
سألته:
— وكل اللي أنا بنيته معاك؟ ده ما كانش يخوفك إنك تخسره؟
سكت.
كملت كلامي:
— أنا وقفت جنبك لما ما كانش عندك أي حاجة. حطيت فلوس أهلي في مشروعنا، واشتغلت ليل ونهار، وكنت بعتبر نجاحك نجاح لينا إحنا الاتنين. لكن إنتَ لما الشركة كبرت، نسيت مين كان معاك من البداية.
نزل عينيه للأرض، وبعد لحظات قال:
— أنا عارف إني ظلمتك.
كانت دي أول مرة أسمعه يعترف بشيء من اللي عمله، لكن الاعتراف جه متأخر جدًا.
قال:
— طب قولي لي أعمل إيه عشان تسامحيني؟
رديت بهدوء:
— مش كل حاجة ينفع تتصلح باعتذار. أنا ممكن أسامحك يومًا ما عشان أرتاح من الوجع، لكن ده مش معناه إني أرجع أعيش معاك.
رفع عينيه ليا، وكانت الصدمة واضحة عليه.
يمكن كان متوقع إني أصرخ أو أطلب منه يترجاني، لكنه ما كانش متخيل إني أوصل لمرحلة ما يبقاش فيها رجوع.
أنهينا اللقاء، واستكملنا إجراءات الطلاق وفقًا للقانون، مع تسوية الحقوق المالية التي ثبتت بالمستندات والاتفاقات الصحيحة.
أما أي مسؤولية تتعلق بالمستندات المالية والإدارية محل النزاع، فتم التعامل معها من خلال الإجراءات القانونية المختصة، بدلًا من إصدار أحكام من غير تحقيق.
### وماذا حدث لسالي وحماتي؟
سالي حاولت تتواصل معايا بعد الاجتماع.
قالت لي إنها ندمانة على اللي حصل، وإنها كانت فاكرة إن مجدي هيطلقني فعلًا ويتجوزها، وإنها هتعيش حياة مختلفة معاه.
لكنها اكتشفت إن الوعود اللي كان بيقولها لها ما كانتش مضمونة، وإنها دخلت نفسها في مشكلة أكبر مما توقعت.
سمعتها للنهاية، وبعدها قلت لها:
— أنا مش هقدر أرجع أثق فيكي، ومش هقدر أعتبر اللي حصل مجرد غلطة صغيرة. لكن لو عندك مستندات أو معلومات مهمة، قدميها للجهات المختصة، وقولي الحقيقة كاملة.
أما حماتي سهام، فحاولت تتصل بيا أكثر من مرة.
في البداية كانت بتطلب مني أرجع لمجدي عشان أحافظ على العيلة، وبعدها بدأت تتكلم عن كلام الناس وسمعة ابنها.
وفي آخر مكالمة، قالت لي:
— يا نور، مهما حصل، مجدي يفضل جوزك، والعشرة ما تهونش.
رديت عليها:
— العشرة ما تهونش يا طنط سهام، لكن اللي يهدمها هو الغدر. أنا ما طلبتش من ابنك غير الصدق والاحترام، وهو اللي اختار طريق تاني.
سكتت شوية، وبعدها قالت:
— يعني مش هترجعي له؟
قلت:
— لأ.
قفلت المكالمة، وحسيت براحة غريبة.
لأول مرة من سنين، ما بقيتش حاسة إني مسؤولة عن إرضاء كل الناس على حساب نفسي.
### القرار اللي محدش كان متوقعه
بعد انتهاء المراجعات الأساسية، رجعت أفكر في مستقبل الشركة.
كان عندي اختيارين.
الأول إني أبيع حصتي لمستثمر جديد، وأبدأ حياة مختلفة بعيدًا عن كل الذكريات.
والتاني إني أحتفظ بملكيتي وأعيد تنظيم الإدارة، بحيث الشركة ما تبقاش مرتبطة بشخص واحد مهما كان منصبه.
درست الاختيارين مع المستشارين، وقررت إني مش هاخد قرار البيع تحت ضغط أو بدافع الانتقام.
أنا أسست الشركة عشان يكون عندي مشروع ناجح، مش عشان أثبت لمجدي إني أقدر أكسب عليه.
عقدت اجتماعًا جديدًا للمساهمين، وقدمت خطة لإعادة تنظيم الإدارة، وتحديد صلاحيات التوقيع والموافقة على المصروفات، وتطبيق مراجعة مالية مستقلة بصورة دورية.
وأكدت إن أي تعاملات مع المستثمرين هتتم من خلال إجراءات واضحة، وبموافقة الجهات المختصة داخل الشركة حسب عقدها والقانون.
وفي الاجتماع ده، وقفت قدام الجميع وقلت:
— الشركة دي بدأت بحلم ومجهود وفلوس اتحطت عشان نبني مستقبل. وأنا مش هسمح إن الخلافات الشخصية تهدد شغل أكتر من تمانين موظف. من النهارده، كل قرار هيكون واضح، وكل مسؤول هيتحاسب على شغله، ومفيش حد هيبقى فوق القواعد.
الخطة حصلت على الموافقات المطلوبة من المساهمين وفقًا للإجراءات المعتمدة، وبدأنا ننفذها تدريجيًا.
أما مجدي، فبعد انتهاء فترة المراجعة، لم يعد يتمتع بنفس النفوذ الإداري اللي كان بيحاول يوسعه لنفسه، وتم التعامل مع وضعه داخل الشركة وفقًا للقرارات الرسمية والنتائج اللي ثبتت.
وبعد شهور، بدأت الشركة تستعيد استقرارها، ونجحنا في الاحتفاظ بالعملاء الأساسيين، وفتحنا باب التوسع في مشروعات جديدة.
وفي يوم الاحتفال بمرور عشر سنين على تأسيس الشركة، وقفت في قاعة الاجتماعات أبص على الموظفين وهم بيصفقوا.
افتكرت أول يوم بدأنا فيه، والفلوس اللي استثمرتها، والليالي الطويلة اللي قضيتها في الشغل، وكل المرات اللي كنت فاكرة فيها إن الحفاظ على البيت معناه إني أتنازل عن نفسي.
لكن الحقيقة اللي اتعلمتها كانت مختلفة.
الحفاظ على البيت مش معناه إنك تسمح لحد يهدم كرامتك، والحفاظ على العِشرة مش معناه إنك تتنازل عن حقك.
بعد الاحتفال، رجعت مكتبي، وفتحت درجًا صغيرًا كنت محتفظة فيه بالساعة اللي اشتريتها لمجدي يوم رجوعي من باريس.
كانت لسه مكسورة.
فضلت أبص لها شوية، وبعدها حطيتها في علبة وقفلت الدرج.
ما احتفظتش بيها عشان أعيش في الماضي، لكن عشان أفتكر اليوم اللي اكتشفت فيه الحقيقة، واليوم اللي قررت فيه ما أسمحش للخوف يحدد مستقبلي.
خرجت من المكتب، وقفت قدام الشباك، وبصيت للقاهرة وهي بتنور مع غروب الشمس.
كنت لوحدي، لكن لأول مرة من سنين ما حسيتش بالوحدة.
كنت حرة.
حرة إني أبدأ من جديد، وأختار مين يستحق يدخل حياتي، وأعيش من غير ما أضطر أبرر قيمتي لأي حد.
أما مجدي، فخسر العلاقة اللي كان ممكن يحافظ عليها بالصدق، وخسر الثقة اللي ما ينفعش تتبني بالأعذار.
وأنا؟
أنا ما كسبتش لمجرد إني قدرت أواجهه.
أنا كسبت يوم ما فهمت إن قيمتي مش مرتبطة بوجوده في حياتي، وإن حقي مش محتاج موافقته عشان يفضل حقي.
النهاية.
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”




