روايات وقصص

القصة كاملة بقلم محمد عبده

«جلال حبيبي، أنا اكتشفت إن فؤاد بيزوّر العقود وبيسحب فلوس من المشروع من غير علمك. واجهته، لكنه هددني وقال لي إن سكوتي هو اللي هيحافظ على بيتنا. أنا خايفة منه، وخايفة على بنتنا نهى. لو حصل لي أي حاجة، أوعى تفتكر إن اللي حصل كان مجرد حادث. دور على الأوراق اللي في الملف الأزرق».

أبويا ماقدرش يكمل القراءة.

دموعه نزلت وهو ماسك جواب أمي.

قال بصوت مكسور:

— يعني روز كانت عارفة كل حاجة، وكانت بتحاول تحمينا.

المحامي فتح الملف الأزرق اللي كان موجود في الصندوق، وبدأ يراجع الأوراق.

كانت فيه نسخ من عقود، وتحويلات مالية، ومستندات بتثبت إن فؤاد كان متورط في عمليات تزوير واستيلاء على أموال.

لكن وسط الأوراق لقينا حاجة أغرب.

ورقة بتاريخ قريب من يوم ولادتي أنا.

كانت أمي محتفظة بنسخة من تقرير طبي قديم، ومعاه خطاب من المستشفى بيأكد إن فيه خطأ إداري حصل أثناء تسجيل بيانات إحدى الحالات.

أبويا بص للتقرير وقال:

— أنا مش فاهم إيه علاقة ده بالموضوع.

المحامي رد:

— ممكن يكون فيه صلة بين المستشفى وفؤاد، لكن لازم نفحص المستندات ونتأكد من صحتها.

في اللحظة دي، شغلنا شريط التسجيل.

طلع صوت أمي واضح، وهي بتتكلم مع شخص اسمه فؤاد.

قالت له:

— أنا مش هسكت على اللي عملته، وهسلم كل الأوراق لجلال.

فؤاد رد بعصبية:

— إنتِ مش فاهمة إنتِ بتلعبي مع مين!

وبعدها انتهى التسجيل.

أبويا قفل عينيه، وقال:

— أنا كنت فاكر إني خسرت كل حاجة يوم ما روز ماتت، لكن واضح إنهم كانوا بيحاولوا ينهوا حياتنا من زمان.

بعد يومين، المحامي قدر يوصل لمعلومات مهمة من خلال المستندات اللي اتسلمت للجهات المختصة.

واتضح إن فؤاد المنشاوي كان متورطًا في تزوير مستندات قديمة تخص مشروع أبويا، وإنه استخدم علاقاته علشان يضغط على شهود ويخفي بعض الأوراق.

أما سعاد، فكانت عارفة جزءًا من الحكاية، وكانت بتحاول تحافظ على مصالح أخوها.

لكن المفاجأة اللي قلبت القضية كانت في ملف المستشفى.

التحقيقات كشفت إن التقرير الخاص بحالة بنتي اتعرض لتعديلات غير مبررة، وإن توقيعي على الإقرار الطبي لم يكن مطابقًا للأصل.

كمان ظهر إن فيه تأخير في الاستجابة للحالة رغم طلب المساعدة أكثر من مرة.

وبناءً على التقارير والشهادات، بدأت الجهات المختصة تحقيقًا موسعًا مع إدارة المستشفى والأشخاص المسؤولين عن الملف.

أما محمود، فبدأت تظهر معاملاته المالية وعلاقته ببعض الشركات اللي كان فؤاد بيتعامل معاها.

ولما واجهوه بالمستندات، حاول ينكر كل حاجة.

لكن مريم الممرضة كانت قدمت شهادتها، والتسجيل الصوتي اتسلم للجهات المختصة لفحصه.

وبعد أسابيع من التحقيقات، اتضح إن محمود كان عارف إن فيه تلاعب في بعض المستندات، وإنه وافق على تقديم إقرار غير صحيح ضدي.

وقتها فهمت إنه ماكانش مجرد زوج ضعيف الشخصية بيخاف من أمه.

ده كان شخص اختار يقف مع اللي ظلموني.

بعد مرور شهرين، كنت قاعدة في بيت أبويا، وبحاول أتعافى من العملية ومن الصدمة اللي مريت بيها.

دخل أبويا عليا ومعاه ورقة.

قال لي:

— عندي ليكي خبر، بس عايزك تكوني قوية.

سألته:

— حصل إيه يا بابا؟

قال:

— التحقيقات خلصت جزء كبير من مراجعة واقعة المستشفى، وفيه مسؤولين اتوقفوا عن العمل لحين استكمال الإجراءات، والملف اتحول للجهات القضائية المختصة.

وبعدها سلمني ورقة تانية.

كانت ورقة الطلاق.

محمود أخيرًا وافق ينهي الزواج، بعد ما اكتشف إن محاولاته للضغط عليا مش هتنجح.

بصيت للورقة، وماحسيتش بأي فرحة.

كل اللي حسيت بيه إني أخيرًا خرجت من علاقة كانت بتسحب مني عمري يوم ورا يوم.

سألت أبويا:

— ومحمود؟

قال:

— هو وأمه كل واحد فيهم بقى بيواجه التحقيقات الخاصة بيه، وفؤاد كمان مش هيقدر يهرب من المستندات اللي ظهرت.

بعدها بأيام، وصلني خطاب من مريم الممرضة.

كانت بتعتذر لي عن إنها ماقدرتش تعمل أكتر وقت الولادة، وبتقول إنها أخيرًا قدرت تتكلم من غير خوف.

احتفظت بالخطاب جنب صورة ليلى الصغيرة.

كنت كل ليلة ببص للصورة وأقول:

— حقك مش هيضيع يا بنتي.

بعد ستة شهور، رجعت لشغلي في ترميم الوثائق القديمة.

وفي يوم، وصلني خطاب من جهة خيرية كانت بتتعامل مع مجموعة شركات أبويا.

كان فيه اقتراح بإنشاء مركز لدعم الأمهات والأطفال، وتقديم المساعدة القانونية والطبية للأسر اللي بتتعرض للإهمال أو الاستغلال.

أبويا عرض عليا أكون مسؤولة عن المشروع.

وافقت فورًا.

اخترت للمركز اسم «ليلى»، علشان اسم بنتي يفضل موجود ويساعد أطفال تانيين.

وفي يوم الافتتاح، وقف أبويا جنبي، وكان ماسك صورة أمي في إيده.

قال لي:

— أمك كانت بتحب تساعد الناس، ولو كانت عايشة كانت هتكون فخورة بيكي.

حضنته وقلت:

— أنا اتعلمت منك يا بابا إن الإنسان ممكن يخسر حاجات كتير، لكن ماينفعش يخسر حقه في الحقيقة.

بعد الافتتاح، رجعت البيت وفتحت درج صغير كنت محتفظة فيه بساعة أمي القديمة.

الساعة اللي خبّيت جواها أول رسالة لأبويا.

مسكتها وابتسمت وسط دموعي.

يمكن بنتي ليلى ماخدتش فرصتها في الحياة، ويمكن أمي راحت بدري، لكن الاتنين فضلوا سبب إني أكون أقوى.

أما سعاد، فبعد ما كانت بتفتخر إنها صاحبة علاقات ونفوذ، بقت بتواجه نتائج تصرفاتها، ومحمود خسر زواجه وثقة الناس فيه، وفؤاد اتفتح ضده ملف قديم كان فاكر إنه اتقفل للأبد.

وأنا؟

ما رجعتش لمحمود، وما طلبتش منه اعتذار، ولا حتى حاولت أعرف إذا كان ندمان ولا لأ.

لأن فيه حاجات لما بتتكسر، الاعتذار مش بيرجعها زي الأول.

وفي آخر يوم من السنة، وقفت قدام قبر أمي، وحطيت وردة بيضا، وقلت:

«سامحيني يا أمي إني ماعرفتش الحقيقة غير متأخر… بس أوعدك إن بنتك مش هتسكت عن الظلم تاني».

وبصيت للسما وقلت:

«ربنا يرحمك يا ليلى… يمكن ما لحقتش أشيلك بين إيديا، لكن هفضل طول عمري شايلة اسمك في قلبي».

تمت.

العبرة من الحكاية: مش كل اللي بيضحك في وشك بيكون بيحبك، ومش كل اللي ساكت بيكون ضعيف. ساعات الحقيقة بتتأخر، لكنها تفضل مستنية اللحظة اللي تظهر فيها.
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

4 من 4التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى