
وبعد دقائق، سمعت صوته وهو بيتكلم في التليفون في الصالة.
كان بيتكلم بصوت واطي، لكني قدرت أسمع اسم واحد بوضوح.
سالي.
وبعدين سمعته بيقول:
— نور بدأت تتحرك، ولازم نخلص الموضوع قبل ما تعرف باقي الحقيقة.
وقفت ورا الباب، وقلبي بيدق بسرعة.
وبعد لحظات، قال جملة أخيرة خلتني أفهم إنهم كانوا مخططين لكل حاجة من قبل ما أرجع من السفر.
— أيوه يا أمي، زي ما اتفقنا. لازم ننفذ الخطوة التانية قبل اجتماع المساهمين.
اجتماع المساهمين؟ والخطوة التانية؟
رجعت لورا وأنا بحاول أرتب أفكاري.
كان فيه اجتماع مهم للشركة بعد أيام قليلة، وكنت أنا صاحبة النسبة الأكبر من الأسهم.
إيه اللي كانوا بيجهزوا له؟ وليه كانوا مستعجلين ينفذوا خطتهم قبل الاجتماع؟
في اللحظة دي، وصلني إشعار على موبايلي من رقم مجهول.
فتحت الرسالة، ولقيت صورة لمستند عليه توقيع يشبه توقيعي، وتحت الصورة جملة قصيرة:
«لو مضيتي على الورقة دي قبل كده، لازم تعرفي إن مجدي مش بس بيخونك… ده ممكن يكون بيستخدم اسمك من غير علمك.»
فضلت باصة للصورة، وإيدي بتترعش.
لأني كنت متأكدة من حاجة واحدة…
أنا ما شفتش الورقة دي في حياتي، وما مضيتش عليها أبدًا!
الجزء الثالث: اكتشفت إن جوزي كان بيستخدم اسمي من ورايا… لكن اللي حصل في اجتماع الشركة قلب كل الموازين!
فضلت ماسكة الموبايل، وببص للصورة اللي وصلتني من الرقم المجهول.
المستند كان عبارة عن تفويض إداري، مكتوب فيه إني موافقة على منح مجدي صلاحيات واسعة للتصرف في بعض الأصول والقرارات المالية الخاصة بالشركة.
وفي آخر الصفحة كان فيه توقيع باسمي.
توقيعي أنا!
أو على الأقل توقيع شبهه لدرجة تخلي أي حد يشوفه يفتكره حقيقي.
حاولت أهدى نفسي، وفتحت الصورة مرة تانية وكبّرتها. كان فيه تاريخ مكتوب من حوالي شهرين، في الوقت اللي كنت فيه مسافرة الإسكندرية لحضور مؤتمر خاص بالتكنولوجيا.
أنا فاكرة اليوم ده كويس، لأني وقتها كنت بتابع شغل الشركة من الفندق، وما روحتش مقرها نهائي.
مين اللي عمل الورقة دي؟ وإزاي وصلت لمرحلة إن فيه حد بيستخدم اسمي؟
كتبت للرقم المجهول:
«مين إنت؟ وجبت المستند ده منين؟»
استنيت الرد، لكن مفيش أي إجابة وصلت.
بعد دقائق، اتصلت بالمستشار ياسر.
— أستاذ ياسر، أنا بعت لحضرتك صورة مستند مهم. محتاجة أعرف إذا كان ممكن يكون مزور، وإيه التصرف القانوني الصح.
رد بجدية:
— ما تواجهيش مجدي دلوقتي، وما تتهميش حد قبل ما نفحص المستند. احتفظي بالرسالة الأصلية، وهنتأكد من مصدر الورقة وطريقة تقديمها وأي سجلات مرتبطة بيها.
سألته بقلق:
— ولو التوقيع مش توقيعي فعلًا؟
قال:
— ساعتها هنحتاج فحص متخصص، وهنشوف إذا كان المستند اتستخدم في أي إجراء رسمي أو مالي. لكن ما تستبقيش الأحداث يا نور. لازم نثبت كل حاجة بالأدلة.
قفلت المكالمة، وأنا حاسة إن حياتي اللي كنت فاكرة إني مسيطرة عليها بدأت تكشف لي أسرار أكتر مما كنت أتخيل.
لكن قررت ما أسيبش الخوف يتحكم فيا.
لو مجدي فاكر إني هانهار وأتنازل عن حقي لمجرد إنه جوزي، يبقى هو لسه ما يعرفنيش كويس.
تاني يوم الصبح، رحت مقر الشركة في القاهرة الجديدة.
أول ما دخلت، لاحظت إن الموظفين بيتكلموا بصوت واطي، وكل ما أعدي من جنب مجموعة منهم، يسكتوا فجأة.
دخلت مكتبي، ولقيت مساعدة الإدارة مستنياني.
قالت بتوتر:
— صباح الخير يا أستاذة نور. أستاذ مجدي طلب مننا نبلغ حضرتك إن فيه اجتماع للمساهمين بكرة الساعة عشرة الصبح.
سألتها:
— الاجتماع اتحدد إمتى؟
— من يومين، يا فندم.
استغربت، لأن أي اجتماع مهم للمساهمين كان المفروض يوصلني إخطار رسمي بيه، خصوصًا إن الموضوع متعلق بمستقبل الشركة.
طلبت منها نسخة من الدعوة وجدول الأعمال.
وبعد ما خرجت، اتصلت بالمستشار ياسر وطلبت منه يراجع الإجراءات المطلوبة لحضور الاجتماع وممارسة حقوقي كمساهمة.
بعدها دخلت على النظام الداخلي للشركة، وبدأت أراجع المستندات اللي مسموح لي بالاطلاع عليها.
وهنا كانت المفاجأة.
لقيت إن فيه مقترح لإعادة تنظيم الإدارة التنفيذية، ومعاه طلب لدراسة بيع جزء من أصول الشركة لمستثمر خارجي.
الأغرب إن المقترح كان بيقدم مجدي باعتباره المسؤول الأساسي عن استقرار الشركة، بينما بيصورني على إني بقيت بعيدة عن الإدارة بسبب ظروف شخصية.
حسيت بغضب شديد.
هو مش بس بيحاول يقلل من دوري قدام الموظفين، ده كمان بيجهز رواية كاملة يقدر يستخدمها عشان يقنع المساهمين إن وجودي في الإدارة بقى عبئًا عليهم.
لكن كان فيه حاجة مش مفهومة.
ليه مستعجل بالشكل ده؟
وليه عايز يخلص كل حاجة قبل ما أراجع المستندات؟
في نفس اليوم، وصلتني مكالمة من سالي، سكرتيرته.
أول ما رديت، قالت بصوت متوتر:
— أستاذة نور، أنا محتاج أقابلك.
سكت لحظة، وبعدها سألتها:
— خير يا سالي؟ فيه حاجة؟
قالت بسرعة:
— مش هقدر أشرح في التليفون. بس لازم حضرتك تعرفي إن فيه حاجات بتحصل في الشركة مش زي ما أستاذ مجدي بيقول.
كنت متوقعة إنها هتحاول تدافع عن نفسها أو تبرر اللي حصل بينها وبين جوزي، لكن نبرة صوتها كانت مختلفة.
قلت لها:
— أنا مش مستعدة أسمع تبريرات عن علاقتك بجوزي.
ردت بصوت مخنوق:
— أنا عارفة إني غلطت، ومش بطلب من حضرتك تسامحيني. لكن فيه موضوع تاني أخطر، وأنا مش عايزة أتحمل مسؤوليته لوحدي.
سألتها:
— موضوع إيه؟
قالت:
— هقابلك بكرة قبل اجتماع المساهمين. وهجيب معايا مستندات لازم تشوفيها بنفسك.
وافقت على المقابلة، لكني ما قلتلهاش إني بدأت أشك إن الموضوع أكبر من مجرد خلاف بيني وبين مجدي.
في المساء، رجعت البيت ولقيت حماتي سهام قاعدة في الصالة، بتشرب الشاي وبتتكلم مع مجدي كأن كل شيء طبيعي.
أول ما شافتني، ابتسمت ابتسامة مستفزة.
— أهلًا يا بنتي! عاملة إيه؟ سمعت إنك بقيتي تلفّي على المحامين والشركة. هو إحنا وصلنا للدرجة دي؟
حطيت شنطتي على الترابيزة وقلت:
— اللي وصلنا للدرجة دي هو اللي حصل من ورايا، مش إني بدافع عن حقي.
ضحكت بسخرية.
— حقك؟ إنتِ ناسية إن مجدي هو اللي تعب في الشركة؟ هو اللي كان بيخرج ويقابل الناس ويتابع الموظفين، وإنتِ كنتِ بتعملي إيه غير إنك تحطي فلوسك؟
بصيت لها بهدوء.
— الفلوس اللي حطيتها كانت بداية الشركة، وأنا اشتغلت فيها سنين. وعندي مستندات تثبت حقي، مش محتاجة حد يعترف بيه من باب المجاملة.
قامت من مكانها، وقربت مني.
— اسمعي يا نور، أنا هقولك نصيحة لوجه الله. وقّعي على التسوية اللي مجدي قدمها لك، وخدي مبلغ تعيشي بيه مرتاحة. بدل ما تدخلي نفسك في قضايا ومحاكم وتخسري كل حاجة.
ابتسمت ابتسامة خفيفة.



