
بعد دقيقة، خلعت نظارتها ومسحتها بمنديل صغير.
وبعدين رجعتها وبدأت تقرأ الورقة التانية مرة تانية.
المحامي ثابت كمال اتحرك من مكانه.
— يا فندم، هل تسمحي لي أوضح نقطة بخصوص المستندات دي؟
القاضية رفعت إيدها تمنعه.
— لحظة يا أستاذ ثابت. أنا لسه براجعها.
في اللحظة دي، بدأت أحس إن الجو في القاعة اتغير.
مش لأن القاضية اكتشفت كل حاجة، لكن لأنها أخيرًا بدأت تسأل الأسئلة اللي كان المفروض تتسأل من البداية.
رفعت عينيها ناحيتي وقالت:
— مدام سلمى، إنتِ بتقولي إن فيه تعديلات في ملكية الشركة حصلت خلال فترة الزواج. هل عندك دليل إن التعديلات دي مرتبطة بالأموال المشتركة بين الزوجين؟
رديت:
— أيوه يا فندم. وده سبب وجود المستندات المالية في الملف.
طلعت ورقة رابعة، وحطيتها قدامها.
— التحويل ده تم من حساب مشترك بيني وبين زوجي، واتستخدم في سداد جزء من قيمة عقار مسجل ضمن أصول الشركة.
كريم قام من مكانه فجأة.
— الكلام ده مش صحيح!
القاضية بصت له بحدة.
— أستاذ كريم، اقعد مكانك. هي اللي بتتكلم دلوقتي، ولما ييجي دورك هترد.
رجع قعد، لكن وشه اتغير.
لأول مرة من ساعة ما دخلت القاعة، شفت القلق في عينيه.
أما حمايا، فكان بيبص للمحامي كأنه مستني منه يتدخل وينهي المهزلة دي.
لكن المحامي نفسه ما بقاش بنفس الثقة.
قلب الورقة بين إيديه، وطلب من موظفة المحكمة نسخة منها.
وبعد ما قرأها، مال ناحية كريم وهمس له:
— إنت قلت لي إن الحساب ده ما اتستخدمش في أي معاملات تخص الشركة!
كريم رد عليه بصوت واطي:
— أنا مش فاهم هي جابت الورق ده منين!
سمعت كلامهم، لكن فضلت ساكتة.
لأن المفاجأة الحقيقية لسه ما ظهرتش.
قبل ما أكمل، لازم أرجع بكم ست سنين لورا.
في الوقت ده، كانت شركة كريم بتواجه أزمة مالية كبيرة.
كان عنده مشروع سكني اتأخر تسليمه، ومقاولين بيطالبوا بمستحقاتهم، وموردين وقفوا التعامل معاه، والبنك بدأ يضغط عليه عشان يسدد التزاماته.
في يوم، رجع البيت بعد الساعة عشرة بالليل، ورمى مفاتيحه على الترابيزة، وقعد حاطط إيده على راسه.
سألته:
— مالك يا كريم؟
قال بعصبية:
— الشركة بتغرق، ومحدش راضي يسمعني. كل واحد عايز فلوسه، والبنك مش هيديني مهلة تانية.
قعدت جنبه وسألته عن تفاصيل المشروع.
في الأول، رفض يتكلم.
قال لي:
— دي مشاكل شغل، وإنتِ مش هتفهمي فيها.
لكن بعد إلحاح، فتح اللابتوب ووراني بعض العقود والحسابات.
فضلت أراجع الأرقام لحد الفجر.
اكتشفت إن المشكلة ما كانتش في نقص الإيرادات بس، لكن كمان في شروط تعاقدية سيئة، وغرامات تأخير كان ممكن تجنب جزء كبير منها، ومبالغ مستحقة للشركة ما اتجمعتش في مواعيدها.
عملت له خطة واضحة.
راجعت العقود، ورتبت الالتزامات، وجهزت جدولًا للتحصيل، وساعدته في إعادة التفاوض على بعض الاتفاقات.
وخلال الشهور اللي بعدها، بدأت الشركة تقف على رجليها من جديد.
كريم وقتها مسك إيدي وقال لي:
— أنا مش عارف كنت هعمل إيه من غيرك يا سلمى. إنتِ أنقذتي الشركة.
كنت فاكرة إن الكلمة دي معناها إنه مقدر اللي عملته.
لكن بعد ما الأزمة خلصت، رجع كل شيء زي الأول.
بقيت أنا اللي براجع الحسابات في البيت، وهو اللي بيحضر الاجتماعات وياخد القرارات.
ولو حد سأله عن سر نجاح الشركة، كان يرد بفخر:
— شغل سنين وتعب ومجهود. محدش بيوصل لحاجة من غير ما يدفع تمنها.
ولا مرة قال إن مراته سهرت ليالي عشان تساعده.
ولا مرة اعترف إنها كانت بتراجع العقود وتكتشف الأخطاء اللي ممكن تكلفه ثروة.
وكل ما كنت أتكلم عن الرجوع لشغلي، كان يكرر نفس الجملة:
— استني شوية يا سلمى. الشركة محتاجاني، وأنا محتاجك جنبي.
وكنت بستنى.
لحد ما اكتشفت إن الانتظار ده كان بيخليني أخسر نفسي يوم بعد يوم.
رجعنا لقاعة المحكمة.
القاضية كانت بتراجع المستندات مع موظفة المحكمة، والمحامي ثابت كمال طلب استراحة قصيرة عشان يراجع الأوراق مع موكله.
لكن القاضية رفضت إنهاء الجلسة قبل ما تسمع ردي على نقطة أساسية.
قالت:
— مدام سلمى، هل عندك أي مستندات إضافية بتوضح طبيعة دورك في إدارة الشركة؟
هنا فتحت الجزء الأخير من الملف.
طلعت ثلاث صفحات.
الصفحة الأولى كانت مراسلات رسمية بيني وبين أحد المقاولين، فيها تعديلات على بنود تعاقدية وفرت على الشركة مبالغ كبيرة.
الصفحة التانية كانت مراسلات مع محاسب الشركة، بخصوص تسوية مستحقات متأخرة.
أما الصفحة التالتة، فكانت خطابًا رسميًا من إدارة الشركة نفسها، صادرًا قبل سنوات، وموجودًا في ملف المعاملات المالية.
الخطاب كان بيتكلم عن دوري في مراجعة العقود والتفاوض على بعض الالتزامات.




