روايات وقصص

الجزء الثاني والاخير

دخل فارس، وكان شكله مختلف تمامًا.

هدومه مش مرتبة، وشه مرهق، وعينيه باين فيها إنه منامش من أيام.

وقف بعيد عن السرير وقال:

«ممكن أتكلم معاكي؟»

رديت ببرود:

«اتكلم».

قعد على الكرسي، وطلع من جيبه ورقة قديمة.

قال:

«دي نتيجة فحوصات عملتها من عشر سنين. وقتها الدكتور قالي إن عندي مشكلة ممكن تخلي الإنجاب صعب جدًا، وإن فرصتي في إني أبقى أب ضعيفة».

بصيت له من غير ما أتكلم.

كمل:

«أنا اتصدمت وقتها، وبدل ما أواجه الحقيقة معاكي، قررت أهرب. كنت خايف تشوفيّ راجل ناقص، أو تحسي إنك اتجوزتي شخص مش هيقدر يحقق حلمك».

قلت له:

«وعلشان كده كنت بتفتعل الخناقات كل ما أهلي يسألوك عن الأطفال؟»

هز رأسه.

«أيوه، لكن ده مش مبرر للي عملته. أنا غلطت في حقك، وكذبت عليكي، وسمحت لسارة تدخل بينا».

سألته:

«طب والتقارير اللي بتقول إن فيه تلاعب؟»

قال:

«والدي كان شاكك إن سارة بتتدخل في علاجي، وإنها بتخفي عني معلومات مهمة. لكني مكنتش بسمع كلامه».

وبعدها نزل رأسه وقال:

«ليلى، أنا مش جاي أطلب منك ترجعي لي. أنا جاي أقولك إنك تستحقي تعرفي الحقيقة، وإن الطفل ده ملوش أي ذنب في اللي حصل».

بصيت له وقلت:

«طفلي مش محتاج أب غني، ولا محتاج بيت كبير، ولا محتاج حراسة طول اليوم. هو محتاج أب يحترم أمه، ويكون مصدر أمان ليه، مش مصدر خوف».

دموع فارس نزلت لأول مرة قدامي.

قال:

«عارف إني خسرت حقّي في إني أطلب منك أي حاجة».

في نفس اليوم، بدأت الجهات المختصة تتحرك بعد تقديم المستندات والأدلة ضد سارة.

وبعد مراجعة التحويلات والتقارير الطبية، اتضح إنها كانت بتتدخل في علاجي من سنين، وبتستخدم علاقاتها علشان تغيّر بعض الوصفات الطبية من غير علمي.

كمان اتكشف إنها كانت بتخفي عن فارس معلومات تخص حالته الصحية، وبتستغل خوفه من عدم الإنجاب علشان تفضل مسيطرة على قراراته.

أما سارة، فبعد اختفائها، تم العثور عليها في شقة تابعة لأحد معارفها.

حاولت تنكر كل حاجة، لكن الأدلة كانت واضحة.

وفي التحقيقات، اعترفت إنها كانت بتخاف إن فارس يتغير بعد ما يبقى عنده طفل، وإنها كانت عايزاه يفضل متعلق بيها طول العمر.

لكنها ما اعترفتش بالذنب بسهولة، وفضلت تحاول تلومني وتقول إني السبب في كل اللي حصل.

وفي النهاية، بدأت الإجراءات القانونية ضدها وضد كل شخص شارك في التلاعب بالأدوية والمستندات.

أما فارس، فكان عليه يواجه عواقب اعتدائه عليّ، وبدأت إجراءات الانفصال بينا.

بعد أسبوعين، سمح لي الدكتور أخرج من المستشفى.

الحمد لله، حالتي اتحسنت، والجنين كان بخير، لكن الدكتور أكد عليّ ضرورة الراحة والمتابعة المستمرة.

خرجت من المستشفى وأنا مسنودة على إيد أمي.

كان فارس واقف بعيد، مستنيني.

قرب مني وقال:

«ليلى، ممكن أطلب منك طلب أخير؟»

بصيت له.

قال:

«عايز أطمن على ابني من وقت للتاني، حتى لو مش هتسامحيني».

رديت بهدوء:

«لو عايز تبقى أب، لازم تتعلم الأول إن الأبوة مسؤولية، مش مجرد اسم في شهادة الميلاد».

هز رأسه وقال:

«عندك حق».

وبعدين مد لي ظرفًا.

فتحته، ولقيت فيه أوراق تنازل عن أي حق مالي يخصني في ممتلكاته الخاصة، بالإضافة إلى مستندات تثبت حقي وحق طفلي في الميراث اللي وصّى بيه والده.

قلت له:

«أنا مش عايزة فلوسك يا فارس».

رد:

«دي مش فلوسي لوحدي. ده حقك وحق ابنك، ووالدي كان موصي بيه قبل ما يموت. مش من حقي أحرمكم منه».

أخدت الأوراق، وقلت له:

«هحتفظ بيها علشان ابني، مش علشانك».

وبعدها مشيت من غير ما أبص ورايا.

مرت خمسة شهور.

كنت عايشة في شقة صغيرة قريبة من بيت أهلي، وبدأت أرجع لشغلي بالتدريج.

مكنتش الحياة سهلة، لكن لأول مرة من سنين، كنت بصحى الصبح من غير ما أخاف من صوت باب بيتفتح، أو من خناقة ممكن تبدأ من غير سبب.

كنت بتابع حملي بانتظام، وكل مرة أسمع فيها نبض الجنين، كنت بحس إن ربنا بيعوضني عن سنين الوجع.

وفي يوم، وأنا في الشهر التاسع، جالي اتصال من المستشفى.

بدأت آلام الولادة.

أمي جريت معايا، وبعد ساعات طويلة من التعب، سمعت صوت بكاء طفل صغير.

الدكتورة ابتسمت وقالت:

«مبروك يا مدام ليلى، ربنا رزقك بولد جميل».

دموعي نزلت وأنا بمد إيديا وأخده لحضني.

بصيت لوشه الصغير وهمست:

«أهلًا بيك يا حبيبي… أخيرًا بقيت أم».

سميته آدم.

بعد الولادة بيوم، الممرضة قالت لي إن فيه شخص واقف بره وعايز يشوف الطفل.

عرفت إنه فارس.

طلبت منه يدخل، لكنه وقف عند الباب، وكأنه خايف يقرب.

أول ما شاف آدم، عينيه اتمليت بالدموع.

قال بصوت مبحوح:

«ده ابني؟»

ابتسمت ابتسامة بسيطة وقلت:

«أيوه، ده آدم».

قرب خطوة، وبص للطفل طويلًا.

«ممكن أشيله؟»

فضلت ساكتة لحظة، وبعدها سمحت له يشيله تحت إشراف الممرضة.

أخد آدم بين إيديه، وبدأ يبكي.

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى