Uncategorizedروايات وقصص

الجزء الثاني والاخير

— وأنا طول عمري كنت حاسة إن فيه حاجة ناقصة في حياتي. لما عرفت الحقيقة، حسيت إن كل الذكريات اللي عشتها اتقلبت.

قربت منها، لكني ما لمستهاش.

قلت لها:

— أنا مش عايزة أغيّر حياتك، ولا أطلب منك تنسي الناس اللي ربوكي. دول ليهم فضل كبير عليكي. أنا بس نفسي تسمحي لي أكون موجودة في حياتك من النهارده.

في اللحظة دي، مريم قامت من مكانها.

وقربت مني خطوة، وبعدها حضنتني بقوة.

حضن فضلنا فيه   إحنا الاتنين، كأننا بنحاول نعوض عشرين سنة ضاعت من عمرنا.

بعد أيام، مريم طلبت تشوف أوراق محمود كلها.

قعدنا سوا وبدأنا نراجع الرسائل والتحويلات القديمة.

وفجأة لقيت ورقة مختلفة عن باقي الأوراق.

كانت مكتوبة بخط محمود، وعليها تاريخ قبل وفاته بشهرين.

فتحتها وبدأت أقرأ:

«يا مريم…

يمكن ما أكونش قدرت أكون أبوكي في حياتك، لكن عمري ما بطلت أحبك.

أنا كنت بشوف صورك كل سنة، وأتابع أخبارك من بعيد.

كنت أعرف إنك كبرتي، وعرفتك لما اتجوزتي، وفرحت لما بقي عندك أطفال.

كنت نفسي أخبط على بابك وأقولك أنا أبوكي، لكن خوفي من إني أسبب لك أكبر كان بيمنعني.

الفلوس اللي كنت ببعتها مش تمن سكوت حد، ولا مقابل إنك تفضلي بعيدة عني.

دي حقك، وكنت بحاول أأمن مستقبلك بيها.

سامحيني إني اخترت الصمت بدل المواجهة.

وسامحي أمك، لأنها عاشت كل السنين دي وهي فاكرة إنها   .

لو قدرتوا تتقابلوا يومًا، أتمنى ماتضيعوش وقتكم في اللوم.

العمر قصير، والحب اللي بين الأم وبنتها أكبر من أي سر».

في آخر الورقة، كان فيه رقم حساب بنكي ومستندات تثبت إن محمود كان بيجمع جزءًا كبيرًا من مدخراته لمريم.

لكن المفاجأة إن المبلغ ماكانش مجرد تحويلات شهرية.

كان فيه مبلغ كبير حاطه باسمها، عشان يضمن لها ولأطفالها مستقبلًا آمنًا.

مريم فضلت تبكي وهي بتقرأ.

وقالت:

— طول عمري كنت فاكرة إن أبويا الحقيقي ماكانش مهتم بيا، لكن واضح إنه كان بيدور عليا طول الوقت.

مسحت دموعي وقلت لها:

— محمود غلط لما خبّى الحقيقة، لكنه كان بيحبك يا بنتي.

بعد شهر، اتجمعنا كلنا في بيتي.

مريم وجوزها وأطفالها، وسارة وأولادها.

ولأول مرة من عشرين سنة، البيت اللي كان مليان حزن ووحدة بقى مليان ضحك وأصوات أطفال.

كان فيه مكان فاضي جنب الكنبة القديمة.

وفجأة افتكرت كريم، الشاب اللي اشترى الكنبة.

لولا بنته اللي وقّع منها القلم، ولولا إنه قلب الكنبة عشان يطلعه، كان ممكن الرزمة تفضل مخبّية لسنين تانية.

اتصلت بيه وشكرته على أمانته.

قلت له:

— إنت ماتعرفش عملت إيه في حياتي. إنت رجعتلي بنت كنت فاكرة إني فقدتها للأبد.

فرح جدًا، وقال لي إن بنته لسه بتسأل عن الكنبة، وإنها بتحبها.

ضحكت وقلت له:

— خليها عندكم يا ابني، الكنبة دي بقت ليها حكاية عمرها ما هتتنسي.

وفي ليلة هادية، كنت قاعدة في الصالة ومعايا مريم وسارة.

بصيت للكنبة الجديدة اللي اشتريناها، وافتكرت محمود.

افتكرت عناده، وابتسامته، وطريقته وهو بيربت على المكان اللي جنبه ويقول لي:

«الكنبة دي بتخلينا نقعد قريبين من بعض».

وقتها فهمت إن الكنبة ماكنتش مجرد قطعة أثاث قديمة.

كانت صندوقًا شايل سرًا، وذكرى، واعترافًا تأخر عشرين سنة.

لكن رغم كل الوجع، كنت ممتنة إن الحقيقة ظهرت قبل ما تضيع الفرصة الأخيرة.

اتعلمت إن الأسرار مهما فضلت مستخبية، ممكن ييجي يوم وتظهر… وإن الحب الحقيقي مش معناه إننا نخبي الحقيقة عن اللي بنحبهم بحجة حمايتهم، لأن ساعات الصمت بيوجع أكتر من الحقيقة نفسها.

ومن يومها، بقيت أقول لكل أم وأب:

ماتأجلوش الكلام المهم، وماتسيبوش الخوف ياخد منكم سنين كان ممكن تعيشوها مع أحبابكم.

النهاية.

4 من 4التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى