
— مين عمل كده؟
الرجل بص لياسين.
— أخوك.
ياسين رجع خطوة.
— أخويا عمر؟
هز رأسه.
— أيوه.
ما قدرتش أتكلم.
عمر…
أخو ياسين الأصغر.
الشخص اللي كنت دايمًا أعتبره أقرب واحد لياسين.
اللي كان بيزورنا.
واللي كان دايمًا يقول لي:
“لو احتجتي أي حاجة، أنا موجود.”
قلت:
— مستحيل.
الرجل أخرج ملفًا صغيرًا.
— دي أوراق التسليم.
ياسين أخدها.
قرأ الاسم.
وبعدين رفع عينيه.
— الطفل اتسلم لعائلة مين؟
الرجل قال:
— عائلة الراوي.
سألت:
— مين دول؟
— عيلة كانت بتشتغل مع والدك.
قلب ياسين الأوراق بسرعة.
وفجأة وقف.
— العنوان فين؟
الرجل قال:
— فيلا قديمة في طريق القاهرة ـ الإسكندرية الصحراوي.
ياسين بص لي.
— هنروح.
قلت:
— حالًا.
ركبنا العربية.
طوال الطريق ما حدش اتكلم.
بعد حوالي ساعة ونصف، وصلنا للعنوان.
كانت فيلا كبيرة، لكن شكلها قديم.
الباب الخارجي كان مفتوح.
دخلنا.
ما كانش فيه حراسة.
ولا عربيات.
ولا أي صوت.
ناديت:
— في حد هنا؟
ما حدش رد.
دخلنا الصالة.
وفجأة سمعنا صوت طفل بيضحك.
وقفت مكاني.
ضحكة صغيرة.
لكنها كانت كفاية.
بصيت لياسين.
هو كمان سمعها.
مشي ناحية الصوت.
فتح باب غرفة صغيرة.
وفي الداخل…
كان فيه ولد قاعد على الأرض، بيلعب بعربية صغيرة.
رفع رأسه.
بص لياسين.
وبعدين بص لي.
تجمدت.
نفس الشعر.
نفس العينين.
نفس شكل الحاجب.
لكن كان فيه شيء آخر.
شيء ما ينفعش يتفسر إلا بكلمة واحدة:
ابني.
قربت منه ببطء.
ركعت قدامه.
قلت بصوت مرتعش:
— حبيبي…
الولد رجع للخلف.
كان واضح إنه خايف.
وقتها ياسين وقف بعيد.
ما قربش.
يمكن لأنه فهم إن الطفل محتاج يحس بالأمان الأول.
مديت إيدي.
— أنا مش هأذيك.
الولد بص لي.
وبعدين سأل:
— إنتِ مين؟
دموعي نزلت.
قلت:
— أنا ماما.
الولد سكت.
بص لي كأنه بيحاول يفتكر كلمة سمعها قبل كده.
وبعدين قال:
— ماما قالت إن أمي ماتت.
اتجمدت.
— مين مامتك؟
الولد أشار للباب.
— الست اللي كانت هنا.
لكن الباب كان فاضي.
ياسين دخل بسرعة.
— فين الست دي؟
الولد أشار للترابيزة.
كان عليها ظرف.
أخدناه.
فتحته.
جواه ورقة واحدة.
مكتوب فيها:
“لو وصلتم لحد هنا، يبقى عمر فشل في إنه يخفي الحقيقة.”
بصيت لياسين.
— عمر؟
قلبنا الورقة.
وفي ظهرها كان فيه رقم هاتف.
ياسين اتصل.
الرنة الأولى.
الثانية.
الثالثة.
ثم جاء الرد.
صوت عمر.
— كنت عارف إنكم هتوصلوا.
ياسين انفجر:
— إنت عملت إيه في ابني؟!
عمر ضحك ضحكة قصيرة.
— ابنك؟
سكت لحظة.
ثم قال:
— لأ يا ياسين.
— ده ابن ليلى.
سكت عمر.
ثم قال:
— وده سبب إن أبوك كان خايف منه.
قفلت المكالمة.
ياسين بص لي.
— هو فين دلوقتي؟
قبل ما أرد، وصلتنا رسالة من عمر.
كان فيها عنوان جديد.
وتحت العنوان جملة واحدة:
“لو عايزين تعرفوا ليه ابنكم كان لازم يختفي… تعالوا لوحدكم.”
بصيت للولد.
ثم لياسين.
لكن قبل ما نتحرك، الولد مسك إيدي.
وقال:
— بابا كان بيقول إنكم لو جيتوا هنا…
سألته:
— قال إيه؟
الولد قرب مني وهمس:
— قال إنكم ما ينفعش تثقوا في عمو عمر.
رفعت عيني لياسين.
ولأول مرة، ما كانش عندنا أي شك.
عمر كان بيخبي حاجة أكبر.
لكن اللي ما كناش نعرفه…
إن الحقيقة اللي مستنيانا في العنوان الجديد ما كانتش تخص عمر وحده.
كانت تخص أبو ياسين نفسه.
والوثيقة اللي كانت مع عمر قادرة تثبت إن كل اللي حصل من خمس سنين كان مخطط له من البداية.
وفي الطريق للعنوان، وصلني اتصال من رقم مجهول.
رديت.
الصوت قال:
— ليلى… لو وصلتي للمكان ده، ما تدخليش.
قلت:
— مين؟
قال:
— الشخص اللي أنقذ ابنك من الموت.
وقبل ما أقفل، قال جملة واحدة:
— ابنك مش هو الطفل الوحيد اللي أخفوه عنك.
وانقطع الخط.
بصيت لياسين.
ما احتجناش نتكلم.
لأننا فهمنا إن النهاية اللي كنا فاكرين إنها قربت…
لسه وراها سر أخطر.
والحقيقة الأخيرة كانت على بُعد دقائق فقط.
وده الجزء الأخير، هنقفل فيه كل الخيوط ونكشف الحقيقة كاملة.
العربية كانت ماشية بسرعة على الطريق، لكن بالنسبة لي كانت كل دقيقة بتعدي كأنها ساعة.
الجملة اللي سمعتها في التليفون كانت بتتكرر في دماغي:
“ابنك مش هو الطفل الوحيد اللي أخفوه عنك.”
بصيت على ياسين.
كان ساكت، لكن ملامحه كانت مختلفة.
قال:
— ليلى، مهما حصل لما نوصل، خليكي ورايا.
قلت:
— مش هسيب ابني تاني.
— وأنا مش هسيبك.
وصلنا للعنوان.
كان عبارة عن مخزن قديم على أطراف المدينة.
الباب الحديدي كان مفتوح.
دخلنا.
في آخر المكان كان فيه رجل واقف.
ولما قربنا، عرفته.
كان عمر.
أخو ياسين.
ياسين وقف قدامه.
— فين الحقيقة؟
عمر ابتسم.
— أخيرًا وصلتوا.
اندفعت ناحيته.
— ابني ليه اتاخد مني؟
عمر بص لي فترة طويلة.
ثم قال:
— لأن أبو ياسين كان عايز يسيطر على كل حاجة.
ياسين رد:
— وإنت ساعدته؟
— أيوه.
سكت.
ثم قال:
— لكن أنا ما كنتش عارف كل حاجة.
ياسين اقترب منه.
— إنت اللي أخدت ابني!
— أنا نفذت أوامر.
— أوامر مين؟
عمر سكت.
وبعدين أشار إلى صندوق خشبي قديم.
— افتحه.
ياسين فتح الصندوق.
جواه ملفات وصور وعقود.
وفي أعلى ملف كان مكتوب:
“مشروع الوريث.”
فتحت الملف.
كانت فيه مستندات تخص شركة ياسين.
وأوراق ملكية.
وأسماء.
لكن المفاجأة كانت في آخر صفحة.
كان فيه عقد قديم جدًا، عليه توقيع والد ياسين.
وكان مكتوب فيه إن نسبة كبيرة من أسهم الشركة تنتقل مستقبلًا إلى الابن الذكر الأول لياسين.
ياسين قرأ الورقة.
ثم رفع عينيه.
— عشان كده.
عمر هز رأسه.
— أبويا كان مقتنع إنك لو خلفت ولد، الشركة هتخرج من إيده للأبد.
قلت:
— فقرر ياخد ابني.
— أيوه.
— وخلاني أعيش خمس سنين وأنا فاكرة إنه مات؟
عمر ما ردش.
صرخت:
— رد!
قال بصوت منخفض:
— أنا آسف.
ياسين ضحك بسخرية.
— آسف؟
ثم أمسكه من كتفه.
— خمس سنين يا عمر.
عمر بكى لأول مرة.
— أنا حاولت أصلح الموضوع.
— إمتى؟
— من سنة.
— وإيه اللي منعك؟
سكت.
ثم قال:
— أبويا كان سايب تسجيل.
أخرج هاتفًا قديمًا.
شغل التسجيل.
وطلع صوت والد ياسين.
كان واضحًا ومتقطعًا.
— لو التسجيل ده اتسمع، يبقى أنا مت.
الصمت سيطر على المكان.
الصوت كمل:
— ياسين ما يعرفش الحقيقة.
ثم قال:
— أنا أخدت الطفل لأنني كنت مقتنعًا إن العائلة أهم من مشاعر فرد واحد.
يدي بدأت ترتعش.
ثم سمعنا الجملة التي لم أتوقعها:
— لكنني أخطأت.
ياسين تجمد.
الصوت استمر:
— ليلى لم تخن ياسين.
— الأطفال الثلاثة بناته.
— والطفل الرابع ابنه.
— وأنا السبب في إخفائه.
ثم سكت التسجيل ثواني.
وبعدها قال:
— لو كنت أقدر أرجع الزمن، كنت هسيبهم يعيشوا كعائلة.
انتهى التسجيل.
ما حدش اتكلم.
ياسين جلس على كرسي قديم.
وضع يده على وجهه.
كنت شايفة دموعه لأول مرة.
قال:
— أنا صدقتك متأخر.
بصيت له.
— أنت ما صدقتنيش أصلًا.
هز رأسه.
— عارف.
ثم قال:
— وأنا خسرت خمس سنين.
قلت:
— مش إنت لوحدك.
في اللحظة دي، سمعنا صوت خطوات.
التفتنا.
كان الولد واقف عند الباب.
جريت عليه.
حضنته.
المرة دي ما بعدش.
بل بالعكس…
حط رأسه على كتفي.
وقال:
— ماما؟
انفجرت في البكاء.
— نعم يا حبيبي.
ياسين قرب ببطء.
الولد بص له.
— وإنت بابا؟
ياسين نزل على ركبته.
— أيوه.
الولد فكر لحظة.
ثم قال:
— أنا كنت مستنيك.
الجملة كسرت ياسين تمامًا.
حضنه.
وبعد دقائق، خرجنا من المكان.
كان أول شيء عملته إني اتصلت بجنى وملك ونور.
قلت لهم:
— عندي لكم مفاجأة.
لما رجعنا البيت، البنات الثلاث كانوا واقفين عند الباب.
أول ما شافوا الولد، سكتوا.
جنى قالت:
— مين ده؟
بصيت لابني.
ثم قلت:
— ده أخوكم.
نور فتحت عينيها.
— بجد؟
الولد ابتسم بخجل.
ملك قربت منه.
— اسمك إيه؟
قال:
— آدم.
جنى مسكت إيده.
— تعالى.
وبعد ثواني، التلاتة كانوا حواليه.
ياسين كان واقف بعيد.
بصيت له.
قلت:
— مش هتدخل؟
قال:
— خايف.
— من إيه؟
— إنهم ما يقبلونيش.
بصيت للبنات.




