
العمال جريوا ناحية المبنى، والدخان بدأ يتصاعد من ناحية القبو، والزجاج اتناثر على الأرض.
نادية وصلت بعد دقائق، وأول ما شافت الدخان، حطت إيديها على راسها وبدأت تصرخ:
— يا نهار أسود! مرات ابني! مريم كانت جوه!
وبدأت تعيط قدام العمال، على صدرها، وتردد:
— يا حبيبتي يا بنتي! راحت مني! يا خسارة شبابك!
كان أداؤها مقنع لدرجة إن بعض العمال صدقوا إنها أم مكلومة فعلًا.
لكن أول ما وصلت الشرطة، جريت ناحيتهم وهي بتقول:
— لازم تدخلوا تنقذوها! مرات ابني كانت في القبو!
سألها أحد الضباط:
— إنتِ متأكدة إنها كانت جوه وقت ؟
اتلخبطت للحظة، لكنها ردت بسرعة:
— أيوه، أيوه! كانت نازلة تجيب شوية حاجات لجوزها!
في اللحظة دي، وقفت عربية سوداء قدام بوابة المصنع.
فتح الباب، ونزلت منه امرأة مرتدية ملابس بسيطة، وملامحها هادئة رغم الفوضى اللي حواليها.
بصت نادية ناحية العربية، ولما شافت المرأة، اختفى اللون من وشها.
اتسعت عينيها، وتراجعت خطوتين، وكأنها شافت شبحًا خارجًا من القبر.
المرأة قربت من الضباط، وقالت بثبات:
— أنا مريم الشاذلي، صاحبة المصنع. وأنا اللي قدمت البلاغ عن العبث بتوصيلات الغاز.
نادية فضلت باصة لها، وشفايفها بتترعش.
وبعدين صرخت فجأة:
— إنتِ إزاي لسه عايشة؟!
سكت كل اللي واقفين.
الضابط بص لها بحدة.
— إنتِ قلتي إيه؟!
حاولت نادية تتراجع عن كلامها، لكن مريم كانت بتبصلها بعينين مليانين غضب ووجع.
قربت منها وقالت بصوت منخفض، لكنه وصل لكل اللي حواليها:
— إنتِ كنتِ متأكدة إني هنا، صح يا نادية؟
نادية بدأت تهز راسها وتنكر.
— أنا ماعملتش حاجة! أنا كنت خايفة عليكي! أنا أم أحمد، مستحيل أأذيكي!
لكن الضابط طلب منها تبعد، وبدأ يسألها عن سبب وجودها في المكان قبل وصول الشرطة.
وفي اللحظة دي، وصل أحمد، وأول ما شاف مريم واقفة قدامه، اتجمد مكانه.
المفتاح وقع من إيده على الأرض.
مريم بصت له، وبعدها رفعت موبايلها وقالت:
— قبل ما تقول أي كلمة، أحب أعرّفك إن كل اللي كنت فاكره سر، بقى في إيد الشرطة.
حاول أحمد يتكلم، لكن صوته خرج متقطعًا.
— مريم… إنتِ فاهمة الموضوع غلط…
ابتسمت ابتسامة حزينة، وقالت:
— فعلًا؟ يبقى تقدر تشرح للضابط ليه اسمك موجود في وثيقة التأمين، وليه توقيعي متزور، وليه أمك قالت إنها مش مصدقة إني لسه عايشة؟
الضابط بص لأحمد، ثم لنادية، وأشار لزميله إنه ياخدهم للتحقيق.
لكن قبل ما نادية تتحرك، مسكت دراع مريم بقوة، وقربت منها، وهمست بكلمات خلت مريم تحس إن الخطر الحقيقي لسه ما انتهيش:
— إنتِ فاكرة إن أحمد هو اللي خطط لكل ده؟ استني لما تعرفي مين اللي اختار من البداية… ساعتها هتتمني لو كنتِ متي قبل ما تعرفي الحقيقة!
نهاية الجزء الثاني…
### الجزء الثالث: السر اللي خبّوه عني طول السنين!
وقفت مريم مكانها بعد ما سمعت كلام نادية.
«إنتِ فاكرة إن أحمد هو اللي خطط لكل ده؟ استني لما تعرفي مين اللي اختار من البداية…»
الجملة فضلت ترن في ودنها، حتى بعد ما الضابط أبعد نادية عنها.
مين الشخص اللي ممكن يكون عايز يتخلص منها غير جوزها وحماتها؟
هل فيه حد من عيلتها متورط؟ وهل كل السنين اللي قضتها في بناء شركتها كانت مجرد جزء من خطة أكبر؟
قرب منها الضابط المسؤول عن التحقيق، وقال:
— مدام مريم، محتاجين نسمع منك كل التفاصيل من البداية. وأهم حاجة دلوقتي إنك ماتتحركيش لوحدك، لأن واضح إن فيه شبهة جريمة مدبرة.
هزت مريم راسها، وبدأت تحكيله عن تسجيل الكاميرا، ووثيقة التأمين، والتوقيع المزور، والرسائل اللي شافتها على موبايل أحمد.
ولما جابت سيرة سالي، مديرة الحسابات، طلب الضابط صورة الرسالة اللي وصلتها.
لكن قبل ما تفتح الموبايل، وصلتها رسالة جديدة من الرقم المجهول نفسه:
«نادية مش أخطر شخص في الموضوع. لو عايزة تعرفي الحقيقة، روحي لمكتب أبوكي القديم، وافتحي الدرج المقفول بمفتاح نحاسي. ماتثقيش في أي حد قبل ما تقري الورق اللي جواه.»
مريم حست بقشعريرة.
أبوها ممن ست سنين، ومكتبه القديم كان موجود في مبنى إداري تابع للأرض اللي ورثتها عنه.
المكان ده ماحدش دخله تقريبًا من يوم وفاته.
بصت للضابط وورته الرسالة.
قال لها بحزم:
— مش هتروحي أي مكان لوحدك. هنراجع الرسالة، وهنحدد طريقة آمنة للتحرك.
بعد وقت قصير، وصل فريق من الشرطة لتأمين الموقع، وبدأت التحقيقات في الانفجار، بينما اتنقل أحمد ونادية لاستجوابهما.
مريم ماكانتش عايزة تستبق النتائج، لكنها كانت عارفة إن الرسالة دي ممكن تكون المفتاح اللي يكشف كل حاجة.
وبعد اتخاذ الإجراءات اللازمة، وافقت على الذهاب إلى المكتب برفقة أحد الضباط.
كان المكتب مليان تراب، والستائر القديمة مغطية الشبابيك، ورائحة الورق المعتق مالية المكان.
أول ما دخلت، افتكرت أبوها.
افتكرت إزاي كان بيقعد على المكتب ده بالساعات، وإزاي كان دايمًا يقول لها:
— يا مريم، الفلوس ممكن تروح وتيجي، لكن لو ضيعتي ثقتك في نفسك، هتخسري أكتر من أي خسارة.
وقتها كانت بتفتكر إنه بيتكلم عن الشغل والمنافسة.
دلوقتي، بدأت تشك إن كلامه كان وراه معنى تاني.
فتشت الأدراج واحدًا وراء التاني، لحد ما لقت درجًا صغيرًا مقفولًا في الجزء السفلي من المكتب.
لكنها ماكانش معاها المفتاح النحاسي.
افتكرت صندوقًا خشبيًا قديمًا كانت أمها محتفظة بيه في البيت، وفيه بعض حاجات أبوها الشخصية.
اتصلت بالمحامي حسام، وطلبت منه يساعدها في الوصول للصندوق بطريقة آمنة.
وبعد ساعات، وصل الصندوق للمكتب، وبعد فحص محتوياته، ظهر المفتاح النحاسي وسط مجموعة من المفاتيح القديمة.
دخلته في القفل.
صدر صوت خفيف، وانفتح الدرج.
جواه كان فيه ظرف كبير، وملف بني، وصورة قديمة لأبوها واقف جنب رجل ما شافتهوش قبل كده.
فتحت الظرف، ولقت رسالة مكتوبة بخط أبوها.
بدأت تقرأ:
«بنتي مريم،
لو وصلتي للورق ده، فمعناه إن فيه حاجة حصلت خلتك تشكي في الناس اللي حواليكي.
أنا قضيت سنين طويلة أحاول أحميكي من خلاف قديم، وكنت فاكر إن السكوت هو الحل. لكني اكتشفت متأخر إن السكوت ساعات بيحمي الشخص الغلط، وبيسيب الحقيقة مدفونة.»
إيديها بدأت تترعش.
كملت القراءة:
«قبل وفاتي بسنين، دخلت في شراكة مع رجل اسمه فؤاد المنشاوي. كان شريكًا في مشروع قديم، لكن خلافاتنا بدأت لما اكتشفت إن فيه أموال خرجت من الحسابات من غير علمي.
لما واجهته، إنه هيرجع ياخد كل حاجة خسرها، وإنه مش هيسيب ممتلكاتي لحد من عيلتي.
بعد فترة، انتهت الشراكة على الورق، لكني ماقدرتش أتأكد إنه نسي الخلاف.»
رفعت مريم عينيها عن الرسالة.
فؤاد المنشاوي؟
الاسم كان مألوفًا.
افتكرت إنها شافته في أوراق الشركة القديمة، وإن أحمد كان بيذكره أحيانًا باعتباره رجل أعمال كبير عنده علاقات واسعة.
لكن المفاجأة كانت لسه في الملف البني.
فتحته، فوجدت نسخًا من عقود شراكة قديمة، وتحويلات مالية، وصورًا لاجتماعات جمعت أباها بفؤاد.
وفي آخر الملف، كانت هناك ورقة عليها توقيع فؤاد، وتحتها بند يشير إلى نزاع مالي لم يُحسم بشكل نهائي.
اتصلت بالمحامي حسام، وطلبت منه مراجعة المستندات.
بعد دقائق، قال لها:
— مريم، الورق ده ممكن يكون مهم جدًا، لكن لازم نتأكد من صحته ونراجع العقود الأصلية. فيه احتمال إن الخلاف القديم مرتبط باللي بيحصل دلوقتي.
سألته بقلق:
— يعني فؤاد ممكن يكون متورط مع أحمد؟
رد بحذر:
— لسه ماعندناش دليل على ده. لكن لازم نعرف إذا كان فيه اتصالات أو معاملات مالية بينهم.
وقبل ما يقفلوا المكالمة، لقت مريم ورقة صغيرة ملزوقة في ظهر الملف.
كان مكتوبًا عليها بخط مختلف:
«اسألي أمك عن اللي حصل في الليلة الأخيرة قبل وفاة والدك.»
توقفت أنفاسها للحظة.
أمها؟
أمها اللي كانت طول الوقت بتقول إن أبوها بعد أزمة صحية مفاجئة، وإنه ماكانش عنده أي مشاكل غير ضغط الشغل؟
ليه ماقالتلهاش عن فؤاد؟ وليه أبوها كتب إنه كان بيحاول يحميها من خلاف قديم؟
رجعت مريم البيت بعد ما اتخذت الترتيبات اللازمة لتأمينه.
لما دخلت، لقت أمها، سعاد، قاعدة في الصالة، ووشها شاحب.
كانت سعاد عرفت بالانفجار، وجت فورًا عشان تطمئن على بنتها.
أول ما شافت مريم، قامت واحتضنتها بقوة.
— يا بنتي! قلبي كان هيقف من الخوف عليكي. كنت فاكرة إني هخسرك زي ما خسرت أبوكي!
مريم حضنتها، لكنها فضلت تفكر في الورقة اللي لقتها في مكتب أبوها.
وبعد ما قعدوا، أخرجت صورة فؤاد المنشاوي وحطتها قدام أمها.
اتغيرت ملامح سعاد في لحظة.
بصت للصورة، وبعدها بصت لبنتها، وكأنها بتحاول تخفي خوفًا قديمًا.
مريم لاحظت التغيير وسألتها:
— إنتِ تعرفي الراجل ده يا ماما؟
سعاد ما ردتش.
— ماما، أنا بسألك. تعرفيه؟
بلعت سعاد ريقها، وقالت بصوت واطي:
— أيوه. أعرفه.
مريم حست إن قلبها بيدق .
— طب ليه ماقلتيليش عنه قبل كده؟
سعاد مسحت دموعها، وقالت:
— لأن أبوكي طلب مني ما أتكلمش في الموضوع ده أبدًا.
— وليه؟
فضلت أمها ساكتة شوية، وبعدها قالت:
— لأن فؤاد ماكانش مجرد شريك عمل لأبوكي. كان يعرف أسرار عن عيلتنا، أسرار لو خرجت للناس، كانت هتغير حياتك كلها.
مريم قربت منها.
— أي أسرار يا ماما؟
سعاد بصت ناحية باب الشقة، واتأكدت إنهم لوحدهم، وبعدها قالت:
— قبل وفاة أبوكي بأيام، جه له شخص في البيت، وحصل بينهم خلاف كبير. أنا سمعت صوتهم، ولما دخلت المكتب، لقيت أبوكي واقع على الأرض، وفؤاد واقف جنبه.
مريم حطت إيدها على فمها.
— إنتِ بتقولي إيه؟!
— فؤاد قال لي إن أبوكي تعب فجأة، وإنه حاول يساعده. ولما الإسعاف وصلت، كان أبوكي فقد الوعي. وبعدها المستشفى.
— وإنتِ ماشكتيش فيه؟




