
أمي حاولت تتواصل معايا أكتر من مرة، لكني طلبت منها تسيب لي وقتي ومساحتي.
ما كنتش عايزة أعيش باقي عمري وأنا بحارب الناس اللي المفروض يكونوا سندي.
في صباح هادئ من أيام الشتاء، رحت المكان اللي كنت مجهزاه لبنتي قبل ما أولدها.
كانت الأوضة لسه زي ما هي.
السرير الصغير في مكانه.
الهدوم مرتبة داخل الدولاب.
واللعبة اللي كنت اشتريتها لها لسه موجودة فوق الكومودينو.
دخلت وقعدت على الكرسي الصغير.
مسكت قطعة ملابس صغيرة، ودموعي نزلت من غير ما أحاول أمنعها.
همست:
“كان نفسي أشوفك يا بنتي. كان نفسي أسمع صوتك وأناديكي باسمك.”
كنت مسمياها مريم.
اسم اخترته علشان كنت بحس إنه يحمل كل معاني الطهر والرحمة.
فضلت قاعدة فترة طويلة، وبعدين فتحت الشباك ودخلت هواء الصباح.
لأول مرة، ما حسيتش إني لازم أكون قوية طول الوقت.
فهمت إن من حقي أحزن، ومن حقي أفتكر بنتي، ومن حقي أبدأ من جديد من غير ما أنسى إنها كانت جزءًا من حياتي، حتى لو وجودها كان قصيرًا.
بعد أيام، رجعت الشركة.
استقبلني الموظفون بحفاوة كبيرة، وكان ماركوس واقف عند مدخل مكتبي.
قال مبتسمًا:
“رجوعك للمكتب معناه إن الشركة رجعت لصاحبتها الحقيقية.”
ابتسمت وقلت:
“الشركة عمرها ما كانت مجرد فلوس. دي سنين من عمري وتعب ناس كتير.”
دخلت مكتبي، وفتحت الدرج اللي كنت محتفظة فيه بصورة الموجات الصوتية لبنتي.
حطيتها في إطار صغير على مكتبي.
ما كنتش عايزة أخفي ذكراها.
ولا عايزة أتصرف كأنها ما كانتش موجودة.
وفي نفس اليوم، قررت أخصص جزءًا من أرباح الشركة لدعم الأمهات اللي بيمروا بتجارب حمل صعبة، ومساعدة السيدات اللي بيتعرضوا للهجر وقت الأزمات الطبية.
ما كانش القرار انتقامًا من حد.
كان محاولة إني أحول جزءًا من الألم اللي عشته لحاجة ممكن تساعد إنسان تاني.
وقبل نهاية اليوم، وصلتني رسالة من رقم أمي:
“وحشتيني يا بنتي. نفسي أشوفك.”
قريتها أكتر من مرة.
ما رديتش فورًا.
حطيت الموبايل على المكتب، وبصيت لصورة مريم.
كنت عارفة إن بعض العلاقات ممكن تحتاج سنين علشان تتصلح، وإن فيه جروح مش بتختفي بمجرد كلمة آسف.
لكن كنت متأكدة من حاجة واحدة:
أنا مش هسمح لحد تاني يخليني أحس إني بلا قيمة، لمجرد إنه قرر يتخلى عني وقت ضعفي.
فقدت بنتي، وخسرت جوزي، واكتشفت حقيقة عيلتي بالطريقة الأصعب.
لكنني ما خسرتش نفسي.
وفي النهاية، عرفت إن أغلى حاجة ممكن يمتلكها الإنسان مش الفلوس، ولا المنصب، ولا حتى اسم العيلة.
أغلى حاجة هي كرامته، وقدرته إنه يبدأ من جديد مهما كانت الخسارة كبيرة.
تمت النهاية.




