
في المساء، قابلت الأستاذ حسام في مكتبه.
حط قدامي ملفًا كبيرًا، وقال:
«خلينا نبدأ بالبيت».
فتح أول مستند وشرح لي إن البيت تم شراؤه من خلال شركتي، وإن عقد الملكية والسجلات الرسمية لازم يتراجعوا مع بعض قبل تحديد أي إجراء قانوني. وأكد إن مجرد إن كريم كان عايش فيه مش معناه تلقائيًا إنه يملكه أو يحق له يتصرف فيه كأنه ملكه.
وبعدها فتح ملف العربية.
كانت مسجلة باسم الشركة برضه، وكانت مصاريف صيانتها وتأمينها بتتدفع من حساب الشركة.
سألته:
«يعني هو ما يقدرش ينقل ملكيتها لنفسه؟»
رد بحزم:
«ما ينفعش ننطلق من افتراضات. هنراجع المستندات الرسمية، وأي استخدام أو تصرف حصل لازم يتحدد على أساسها. ولو فيه محاولة لنقل الملكية من غير حق، هنتعامل معاها قانونيًا».
حسيت لأول مرة من يوم ما خرجت من البيت إن الأرض بدأت تثبت تحت رجلي.
لكن الأستاذ حسام ما كانش خلص كلامه.
طلع مجموعة أوراق تانية، وقال:
«فيه موضوع التحويلات، وده أهم جزء دلوقتي».
بدأ يشرح لي إن بعض المدفوعات اللي كنت ببعتها باعتبارها مساعدات علاجية ما كانش معاها مستندات كافية تثبت الغرض منها. وظهرت كمان تحويلات لحسابات ما كنتش أعرف عنها أي حاجة.
سألته:
«هل فيه حاجة تربط كريم بالتحويلات دي؟»
رد:
«فيه تفاصيل محتاجة تحقق، لكن مش هنتهم حد قبل ما نثبت الوقائع. هنطلب المستندات اللازمة، ونراجع مصدر كل مبلغ والجهة اللي استلمته».
هزيت رأسي بالموافقة.
كنت عايزة الحقيقة، حتى لو كانت أصعب من كل اللي تخيلته.
قبل ما أمشي، سألته عن اتفاق الطلاق اللي كريم كان مجهزه.
ابتسم ابتسامة خفيفة وقال:
«كويس إنك ما مضيتيش على اتفاق تقسيم الممتلكات. موافقتك على الانفصال مش معناها إنك وافقتي تلقائيًا على كل الشروط اللي كتبها. لكن هنراجع صيغة الورقة اللي مضيتيها وأي إجراءات اتعملت بعدها، علشان نحدد موقفك القانوني بدقة».
خرجت من المكتب وأنا شايلة ملفًا من المستندات، لكن لأول مرة ما كنتش حاسة إني شايلة حملًا فوق طاقتي.
كنت شايفة طريقًا واضحًا قدامي.
***
في الوقت نفسه، كان كريم عايش في عالم مختلف تمامًا.
كان قاعد في البيت مع نور، اللي بدأت بالفعل ترتب أوضتها وتختار الأثاث اللي عايزاه.
قالت له وهي بتبص حواليها:
«أنا مش مصدقة إننا أخيرًا بقينا لوحدنا هنا. البيت جميل أوي، والعربية كمان هتخلينا نعيش براحتنا».
ابتسم كريم وقال بثقة:
«قلت لك ما تقلقيش. ليلى كانت بتعمل كل حاجة علشاني، وحتى بعد الطلاق مش هتقدر توقف مساعدتها لأهلي».
سألته نور:
«والفلوس اللي كانت بتبعتها لوالدتك؟»
رد باستخفاف:
«هترجع تحولها. هي بس بتحاول تضايقني شوية، وبعدها هتهدى».
لكن بعد دقائق، دخلت الحاجة سعاد البيت، ووشها متغير من الغضب.
قالت وهي بتحط شنطتها على الكنبة:
«ليلى وقفت التحويلات فعلًا! وبتقول إنها هتراجع كل الحسابات».
اتجمدت ابتسامة كريم.
«إيه؟!»
ردت أمه:
«سمعتني كويس. البنت دي شكلها ناوية تعمل مشاكل».
حاول كريم يتظاهر بالثقة قدام نور.
«ولا يهمكم. أنا هكلمها وهخليها ترجع عن قرارها».
لكن لما فتح موبايله وشاف الرسائل اللي كان باعتها لها من غير رد، بدأ القلق يدخل قلبه.
كان متعودًا إن ليلى في النهاية تتنازل، وإنها مهما غضبت هترجع تحل المشاكل بالفلوس.
أما المرة دي، فكانت بتتعامل معاه بطريقة مختلفة تمامًا.
وفي اللحظة اللي كان بيفكر فيها إزاي يجبرها ترجع تدفع، رن موبايله باتصال من شخص ما كانش متوقع إنه يكلمه في الوقت ده.
رد بسرعة.
لكن بعد ثوانٍ، اتغير لون وشه.
الشخص اللي على الطرف التاني قال له إن فيه استفسارات رسمية بخصوص ملكية البيت والعربية، وإنه لازم يراجع المستندات المتعلقة بيهم قبل ما يتصرف في أي حاجة.
كريم قفل المكالمة، وبص لنور من غير ما يتكلم.
سألته بقلق:
«فيه إيه؟»
رد بصوت متردد:
«مفيش حاجة… مجرد سوء تفاهم».
لكن نور ما اقتنعتش.
وبعد ما خرجت الحاجة سعاد من الأوضة، قربت منه وسألته بصوت منخفض:
«كريم، إنت متأكد إن البيت والعربية بتوعك فعلًا؟»
بصلها بعصبية.
«إنتِ كمان هتشككي في كلامي؟»
قالت:
«أنا مش بشكك، بس إنت بنفسك قلت لي إن ليلى هي اللي دفعت تمن كل حاجة. وأنا مش عايزة ألاقي نفسي فجأة من غير بيت».
ما ردش عليها.
لأنه لأول مرة، بدأ يسأل نفسه السؤال اللي كان بيهرب منه من يوم ما قرر يطرد ليلى.
ماذا لو كانت ليلى تعرف عن ممتلكاتها أكتر منه؟
وماذا لو كان كل اللي بناه على مدار السنين مجرد حياة سمحت له هي إنه يعيشها؟
***




