفعت إيدي وقلت:

— أنا ما وافقتش على المستند ده، ومحتاجة أعرف مصدره، وإزاي اتقدم باعتباره موافقة مني.

اتغيرت ملامح مجدي، لكنه حاول يسيطر على نفسه.

— نور، إحنا اتكلمنا في الموضوع ده قبل كده.

رديت فورًا:

— لأ، ما اتكلمناش، وأنا ما وقعتش على الورقة دي.

بدأت الهمسات تنتشر في القاعة.

في اللحظة دي، تدخل المستشار ياسر وطلب إثبات اعتراضنا في محضر الاجتماع، وتأجيل أي قرار يعتمد على المستند محل النزاع لحين التحقق منه، وفقًا للإجراءات القانونية وعقد الشركة.

مجدي اعترض بشدة، لكن بعض المساهمين بدأوا يطالبوا بتوضيح رسمي.

أما المستثمر، ففضل ساكتًا وهو بيتابع كل كلمة.

وفجأة، رفع إيده وقال:

— قبل ما نكمل، أعتقد إن فيه معلومة مهمة لازم كل الموجودين يعرفوها.

فتح الملف اللي قدامه، وطلع ورقة.

بص لمجدي، وبعدها بص لي.

— إحنا دخلنا في مفاوضات مبدئية بخصوص شراء حصة في الشركة، لكن قبل ما نمضي أي اتفاق نهائي، وصلتنا مستندات ومعلومات خلتنا نطلب مراجعة مستقلة لكل التفاصيل.

مجدي اتوتر.

— تقصد إيه يا أستاذ؟

رد المستثمر بوضوح:

— أقصد إننا مش هنكمل أي صفقة قبل ما نتأكد من صحة المستندات، ومصدر الصلاحيات اللي اتبنى عليها المقترح.

وبعدين حط الورقة على الترابيزة وقال:

— والأهم من ده كله، إن فيه بند في اتفاق المفاوضات بيشترط موافقة المساهمين المعنيين حسب الإجراءات القانونية قبل إتمام أي تصرف جوهري في الأسهم أو الأصول.

بصيت لمجدي، وشفت لأول مرة إن ثقته بدأت تهتز.

لكنه فجأة التفت ناحية الباب، وكأنه شاف شخصًا ما كانش متوقع حضوره.

كلنا بصينا وراه.

كانت حماتي، سهام، داخلة القاعة، وفي إيدها ملف أبيض.

قربت من مجدي، وهمست له بكلمتين، لكن صوتها كان واضحًا بما يكفي إني أسمعها:

— الورقة الأصلية مش معايا… ومش لاقياها!

مجدي فقد لونه، وبص لها بصدمة.

أما أنا، فحسيت إن اللحظة اللي استنيتها قربت.

لأن الورقة الأصلية اللي بيتكلموا عنها ممكن تكون المفتاح اللي يكشف حقيقة كل اللي حصل.

لكن قبل ما أقدر أسأل أي سؤال، مد المستثمر إيده لملفه وطلع مستندًا آخر، وقال بصوت هادي:

— قبل ما نقرر أي حاجة، فيه اسم لازم نتكلم عنه. الاسم ده موجود في مستندات الشركة من سنين، ومش اسم نور ولا مجدي.

ثم رفع عينيه ناحيتي وقال:

— أستاذة نور، هل تعرفي مين الشخص اللي كان مسؤول عن مراجعة المستندات المالية وقت تأسيس الشركة؟ لأن اسمه ظهر في مستند جديد، وممكن يغيّر فهمنا لكل اللي حصل.

بصيت للمستند، ولما شفت الاسم المكتوب عليه، حسيت بصدمة أكبر من صدمة الخيانة نفسها.

لأن الاسم كان لشخص من أقرب الناس ليا!
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

4 من 4التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى