روايات وقصص

الجزء الثاني والاخير

ندى نزلت عينيها.

— احتجت فلوس للمحامي والتحقيقات.

— ليه ماطلبتيش مني؟

ضحكت بحزن.

— كنت أطلب منك إزاي وإنت كنت مصدق إن كل مشكلة في حياتي ممكن تتحل ببطاقة بنكية؟

ياسين سكت.

الجملة كانت قاسية.

لكنها كانت صادقة.

فؤاد قال:

— لازم تسمعوا التسجيل ده.

أخرج جهاز تسجيل صغير.

ضغط تشغيل.

وجاء صوت والد ياسين.

كان صوته واضحًا.

متوترًا.

— لو التسجيل ده وصل لياسين، يبقى أنا غالبًا مش موجود.

ياسين ثبت مكانه.

صوت والده تابع:

— يا ابني، لو سمعت كلامي ده، متثقش في أي حد يقول لك إن الحادثة كانت مجرد حادثة.

ياسين بدأ يتنفس بصعوبة.

— فيه حد من العيلة كان بيضغط عليا أبيع حصتي في الشركة.

صمت ثواني.

ثم قال والده:

— وأنا رفضت.

ظهر صوت تشويش.

ثم الجملة الأخيرة:

— ولو حصل لي حاجة… دور في الدفتر الأزرق.

انتهى التسجيل.

ياسين قال:

— دفتر إيه؟

فؤاد رد:

— ده اللي لسه بندور عليه.

ندى قالت:

— أنا شفته.

ياسين التفت لها.

— فين؟

— في غرفة والدتك.

— وإنتِ متأكدة؟

— أيوه.

— طب ليه ماخدتيهوش؟

ندى قالت:

— لأن سهير كانت في الغرفة.

فؤاد قال:

— لازم نرجع البيت.

لكن قبل ما يخرجوا، انطفأت الأنوار.

المخزن كله غرق في الظلام.

ياسين أمسك إيد ندى.

— متتحركيش.

سمعوا صوت باب بيتقفل.

ثم خطوات سريعة.

فؤاد شغل كشاف صغير.

لكن الشخص كان اختفى.

وفوق الطاولة…

كان فيه ظرف جديد.

ياسين أخذه.

فتح الظرف.

وجد صورة.

الصورة كانت لوالده قبل وفاته بأيام.

وكان واقف بجانبه شخص آخر.

ياسين قرب الصورة من الضوء.

ثم تجمد.

الشخص الموجود بجوار والده…

كان عمه محمود.

والغريب إن محمود كان قد توفي قبل والد ياسين بسنة كاملة، حسب ما كانت العائلة تقول.

ياسين قال:

— مستحيل.

فؤاد أخذ الصورة.

نظر إليها طويلًا.

ثم قال:

— أنا كنت عارف إن الصورة دي موجودة.

— إزاي؟

— لأن والدك أرسل لي نسخة منها قبل موته.

ندى سألت:

— مين الشخص اللي في الصورة؟

فؤاد لم يجب.

أخرج عدسة مكبرة صغيرة.

فحص الصورة.

ثم قال:

— مش عمك.

ياسين بص له.

— أمال مين؟

فؤاد أشار إلى الرجل.

— ده شخص تاني متخفي في شكل عمك.

ياسين لم يفهم.

لكن ندى لاحظت شيئًا.

— استنى.

أشارت إلى يد الرجل.

— الخاتم.

ياسين قرب الصورة.

الخاتم كان عليه شعار صغير.

شعار عائلة الدمنهوري.

لكن والده لم يكن يملك هذا الخاتم.

سأل فؤاد:

— مين كان بيلبس الخاتم ده؟

فؤاد قال:

— شخص واحد.

ثم سكت.

— مين؟

فؤاد رفع عينيه وقال:

— والدتك.

الصمت نزل على المكان.

ياسين رجع خطوة.

— أمي؟

ندى قالت:

— أنا قلت لك إن الموضوع أكبر.

وفجأة، جاء صوت من خلفهم:

— للأسف… كبرتوا الموضوع أكتر مما ينبغي.

الثلاثة لفوا.

وكانت سهير واقفة عند باب المخزن.

لم تكن وحدها.

كان معها رجلان.

وياسين لم يرَ والدته بهذه النظرة من قبل.

قالت:

— ياسين… كنت أتمنى إنك ما توصلش للمرحلة دي.

رد عليها:

— المرحلة دي إنتِ اللي صنعتِها.

ابتسمت.

— لأ.

ثم نظرت إلى ندى.

— هي اللي بدأت.

ندى تقدمت خطوة.

— أنا بدأت أدور على الحقيقة.

سهير قالت:

— الحقيقة أحيانًا بتدمر العائلات.

ياسين رد:

— والكذب دمر عيلتي من سنين.

سهير سكتت.

ثم أخرجت هاتفها.

وضغطت على زر.

ظهر على الشاشة مقطع فيديو.

ياسين رأى نفسه وندى وهما يدخلان مخزن الشركة.

ثم قالت والدته:

— عندي نسخة من كل تحركاتكم.

ثم أضافت:

— لكن فيه حاجة أنتم لسه مش عارفينها.

وضعت الهاتف على الطاولة.

— ندى لم تكن تبحث عن أموال الشركة فقط.

ياسين نظر إلى زوجته.

سهير قالت:

— كانت تبحث عن شيء يخص والدها.

ندى تجمدت.

— إنتِ عرفتي؟

سهير ابتسمت.

— أنا عارفة عنك أكتر مما تتخيلي.

ندى بدأت تبكي.

لأن الجملة دي كانت تعني أن سهير تعرف سرًا لم تخبر به ياسين طوال زواجهما.

والسر…

كان متعلقًا بوالد ندى نفسه.

وفجأة قال فؤاد:

— خلاص.

ثم أخرج الدفتر الأزرق من داخل معطفه.

— اللعبة انتهت.

سهير شحب وجهها.

ولأول مرة…

ظهر الخوف الحقيقي في عينيها.

لأن الدفتر الذي بحثوا عنه سبع سنوات…

كان أخيرًا في يد ياسين.

فتح ياسين أول صفحة.

وفيها كان اسم واحد مكتوب بخط والده:

“الشخص الذي خانني ليس من تتوقعونه.”

وقبل أن يقلب الصفحة التالية…

انطلقت صافرة إنذار عالية داخل المخزن.

ثم انطفأت كل الأنوار مرة أخرى.

وفي الظلام…

سمع ياسين صوت والدته وهي تقول:

— لو فتحت الصفحة دي يا ياسين… حياتك كلها هتتغير.

لكن ياسين قلب الصفحة بالفعل.

وكان أول سطر فيها كفيلًا بأن يقلب كل شيء…

لأن اسم الشخص المكتوب لم يكن اسم سهير.

ولا سحر.

ولا حتى فؤاد.

كان اسم شخص…

ياسين لم يشك فيه يومًا.

يتبع…
ياسين فضل واقف قدام الدفتر الأزرق، وإيده بتترعش وهو بيقلب الصفحة.

أول سطر شافه كان:

“لو وصلت للدفتر ده، يبقى أنا فشلت في حماية ابني من الشخص اللي وثقت فيه أكتر من اللازم.”

ياسين رفع عينه ببطء.

بص لفؤاد.

ثم بص لندى.

وأخيرًا بص لوالدته.

— مين الشخص؟

سهير ما ردتش.

ياسين قلب الصفحة.

كان فيه جدول بتحويلات مالية تمت على مدار سبع سنين.

مبالغ ضخمة خرجت من حسابات الشركة، لكن المفاجأة إن جزءًا منها لم يذهب لحسابات خارجية.

بل دخل إلى حسابات داخلية باسم موظفين وأشخاص من العائلة.

وفي أسفل الصفحة، كان فيه سطر كتبه والده بخط إيده:

“الشخص الذي يملك مفاتيح كل هذه الحسابات ليس سحر… وليس سهير.”

ياسين اتجمد.

قلب الصفحة التالية.

وكان فيها اسم:

كريم منصور.

مدير الحسابات.

نفس الرجل الذي اتصل به قبل ساعات وأخبره إن غرفة الأرشيف تعرضت للاقتحام.

ياسين قال:

— كريم؟

فؤاد هز رأسه.

— هو كان جزء من الخطة.

ندى قالت:

— لكنه مش الرأس.

ياسين قلب الصفحة الأخيرة.

وهنا ظهرت جملة قصيرة:

“كريم يعمل لصالح شخص آخر… الشخص الذي أعطيته مفاتيح الشركة بنفسي.”

ياسين رفع عينيه.

— مين؟

لم يرد أحد.

فجأة، سمعوا صوت تصفيق بطيء من ناحية باب المخزن.

التفتوا جميعًا.

كان كريم واقفًا هناك.

ابتسم ابتسامة غريبة.

— كنت أتمنى إنكم ما توصلوش للمرحلة دي.

ياسين تقدم نحوه.

— إنت كنت بتسرق الشركة؟

كريم قال:

— أنا كنت بنفذ أوامر.

— أوامر مين؟

كريم بص ناحية سهير.

لكنها هزت رأسها بسرعة.

— متبصليش أنا.

ياسين فهم.

— هي مش اللي بتأمرك؟

كريم ضحك.

— والدتك كانت جزء من الموضوع… لكن الشخص اللي بدأ كل ده أكبر من إنها تتحكم فيه.

ندى قالت:

— قول الحقيقة.

كريم سكت.

ثم قال:

— أبوك كان عارف.

ياسين اتصدم.

— عارف بإيه؟

— كان عارف إن فيه شخص داخل العيلة بيستخدم الشركة لتمويل شبكة شركات وهمية.

— وليه ماوقفوش؟

— لأنه اكتشف الموضوع متأخر.

ياسين قبض إيده.

— مين؟

كريم بص إليه.

ثم قال:

— الشخص اللي كتب الدفتر ده.

ياسين بص للدفتر.

— أبويا؟

كريم هز رأسه.

— لأ.

سكت الجميع.

ثم قال:

— الشخص اللي كتب الدفتر مش والدك.

ياسين فتح عينيه.

— مستحيل.

كريم اقترب.

— والدك كتب الصفحة الأولى بس.

ثم أشار إلى باقي الصفحات.

— لكن باقي الكتابة اتضافت بعد موته.

ياسين بدأ يقلب الصفحات بسرعة.

وفعلًا…

الخط كان مختلفًا.

يعني شخصًا ما أخذ الدفتر بعد وفاة والده، وأضاف بقية المعلومات.

ندى اقتربت.

— مين كتب الباقي؟

كريم قال:

— الشخص الوحيد اللي كان عنده وصول لكل حسابات الشركة… وكل أسرار العيلة.

ياسين نظر إلى والدته.

لكن سهير كانت تبكي.

وقالت:

— أنا حاولت أحميك.

ياسين رد:

— تحميني من مين؟

سهير لم تجبه.

فؤاد تدخل:

— من الحقيقة.

وفجأة، خرج صوت من هاتف كريم.

كان تسجيلًا قديمًا.

صوت والد ياسين:

— لو أنا مت… متخليش ياسين يثق في محمود.

ياسين تجمد.

— عمي محمود؟

فؤاد قال:

— عشان كده الصورة كانت مهمة.

ندى فهمت فجأة.

— محمود ماكانش ميت وقت الصورة.

ياسين نظر إليها.

— إنتِ بتقولي إيه؟

— الشخص اللي في الصورة كان فعلًا عمك محمود.

فؤاد هز رأسه.

— أيوه.

ثم قال:

— لكن العيلة أعلنت وفاته قبل التاريخ الموجود في الصورة.

ياسين شعر بدوار.

— يعني عمي كان عايش؟

كريم قال:

— كان عايش… وبعدها اختفى.

— فين؟

كريم لم يجب.

وفجأة، سمعوا صوت سيارة توقفت أمام المخزن.

ثم صوت باب يُغلق.

خطوات اقتربت.

كل الموجودين التفتوا ناحية المدخل.

ودخل رجل مسن، يرتدي معطفًا رماديًا.

ياسين لم يتحرك.

لأن الرجل كان نسخة تقريبًا من الصورة القديمة.

نفس الملامح.

نفس العينين.

نفس الخاتم.

فؤاد قال بصوت منخفض:

— محمود.

ياسين لم يصدق.

— عمي؟

الرجل نظر إليه.

ثم قال:

— كبرت يا ياسين.

ياسين رجع خطوة.

— إنت كنت عايش طول السنين دي؟

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى