
قربت الساعة من اتنين بعد منتصف الليل.
دخلت أطمن على البنات، فلقيت نور نايمة جنب ملك على سرير صغير، ومريم نايمة على السرير اللي قصادهم.
كانوا ماسكين إيدين بعض، حتى وهما نايمين.
وقفت أتأملهم، وحسيت لأول مرة من خمس سنين إن ليلى يمكن تكون لسه موجودة في تفاصيل حياتي.
في ضحكة نور.
في عيون ملك.
وفي الطريقة اللي مريم بتحضن بيها أختها لما تخاف.
وفجأة، سمعت صوت نور وهي بتتكلم وهي نايمة:
«ماما… ماتمشيش.»
حسيت بغصة في حلقي.
قعدت جنبها، ومسحت على شعرها.
«أنا هنا يا حبيبتي.»
لكنها فتحت عينيها فجأة، وبصتلي بخوف.
«بابا، أنا افتكرت حاجة.»
قلت لها:
«إيه يا نور؟»
شارت ناحية ملك، وقالت:
«هي قالتلي إن عندها صورة لماما، وإن خالتو منى كانت بتخبيها في شنطة قديمة.»
بصيت لملك، اللي بدأت تصحى على صوتنا.
سألتها بهدوء:
«يا ملك، معاكي صورة تانية لمامتكم؟»
هزت راسها.
«كان فيه صورة، بس خالتو منى خبتها قبل ما نمشي من البيت. أنا شفتها وهي بتحطها في شنطة بني، وبعدها قالتلنا إننا مش هنرجع البيت ده تاني.»
سألتها:
«طب فاكرة البيت كان فين؟»
قالت إنها مش عارفة اسم الشارع، لكنها فاكرة إنه كان في منطقة قديمة في الإسكندرية، وإن فيه مسجد كبير قريب من البيت.
حسام سجل كل التفاصيل اللي قالتها، وقرر إننا لازم نوصل لمنى من خلال الطرق القانونية، ونتأكد من مكانها من غير ما نعرض الأطفال لأي خطر.
لكن قبل ما نخرج من الغرفة، مريم نادتني.
«يا عمو أدهم؟»
لفيت ناحيتها.
قالت وهي بتضم البطانية حواليها:
«خالتو منى قالتلي إن ماما كانت عايزة ترجعنا لبابا، بس فيه واحدة ست منعتنا نروح له.»
اتجمدت مكاني.
«واحدة ست؟ تعرفي اسمها؟»
مريم هزت راسها.
«مش فاكرة اسمها. بس خالتو كانت بتعيط كل ما الست دي تتصل بيها، وكانت تقول لها إنها مش هتقدر تفضل مخبية البنات طول العمر.»
في اللحظة دي، رن تليفوني.
كانت رسالة من رقم مجهول.
فتحتها، فلقيت صورة قديمة لليلى، وهي قاعدة على سرير المستشفى، وبتحضن تلات لفافات صغيرة.
تلات بنات.
مش واحدة.
تلات بنات كاملين.
وتحت الصورة كانت فيه رسالة قصيرة:
«لو عايز تعرف مين اللي سرق منك بنتين، اسأل الحاجة زينب عن اللي حصل قبل ما ليلى تدخل غرفة العمليات… لكن خليك مستعد تعرف إن أقرب الناس ليك ممكن يكونوا أصحاب أكبر كذبة عشتها في حياتك.»
فضلت باصص للصورة، وإيدي بتترعش.
وبعدين رفعت عيني لحسام.
قلت له بصوت مبحوح:
«إحنا لازم نعرف مين بعت الرسالة دي.»
لكنه كان بيبص لحاجة تانية على الشاشة.
الصورة كان فيها تاريخ مكتوب في الركن.
تاريخ قبل وفاة ليلى بساعات.
وتحت التاريخ، ظهر اسم الشخص اللي التقط الصورة.
الدكتور حاتم… نفس الدكتور اللي أكدلي إن بنتين من بناتي ماتوا يوم الولادة.
يتبع في الجزء الثالث…
### الجزء الثالث: الدكتور اللي دفن الحقيقة مع مراتي!
فضلت باصص للصورة اللي على تليفوني، وأنا حاسس إن الأرض بتتهد من تحت رجلي.
تلات لفافات صغيرة في حضن ليلى.
تلات بنات.
يعني يوم ما دخلت المستشفى وأنا مستني أستقبل بناتي التلاتة، كانوا فعلًا موجودين، وليلى كانت شايفاهم بعينيها.
طب إزاي خرجت من المستشفى ببنت واحدة بس؟
وإزاي قدرت أعيش خمس سنين كاملة وأنا مقتنع إن البنتين التانيين ماتوا، من غير ما أشوف جثمانهم، أو حتى أشوف أي تقرير طبي يثبت وفاتهم؟
بصيت لحسام وقلت:
«أنا عايز أقابل الدكتور حاتم حالًا.»
حسام حط إيده على كتفي وقال بهدوء:
«استنى يا أدهم. إحنا محتاجين نتصرف بعقل. الصورة دليل مهم، لكنها لوحدها مش كفاية عشان نعرف إيه اللي حصل. لازم نعرف مين بعتها، ونتأكد من مصدرها، ونطلب الملف الطبي الأصلي.»
كنت على وشك أعترض، لكني بصيت ناحية الغرفة اللي فيها البنات، وقررت أسمع كلامه.
آخر حاجة كنت عايزها إني أعمل تصرف متهور يخلّي أي حد متورط في الموضوع يهرب، أو يعرّض بناتي للخطر.
اتصل حسام بالجهات المختصة، وبدأنا نجهز طلب رسمي للحصول على السجلات الطبية، وفي نفس الوقت حاولنا نعرف إذا كان الدكتور حاتم لسه بيشتغل في نفس المستشفى.
بعد محاولات كتير، عرفنا إنه بقى مديرًا طبيًا في مستشفى خاص في القاهرة الجديدة.
ولما اتصلنا بمكتبه وطلبنا تحديد موعد، ردت السكرتيرة إنه مش موجود، وإنه مسافر خارج مصر من يومين.
لكن الغريب إن موبايله كان بيرن من غير ما يرد.
حسام بصلي وقال:
«واضح إننا لازم نستنى لما الممرضة سعاد تيجي الصبح. يمكن عندها معلومة تخلينا نعرف نبدأ منين.»
هزيت راسي، لكن جوايا كنت حاسس إن الوقت بيضيع.
كل دقيقة كانت بتفكرني إن بنتين من بناتي عاشوا خمس سنين من غير أب، في الوقت اللي كنت فيه قادر أوفر لهم كل حاجة.
بيت دافي.
أكل.
تعليم.
وحضن يطمنهم لما يخافوا.
لكن كل ده اتسلب منهم.
والسؤال اللي كان بيقتلني هو: مين عمل كده؟ وليه؟
### اعتراف الممرضة سعاد
في الساعة تسعة صباحًا، وصلت الممرضة سعاد للمستشفى.
كانت ست في أوائل الستينات، وشعرها الأبيض مربوط من ورا، وملامحها بتقول إنها شايلة هم كبير.
دخلت غرفة الاجتماعات، وبصتلي طويلًا قبل ما تقعد.
قالت:
«إنت شبه ليلى جدًا في عينيك.»
الكلمة دي وجعتني.
قلت لها:
«أنا مش جاي أتكلم عن شبهي بمراتي. أنا عايز أعرف الحقيقة. هل بنتين من بناتي اتولدوا أحياء؟»
سعاد نزلت عينيها للأرض، وفضلت ساكتة شوية.
وبعدين قالت:
«أيوه يا أستاذ أدهم. أنا شفت التلات بنات بعيني. كانوا عايشين، والدكاترة سجلوا إنهم محتاجين متابعة طبية بسبب الولادة المبكرة، لكن ماكانش فيه أي تقرير بيقول إنهم ماتوا وقت الولادة.»
حسيت إن نفسي وقف.
«يعني إيه؟ إنتِ متأكدة من كلامك؟»
ردت:
«متأكدة من اللي شفته بنفسي. أنا كنت مسؤولة عن متابعة الأطفال في الفترة دي، وكنت موجودة في القسم وقت الولادة.»
حسام فتح دفتره وبدأ يسجل كل كلمة.
سألها:
«طيب، إيه اللي حصل بعد كده؟»
سعاد شبكت إيديها ببعض، وقالت:
«بعد الولادة بساعات، جالي أمر بنقل طفلتين من الحضانة لمكان تاني داخل المستشفى، بحجة إن فيه ترتيبات طبية خاصة. الأمر كان عليه توقيع الدكتور حاتم.»
سألتها بسرعة:
«ومين اللي طلب نقلهم؟»
قالت:
«التعليمات اللي وصلتني كانت من الإدارة الطبية. لكن قبل النقل بدقايق، شفت الحاجة زينب داخلة مكتب الدكتور حاتم، وكانت معاها شنطة كبيرة.»
حسام رفع عينيه ليها.
«إنتِ شفتي محتويات الشنطة؟»
هزت راسها.
«لأ. لكني سمعت جزءًا من كلامهم لما كنت معدية قدام المكتب.»
قربت منها وقلت:
«سمعتي إيه؟»
سعاد أخدت نفسًا طويلًا، وكأنها بتحاول تجمع شجاعتها.
وبعدين قالت:
«سمعت الحاجة زينب بتقول للدكتور: إحنا اتفقنا إن البنت الكبيرة هي اللي هتفضل مع أبوها، والتانيين لازم يختفوا من حياته. لو عرف إنهم عايشين، كل حاجة هتضيع.»
حسيت إن الدم انسحب من وشي.
حماتي؟
الست اللي كانت بتقولي كل يوم إنها بتحبني زي ابنها؟
الست اللي وقفت جنبي بعد وفاة ليلى، وساعدتني أتعامل مع صدمة فقدان مراتي؟
هي نفسها اللي ممكن تكون أخفت بنتين من بناتي؟
سعاد كملت:
«الدكتور رد عليها وقال لها إن الموضوع أكبر من مجرد نقل أطفال، وإن فيه أوراق لازم تتغير. وبعدها صوتهم وطي، وماقدرتش أسمع باقي الكلام.»
حسام سألها:
«ليه ما بلغتيش وقتها؟»
سعاد غمضت عينيها لحظة.
«لأني كنت خايفة. أنا كنت ممرضة بسيطة، والدكتور حاتم كان صاحب نفوذ، والحاجة زينب كانت بتتكلم كأنها تقدر تتحكم في المستشفى كلها. ولما حاولت أسأل عن الطفلتين بعد كده، اتقال لي إنهم ماتوا، وإن الموضوع اتقفل.»
«طب إنتِ ليه احتفظتي بالأوراق؟»
ردت بصوت مكسور:
«لأني ماصدقتش الرواية دي. كان فيه تناقضات في السجلات، وأرقام ملفات اتغيرت، وتوقيعات ماكنتش موجودة في النسخ الأولى. احتفظت بصور من بعض الأوراق، وقلت لنفسي لو ظهر يومًا حد يقدر يدافع عن الأطفال دول، لازم أتكلم.»
فتحت شنطتها، وطلعت ملفًا قديمًا.
كان جواه صور لمستندات طبية، وأرقام سجلات، وملاحظات بخط إيدها.
حسام بدأ يراجع الأوراق بعناية، وبعد دقائق رفع رأسه وقال:
«فيه حاجة هنا لازم نتحقق منها فورًا.»
شاور على رقمين في المستندات.
كان فيه تسجيل لطفلتين تحت رقمين مختلفين، لكن في سجل تاني ظهر نفس الرقمين مرتبطين بحالة نقل غير موثقة.
أما خانة وجهة النقل، فكانت فاضية.
سعاد قالت:
«دي بالظبط الورقة اللي خلتني أشك إن فيه حاجة غلط.»
سألتها:
«يعني البنات اتنقلوا لمكان تاني؟»
قالت:
«ده اللي ظاهر في السجل، لكن أنا ماعرفش المكان. ولا أقدر أقول مين اللي أخد القرار النهائي.»
حسام قفل الملف وقال:
«هنسلم المستندات للجهات المختصة، وهنطلب مراجعة رسمية للسجلات. أي حاجة تانية هنعرفها لازم تكون موثقة.»
لكن قبل ما سعاد تقوم، قالت جملة خلتني أحس إن فيه سر تاني لسه مستخبي.
«فيه حاجة كمان يا أستاذ أدهم. ليلى كانت عارفة إن فيه مشكلة قبل الولادة.»
بصيتلها بصدمة.
«إزاي؟»
قالت:
«قبل ما تدخل غرفة العمليات، طلبت مني ورقة وقلم. كتبت رسالة، وحطتها في التعليقة اللي كانت لابساها. وقالتلي بالحرف: لو حصل لي أي حاجة، لازم بناتي التلاتة يعرفوا إن أبوهم ماكانش يعرف حاجة عن اللي بيحصل.»
حسيت إن قلبي اتقبض.
«يعني ليلى كانت عارفة إن فيه حد بيخطط يفصل البنات عني؟»




